باستهداف البنية التحتية للنظام الإيراني بشكل شامل لإجباره على الانهيار من الداخل
«نموذج غزة» موسع... الإستراتيجية العسكرية الأميركية - الإسرائيلية تعتمد على مفهوم الصدمة والترويع الموسع
- الأميركيون والإسرائيليون لا يريدون فقط تدمير قدرات إيران العسكرية بل تفكيك شبكات الدعم الاجتماعي والسياسي للنظام
- تل أبيب تنفذ نظرية الضربة متعددة الطبقات
تشهد المنطقة تصعيداً غير مسبوق في إطار الحرب المشتركة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة.
وكشف تحليل نشره عاموس هرئيل، المعلق العسكري البارز في صحيفة «هآرتس»، تحت عنوان «في إسرائيل راضون عن النتائج ويستهدفون الآن أهداف النظام أساساً»، أن «الاستخبارات العسكرية الأميركية والإسرائيلية حددت لسلاحي الجو أهدافاً في إيران وصنفتها فئات حسب أهميتها، على أمل استكمال إلحاق الضرر بالأهداف المصنفة بأنها ضرورية قبل إنهاء الحرب».
ويصف المحلل العسكري كيف تطورت الاستعدادات المشتركة للحرب بهدف «تدمير سلاح الجو والبحرية والصناعات العسكرية، إضافة لمراكز الأمن وقادة الجيش والمخابرات والعلماء العاملين في الصناعات العسكرية والنووي وكبار أساتذة الجامعات والمراكز العلمية، وكل من هو مرتبط بالنظام من كل الفئات». ويشدد على أن هذا النهج هو امتداد لما حدث في قطاع غزة، ولكن «بشكل أوسع»، في إشارة إلى تطبيق ما يصفه بـ «نموذج غزة» على إيران.
وفي مقال تحليلي آخر في الصحيفة نفسه، كتب تسفي برئيل، رئيس تحرير «هآرتس» سابقاً، أن هذه الاستراتيجية تتجاوز مجرد ضرب أهداف عسكرية إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بأكملها. ونقل عن مسؤولين في البنتاغون ان «الاستراتيجية العسكرية الحالية تعتمد على مفهوم (الصدمة والترويع) الموسع، حيث يتم استهداف البنية التحتية للنظام الإيراني بشكل شامل لإجباره على الانهيار من الداخل». وأضاف أحد المسؤولين في القيادة المركزية الاميركية - الإسرائيلية المشتركة،«نحن نتعلم من النماذج السابقة، لكن إيران أكثر تعقيداً من غزة، وهذه المرة نستهدف مراكز القوى الناعمة والصلبة معاً».
ونقلت «سي إن إن» عن الجنرال المتقاعد جيمس مكارفيل، المحلل العسكري للشبكة ان «تصنيف الأهداف إلى فئات (مهم، حيوي، وضروري) يعكس فهماً دقيقاً لبنية النظام الإيراني. الأميركيون والإسرائيليون لا يريدون فقط تدمير قدرات إيران العسكرية، بل يريدون تفكيك شبكات الدعم الاجتماعي والسياسي للنظام».
«حرب الظل»
من جانبها، صحيفة «الغارديان» البريطانية تقريراً تحت عنوان «حرب الظل تنكشف: كيف خططت إسرائيل وأميركا لضرب إيران»، نقلت فيه عن محللين عسكريين بريطانيين ان «ما يحدث في إيران هو تطبيق لنظرية الضربة متعددة الطبقات، حيث يتم تدمير القدرات العسكرية التقليدية أولاً، ثم استهداف البنية التحتية الاقتصادية، وأخيراً ضرب مراكز القيادة الفكرية والسياسية».
وبحسب تقرير عاموس هرئيل، فإن «نطاق وتيرة ضرب الأهداف في إيران أثناء الحرب أثار الدهشة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية». ويشير إلى الأضرار الجسيمة التي لحقت بالقدرات الإيرانية:
- الترسانة الصاروخية: تم تدمير أو تعطيل «أكثر من نصف منصات إطلاق الصواريخ البالستية» القادرة على ضرب إسرائيل، واستنزاف «نحو ثلثي الترسانة الإيرانية».
