أصبح مقراً لمتحف يوثّق تاريخ العلاقات الكويتية - الأميركية
«المستشفى الأمريكاني»... مهد الطب ومنارة التراث
- يعد علامة فارقة في تاريخ العمارة والرعاية الصحية والعلاقات الإنسانية العابرة للحدود
- أول مبنى من الخرسانة والحديد في الخليج
- كان مختلفاً في شكله ووظيفته بنوافذه الزجاجية الكبيرة وطوابقه الأسمنتية
ليست المباني التاريخية في الكويت مجرد حجارة صامتة، بل شواهد حيّة على تحولات اجتماعية وإنسانية شكّلت ملامح المدينة الحديثة. فبين الجدران القديمة، تختبئ قصص الناس، وتُروى حكايات البدايات الأولى للتعليم والطب والعمران.
ومن بين هذه الصروح، يبرز المستشفى الأمريكاني في الكويت، ليس كمبنى طبي فحسب، بل كعلامة فارقة في تاريخ العمارة والرعاية الصحية والعلاقات الإنسانية التي عبرت حدود الجغرافيا.
أول مبنى خرساني
بدأ العمل في إنشاء المستشفى الأمريكاني عام 1912، واكتمل بناؤه عام 1914، ليكون من أوائل المباني التي شُيّدت في موقعها غرب مدينة الكويت، وعلى مقربة من ساحل البحر، ليصبح مهداً للطب في البلاد ومنارة تراثية.
ولم يكن تميّزه نابعاً من وظيفته الطبية فقط، بل من كونه أول مبنى يُشيد باستخدام الحديد والخرسانة في منطقة الخليج، في زمن كانت فيه العمارة التقليدية تعتمد على الطين والحجر البحري.
أنشئ المبنى على يد الإرسالية التبشيرية العربية التابعة للكنيسة البروتستانتية الأميركية، وتولى تصميمه والإشراف على بنائه مهندسان أميركيان، فجاء مختلفاً في شكله ووظيفته، بنوافذه الزجاجية الكبيرة، وطوابقه الأسمنتية، وأسقفه العازلة للمياه، وغرفه الواسعة ذات الإنارة والتهوية الجيدتين.
بدأ بطابق واحد
تكوّن المستشفى في بداياته من طابق واحد، يضم غرفة عمليات في وسط المبنى، وست غرف موزعة على جانبيه. واعتمد نظام العلاج فيه على تحصيل أجر رمزي من المرضى القادرين، فيما كانت الخدمات تُقدّم مجاناً في كثير من الأحيان، انسجاماً مع الطابع الإنساني للعمل الإرسالي.
ومع ازدياد الإقبال عليه من سكان المدينة والبدو الرحل، أُحيط المستشفى لاحقاً بسياج من الأسلاك، ليشكّل فاصلاً بين المبنى الطبي وخيام البدو الذين كانوا يفدون طلباً للعلاج.
العمل الطبي الرجالي
منذ استقرار الدكتور تشارلز ماليري في الكويت عام 1913، تولّى قيادة العمل الطبي الرجالي والإشراف على المستشفى، الذي أصبح لاحقاً مخصصاً للرجال فقط، مراعاةً لعادات المجتمع الكويتي. وقد ترك الدكتور ماليري بصمة إنسانية عميقة، خُلّدت بتسمية مستشفى الرجال الثاني باسمه لاحقاً.
وتعاقب على العمل في المستشفى عدد من الأطباء البارزين، من بينهم الدكتورة إثر بينت (1910–1921)، والدكتور لويس سكدر (1939–1975)، الذي حظي بثقة ومحبة واسعة بين أهل الكويت، واستمر في عمله حتى تسليم المستشفى إلى وزارة الصحة عام 1967، ثم واصل خدمته الصحية مديراً للمستشفى العسكري حتى وفاته.
مختبر وأشعة ومبانٍ جديدة
مع تزايد أعداد المراجعين، أُعيد تنظيم مستشفى الرجال في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي ليشمل غرفة عمليات مطوّرة، ثم أُضيف مبنى للمختبر عام 1941، ووحدة للأشعة السينية عام 1945، في خطوة تعكس إدخال التقنيات الطبية الحديثة إلى الكويت.
وفي 19 نوفمبر 1954، وُضع حجر الأساس لمستشفى الرجال الجديد في حفل رعاه المغفور له الشيخ عبدالله السالم الصباح، وافتتح المبنى رسمياً في 8 أكتوبر 1955 تحت اسم مستشفى ماليري التذكاري، مزوداً بأجنحة متكاملة، وأجهزة تعقيم، ومعدات حديثة، وأجهزة تكييف، في نقلة نوعية للعمل الطبي آنذاك.
قسم النساء... «خاتون حليمة»
بدأ العمل الطبي النسائي مع وصول الطبيبة غلانور كالفيرلي، المعروفة لدى أهل الكويت باسم خاتون حليمة، في الأول من يناير 1912. وقد مارست عملها في بداياته داخل منزل وسط المدينة، وأجرت زيارات طبية للمنازل، ونجحت في التعامل مع حالات الولادة المتعسرة والعمليات الجراحية، ما أكسبها ثقة نساء الكويت واحترام المجتمع.
ومع ازدياد الحاجة، خُصصت غرف داخل مستشفى الرجال كمستوصف موقت للنساء، إلى أن شُرع عام 1919 في بناء أول مستشفى نسائي مستقل، يضم جناحين وغرفة عمليات وسكناً للممرضات، مع بئر مياه داخلية تُرفع مياهها بمضخة يدوية.
صرح متكامل
استمرت الدكتورة كالفيرلي في عملها حتى عام 1929، وأسهمت في إدخال مفهوم الطب الحديث إلى المجتمع النسائي. ومع تطور الخدمات، افتُتح المستشفى النسائي الثاني عام 1939 برعاية المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح، وكان مبنى من دورين، تولّت الإشراف عليه الطبيبة روث كروز إلى جانب فريق طبي وتمريضي متكامل.
واستمر المستشفى النسائي في تقديم خدماته حتى عام 1967، وهو العام ذاته الذي نُقلت فيه تبعيته إلى وزارة الصحة الكويتية.
ذاكرة وطنية
مع توسع الخدمات الصحية الحكومية المجانية في ستينيات القرن الماضي، تراجع الدور الطبي للمستشفى الأمريكاني بعد أن كان لعقود القلب النابض للرعاية الصحية في الكويت. وفي الأول من أبريل 1967، انتقلت تبعيته رسمياً إلى وزارة الصحة، قبل أن تُنقل لاحقاً إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ليصبح مقراً لمتحف يوثّق تاريخ العلاقات الكويتية – الأميركية، فيما يُستخدم مبنى النساء حالياً مقراً لدار الآثار الإسلامية.