رغم كونها قاحلة وجرداء تماماً حالياً
الصحراء الأفريقية الكبرى كانت تنبض بالحياة في الماضي السحيق
كشفت أدلة جيولوجية وأحفورية جديدة عُثر عليها في أعماق كهوف نائية أن الصحراء الأفريقية الكبرى القاحلة، والتي تعد حالياً من أشد بقاع الأرض جدباً وجفافاً، كانت ذات يوم أرضاً خضراء تفيض بالبحيرات والأنهار والحياة النباتية والحيوانية الوفيرة.
وتوصل باحثون من خلال دراسة الرواسب القديمة وعينات الهوابط والصواعد في كهوف جنوب ليبيا وتشاد وموريتانيا، إلى أدلة قاطعة على فترات «الصحراء الخضراء» المتعددة.
وتشير هذه الأدلة إلى أن المنطقة شهدت تحولات مناخية جذرية على مدى مئات الآلاف من السنين، تحولت خلالها من مراعي وسافانا إلى صحراء قاحلة والعكس.
وتتمثل أبرز الأدلة المكتشفة في:
• اللوحات الصخرية: رسوم ونقوش على جدران الكهوف تصور حيوانات لا تعيش إلا في بيئات رطبة، كالزرافات والفيلة والتماسيح وأفراس النهر.
• حبوب اللقاح الأحفورية: عُثر في طبقات التربة القديمة على حبوب لقاح لأشجار ونباتات لا تنمو اليوم إلا في مناطق السافانا جنوب الصحراء.
• بقايا أسماك وتماسيح: اكتشاف هياكل عظمية لكائنات مائية في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن أقرب مسطح مائي دائم.
• رواسب بحيرات قديمة: تحديد مواقع بحيرات ضخمة كانت تغطي آلاف الكيلومترات المربعة، دلّت عليها ترسبات ملحية وصخور رسوبية مميزة.
ويرجع العلماء هذه الفترات الخضراء إلى تغيرات في ميل محور الأرض ومدارها حول الشمس، وهو الأمر الذي كان يعزز قوة الرياح الموسمية المدارية ويدفعها بعيداً نحو الشمال، حاملة الأمطار الغزيرة إلى قلب الصحراء. وكان آخر هذه الفترات الخضراء قبل نحو 5 آلاف إلى 11 ألف عام، أي في العصر الحجري الحديث.
وتقدم هذه الاكتشافات رؤى مهمة حول كيفية تفاعل التغيرات المناخية الطبيعية مع الهجرات البشرية وتطور الحضارات، فخلال الفترات الخضراء، كانت الصحراء ممراً حيوياً هاجر عبره البشر والحيوانات بين وسط أفريقيا وشواطئ البحر المتوسط. وعندما عاد الجفاف، انعزلت هذه المجموعات البشرية وتطورت بطرق مختلفة.
ويأمل العلماء أن يساعد فهم آليات هذه التحولات المناخية الجذرية في الماضي، وذلك في تحسين النماذج المناخية الحالية التي تتنبأ بمستقبل المنطقة في ظل الاحتباس الحراري.
ويخشى بعض الباحثين من أن التغيرات المناخية الحالية قد تؤدي إلى تحولات سريعة في النظم البيئية الهشة، مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها على السكان الذين يعيشون على أطراف الصحراء اليوم.