طبيب يكشف الأسباب
الأوجاع الدائمة من دون جهد أو إصابة رسائل ... يرسلها الجسد
كشف طبيب مختص في أمراض الروماتيزم أن أوجاع الجسد التي يعاني منها كثيرون حتى في الأيام التي لا يمارسون فيها أي نشاط بدني أو يتعرضون لإصابة، غالباً ما تكون انعكاساً لرسائل داخلية يرسلها الجسد وليست ناتجة عن إجهاد عضلي حقيقي.
وأوضح الدكتور أبهيشيك باتيل، رئيس قسم الروماتيزم والمناعة الإكلينيكية في مستشفى مانيبال في بنغالورو بالهند، أن أنماط الحياة العصرية، التي تتسم بساعات جلوس طويلة، واضطراب النوم، والإجهاد النفسي، وسوء التغذية، تؤدي مع الوقت إلى التهاب منخفض الدرجة في الجسد، وهو ما يجعل العضلات والمفاصل تشعر بالإرهاق والتيبس.
وأشار باتيل إلى أن كثيراً ممن يعانون أوجاعاً مستمرة لا تظهر لديهم أي إصابة واضحة في الفحوصات التصويرية. وأرجع ذلك إلى ارتباط أعراضهم بهرمونات الإجهاد، أو نقص بعض العناصر الغذائية، أو اضطرابات أيضية طفيفة.
وأضاف في تصريحات لصحيفة «تايمز أوف إنديا»: «كثيرون يفترضون أن أوجاع الجسد تأتي فقط بعد التمرين الشاق أو الإصابة. لكن في الحقيقة، الالتهاب المنخفض الدرجة الناجم عن محفزات يومية يمكن أن يجعلك تشعر بالألم حتى في يوم الراحة».
وشرح أن الإجهاد النفسي المتواصل يبقي الجهازين العصبي والمناعي في حالة تأهب قصوى، ما يرفع مستوى المواد الكيميائية المسببة للالتهاب ويزيد حساسية مسارات الألم، فيشعر المرء بأن عضلاته مشدودة ومتعبة.
وأوضح تقرير طبي أن الالتهاب هو آلية الدفاع الطبيعية في الجسد، فعند حدوث إصابة أو عدوى، تفرز الخلايا المناعية مواد كيميائية لإصلاح الأنسجة.
ولكن عندما يظل الالتهاب نشطاً لفترة طويلة، يبدأ في تهييج الأعصاب والعضلات، ما يؤدي إلى تيبس وألم وإرهاق حتى من دون إجهاد بدني. وهذا يفسر شعور البعض بالألم بعد فترات طويلة من الإجهاد النفسي أو قلة النوم.
وأشار التقرير إلى أن الحياة العصرية نادراً ما تمنح الجسد فرصة حقيقية للراحة، فضوضاء العمل، والضغط الرقمي، والإجهاد العاطفي تبقي الدماغ في حالة يقظة دائمة، وتؤدي المستويات المرتفعة من هرموني الكورتيزول والأدرينالين إلى بقاء العضلات منقبضة بشكل طفيف وانقباض الأوعية الدموية، ومع مرور الوقت، ينتشر هذا التوتر في الرقبة والكتفين والظهر، فيما يفسره كثيرون على أنه «ألم عشوائي».
وأكد التقرير أن النوم هو وقت صيانة الجسد للعضلات واستعادة الطاقة وضبط الالتهاب، فخلال النوم العميق، يخلص الدماغ نفسه من النفايات الأيضية ويعيد الجهاز المناعي ضبط إشاراته. وعندما يكون النوم قصيراً أو متقطعاً، تبقى عملية الإصلاح هذه غير مكتملة، مما يفسر الشعور بالثقل والتيبس عند الاستيقاظ.
وتشير المعاهد الوطنية للصحة الأميركية إلى أن سوء نوعية النوم يزيد الالتهاب ويؤثر سلباً في حساسية الألم.
ويلعب النظام الغذائي دوراً أكبر في أوجاع الجسد مما يدركه معظم الناس. فالوجبات الغنية بالسكر المكرر والأطعمة المصنعة والدهون غير الصحية قد تزيد الالتهاب، كما تسبب ارتفاعاً في سكر الدم يؤدي إلى الإرهاق وضعف العضلات.
في المقابل، تساعد الأنظمة الغذائية الغنية بالخضراوات والفواكه والمكسرات والبذور وأوميغا-3 في خفض إشارات الالتهاب.
ويُعد الجلوس الطويل لفترات ممتدة سبباً آخر يُغفل عنه وراء الأوجاع اليومية. فساعات العمل المكتبي واستخدام الشاشات والتنقل تبقي كثيرين جالسين معظم اليوم، مما يفقد العضلات مرونتها ويبطئ الدورة الدموية.
وتتأثر بذلك الرقبة والكتفان وأسفل الظهر والوركان بشكل خاص، إذ تتقلص هذه العضلات وتتطور بؤر توتر صغيرة تخلق انزعاجاً مزمناً.
وأشار التقرير إلى أن أوجاع الجسد قد تكون أحياناً علامة على مشكلة أعمق بدلاً من أن تكون ناتجة عن نمط الحياة. فمن الممكن أن يتسبب نقص فيتامين D أو فيتامين B12 أو الحديد في التعب والألم المنتشر في الجسد، إذ تلعب هذه العناصر أدواراً رئيسة في صحة الأعصاب ووظيفة العضلات وإنتاج الطاقة، وبالمثل، قد تبدأ اضطرابات الغدة الدرقية أو السكري المبكر أو أمراض المناعة الذاتية بأعراض خفية مثل أوجاع الجسد المستمرة.
وأوضح التقرير أن الأوجاع اليومية تستجيب غالباً لتغييرات صغيرة في نمط الحياة. فالحركة المنتظمة تحافظ على مرونة العضلات وتحسن الدورة الدموية، ويمكن للتمدد اللطيف أو المشي أو اليوجا أن يريح العضلات المشدودة ويقلل الالتهاب.
كما أن تحسين عادات النوم، من خلال انتظام مواعيده وتقليل التعرض للشاشات ليلاً، يسمح للجسد بإكمال دورة الإصلاح الطبيعية. وأخيراً، تساعد إدارة الإجهاد عبر تمارين التنفس والتأمل والنشاط في الهواء الطلق على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر.
وشدد التقرير على أهمية التقييم الطبي إذا استمر ألم الجسد عدة أسابيع، أو تداخل مع الأنشطة اليومية، أو صاحبه حمى أو فقدان وزن غير مفسر، أو تسبب في تيبس صباحي طويل، أو ترافق مع تورم المفاصل أو طفح جلدي، فقد تشير هذه الأعراض إلى حالات التهابية أو مناعية ذاتية تحتاج علاجاً مبكراً.