ما سرّ «نجدة» حزب الله - العراق للضاحية الجنوبية لبيروت؟
لبنان يتهيّب الأسوأ وقلبه على... جنوب الليطاني
- وزير خارجية فرنسا أكمل في بيروت استكشاف آفاق وقف التصعيد وأفكار ماكرون للتفاوض
احتَجَبَتْ أنوارُ عيدِ الفطر المبارَك في لبنان خَلْفِ مرحلةٍ من الأكثر سواداً تمرّ بها البلادُ في غمرةِ أحد أخطر المنعطفات التي تقف أمامَها مكشوفةً بالكامل على أعتى حربٍ اسرائيلية تتشابك مع «أمّ المعاركِ» التي تخوضها واشنطن وتل أبيب مع إيران التي تمعن في إعطاء إشاراتٍ إلى أنها تنخرط في المواجهة على قاعدة «وبعدي الطوفان» على مستوى المنطقة برمّتها.
وفيما حلّ العيدُ غير سعيد هذه السنة على عموم الإقليم، في ضوء سياسة «الهروب إلى الأمام» من طهران وأخْذها منطقة الخليج العربي رهينةَ اعتداءاتٍ غادرةٍ على حافة «حسابات خاطئة وخطيرة» تشي بأنها بدأت تستنزف الصبرَ الخليجي، فإنّ خوفَ لبنان مما قد يكون في الأيام المصيرية المقبلة يَكتسب أبعاداً شديدة الخطورة تتأتّى من حجم انغماسه في الحربِ الأميركية - الاسرائيلية مع إيران كجبهةٍ مُوازِية ومشتركة أشعلها «حزب الله» بما جَعَلَ «بلاد الأرز» في مركب واحد مع «الجمهورية الاسلامية» رغم محاولة الدولة اللبنانية توفير «قارب نجاةٍ» للوطن الصغير من الغرق المميت في بحر من الدم والدمار.
وإذ استقبلتْ بيروت الخميس، وزير الخارجية الفرنسي جان - نويل بارو في زيارةٍ وضعتْها باريس تحت عنوان التعبير عن «الدعم والتضامن مع الشعب اللبناني الذي جُرّ إلى حربٍ لم يخترها»، و«استطلاع سبل خفض التصعيد» وذلك استكمالاً لمسارٍ بدأه الرئيس ايمانويل ماكرون عبر أفكارٍ لإطلاقِ مفاوضاتٍ مباشرة بين لبنان واسرائيل ارتكازاً على مبادرة الرئيس جوازف عون في هذا الاتجاه، فإنّ تل أبيب استمرّت بتوجيه الإشاراتِ عبر الميدان اللاهب إلى أنّ هذه ليست ساعة الجلوس إلى طاولةٍ – لا تريدها في أي حال إلا تحت النار - بل المضيّ بجَمْعِ النقاط بالقوة والضغط المتوازي على الدولة اللبنانية كما «حزب الله» الذي يَرفض بدوره التفاوض، من حيث المبدأ، ويَضَعَ في الوقت نفسه «عبوة ناسفة» في المدخلِ الرئيسي لأيّ محادثاتٍ عبر ربْط وَقْفِه النار بتوقّف الحرب مع إيران.
وغداة إحباطٍ طهران مسار التفاوض اللبناني - الاسرائيلي، الذي يشقّ طريقَه الشائك، عبر تأكيد ما يشبه «وحدة المسار والمصير» بين جبهات محورها بالنار ووقْف إطلاقها، لم يكن عابراً إقحام كتائب حزب الله العراقية (الموالية لإيران) لبنان في استهدافاتها المتكرّرة للسفارة الأميركية في بغداد، رغم استخدامها في معرض تظهير هذا «التوريط» صيغةَ اشتراط كي يَسْري وقف الاستهداف لمدة 5 أيام أن «تُكفّ يد إسرائيل عن تهجير وقصف الضاحية في بيروت».
وفي حين جاء هذا كالبند رقم 1 من ضمن الشروط الـ 5 لصمود «الهدنة» و«في حال عدم التزام العدو، سيكون الرد مباشراً، وبشكل مركز مع رفع وتيرة الضربات بعد انتهاء المدة»، فإن أوساطاً مطلعة استوقفها ما بدا «نجدة» كتائب حزب الله العراق لحزب الله – لبنان، معتبرةً أن بيان الكفّ عن استهداف سفارة الولايات المتحدة في بغداد وإن كان عبّر في جانب منه عن تظهير جديدٍ لوحدة الساحات وتَكاتُفها في تخفيف الضغط عنها وتوزيعه وتوسيع رقعة تلقي الصدمات، إلا أنه عَكس في جانب آخَر مسألتين:
- الأول أن حزب الله – لبنان لم يَعُدْ قادراً على فَرْضِ معادلاتِ ردعٍ ولا حماية بوجه اسرائيل التي تستبيح كل شيء في لبنان، أين ومتى تشاء، وصولاً إلى عمق بيروت ومشارف وسط العاصمة، في موازاة توغل جيشها براً في حدودٍ تشير تقارير الى أنها بلغت بين 6 و7 كيلومترات جنوباً، وإطلاقه عملية عزل جنوب الليطاني عن باقي المناطق اللبنانية عبر ضرب الجسور والارتقاء المتدحرج في الاستهدافات التي باتت تطاول البنية التحتية للدولة وإن تحت مسمى «التي يستخدمها حزب الله».
- والثاني أن أيّ استهداف جديد للسفارة الأميركية في بغداد، سيكون «حزب الله» – لبنان جزءاً منه أو شريكاً غير مباشر فيه، وهو ما يرتّب المزيد من المتاعب على بيروت التي تحاول جاهدةً تجنيب البلاد موجةً من التصعيد قد تكون الأخطر في الأيام المقبلة عبر ديبلوماسيةٍ عالقة «بين نارين».
وهذه الدبلوماسية شكّلت محور لقاءات بارو في بيروت مع عون ورئيسيْ البرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام وشخصيات سياسية لبنانية، وذلك غداة اتصالات هاتفية أجْراها مع نظيريه الإسرائيلي جدعون ساعر والأميركي ماركو روبيو ووُضعت في سياق مزيد من استكشاف آفاق أي مسار تفاوضي كانت باريس سعت لتعبيد طريقه بخطةٍ نُشرت مضامينها قبل أن تسحبها من التداول و«تخفض مستواها» إلى أفكارٍ، وذلك بعدما أفرطت بإقحام «بلاد الأرز»، وباكراً، في تعهداتٍ مسبقةٍ بـ «ناتج نهائي» للطاولة المرتقبة عنوانه الاعتراف بدولة اسرائيل وبلوغ اتفاق لا حرب أو عدم اعتداء - ينطوي ضمناً على تطوير ما لاتفاق الهدنة (1949) - ناهيك عن عدم حماسةِ واشنطن لمنْح فرنسا نافذة تكون معها ولو عرّابة شريكة في صوغ «اليوم التالي» في لبنان، وعدم جاهزية تل ابيب لوقف الحرب.
وقبيل وصول بارو الى بيروت، أعطى وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة بعد لقائه عون مؤشراً جديداً إلى أن انطلاق المفاوضات ما زال متعثّراً «لان الطرف الآخَر، أي الطرف الإسرائيلي، لم يقبل بعد تنفيذ مبادرة فخامة الرئيس (...) ومكان وموعد الاجتماع ونوعية البحث ومستوى التمثيل كلها أمور ما زالت قيد البحث».
وقال «ان الرئيس ماكرون تلقّف مبادرة الرئيس عون وأضاف عليها، وحاول تسويقَها مع الأطراف الأخرى لا سيما إسرائيل. وربما لم يلق المستوى اللازم او الضروري من التجاوب، ولكن بحسب علمنا فان ذلك لم يمنعه من الاستمرار في هذه المهمة»، وأضاف: «جوهر مبادرة الرئيس عون هو الدعوة لوقف النار وتعزيز قدرات الجيش اللبناني والتفاوض المباشر على كل المسارات. وهناك تصورات وأوهام أصدرها الاعلام، لكن فخامة الرئيس كان واضحاً في نقاطه الأربع ونحن نعمل كي نفسر هذه المبادرة ونقنع الدول الخارجية بتبنّيها وللضغط على إسرائيل للتجاوب معها».
تدمير جسرين
وفي موازاة ذلك، ومع بلوغ عدد ضحايا حرب لبنان الرابعة منذ اشتعالها في 2 مارس الجاري نحو الف (بينهم نحو 200 طفل وامرأة) وأكثر من 2500 جريح، أثار موقفُ وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن جيشه دمّر جسريْن إضافيين فوق نهر الليطاني، قائلا «إن حزب الله كان يستخدمهما لتهريب الأسلحة والعناصر جنوباً وهذه رسالة واضحة للحكومة اللبنانية بأن دولة إسرائيل لن تسمح بذلك»، مخاوف كبيرة من جولات تصعيد متدحرج في أكثر من اتجاه ومع توسيع لرقعة الاستهدافات التي باتت تُبرر بذريعة «حزب الله يستعملها»، سواء كانت بنية تحتية للدولة، أو شقة، أو منطقة جغرافيةً أينما كانت.