- الدفاع الجوي: دُمرت «الغالبية الساحقة من بطاريات الدفاع الجوي».
- الخسائر البشرية: قُتل أكثر من 3 آلاف عنصر أمني إيراني (مع الإشارة إلى أن العدد الحقيقي قد يكون الضعف)، وأصيب 7 آلاف.
- سلاح الجو: تم تدمير «معظم الطائرات القتالية» التي يستخدمها سلاح الجو الإيراني ومعظم طائرات النقل.
ويضيف الكاتب أن الهجوم تحول في مرحلته الحالية إلى استهداف مراكز النظام الحيوية، مثل هيئة الأركان العامة في الجيش ووزارة المخابرات، التي تكبدت «أشد الأضرار».
كما نقلت «فوكس نيوز» عن الجنرال المتقاعد جاك كين، المحلل العسكري للشبكة: «لأول مرة في التاريخ، نرى تنسيقاً بهذا المستوى بين سلاحي الجو الإسرائيلي والأميركي. إسرائيل أسقطت ضعف كمية الذخيرة التي أسقطتها أميركا، وهذا مؤشر على تحول الأدوار في الشرق الأوسط».
«نموذج غزة» وتوسيع دائرة الاستهداف
ويقدم برئيل في مقاله تحليلاً مختلفاً لمفهوم «النموذج»، ولكن من زاوية جيوسياسية أوسع. ويشير إلى أن هذا الطرح يعكس رؤية تتجاوز مجرد الضربات العسكرية إلى إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية.
ويقول برئيل، رداً على ما نقلته «وكالة مهر للأنباء» الإيرانية عن وزير الخارجية عباس عراقجي خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي: «ما يسمى بنموذج غزة هو وهم إسرائيلي. إيران ليست غزة، والشعب الإيراني ليس شعباً محاصراً. نحن دولة تمتد عبر تاريخ وحضارة، ولدينا عمق استراتيجي وإقليمي».
صحيفة «لوموند» الفرنسية نشرت تحليلاً مطولاً في 9 مارس تحت عنوان «هل تنجح استراتيجية غزة الكبرى في إيران»؟، نقلت فيه عن الباحث في الشؤون الإيرانية بجامعة السوربون، برنارد هوركاد، ان «المقارنة بين إيران وغزة مضللة. غزة كانت محاصرة ومقطوعة عن العالم، بينما إيران دولة مترامية الأطراف لها حدود مع 15 دولة، ولديها علاقات دولية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين. نموذج غزة قد ينجح عسكرياً في المدى القصير، لكنه يفشل استراتيجياً في المدى البعيد».
كما أصدر مركز «تشاتام هاوس» البريطاني للأبحاث تقريراً في 10 مارس 2026، جاء فيه «الولايات المتحدة وإسرائيل تطبقان نظرية صدمة النظام الشاملة، مستفيدتين من تجربة غزة. لكن إيران أكثر تعقيداً، وتتمتع بمرونة مؤسسية تمكنها من امتصاص الصدمات. التحدي الحقيقي سيكون بعد الحرب: كيف سيتم إعادة بناء النظام الإقليمي»؟
صحيفة «وول ستريت جورنال» نشرت في 10 مارس تقريراً تحت عنوان «البيت الأبيض يقيم الخيارات: ترامب يواجه ضغوطاً متزايدة لإنهاء الحرب»، نقلت فيه عن مصادر مطلعة في الإدارة الأميركية ان «الرئيس دونالد ترامب يشعر بالإحباط من طول أمد الحرب. كان يتوقع انتصاراً سريعاً يرفع شعبيته قبل انتخابات التجديد النصفي، لكن الوضع أصبح أكثر تعقيداً. مستشاروه ينقسمون بين دعم استمرار الحرب حتى النهاية، والدعوة إلى وقف فوري لتجنب تداعيات اقتصادية».
كما نقلت شبكة «بلومبرغ» الاقتصادية عن محللين ماليين «هناك قلق حقيقي في وول ستريت من أن تتحول الحرب إلى مستنقع جديد للولايات المتحدة. الأسواق لا تحب عدم اليقين، واستمرار الحرب لفترة طويلة سيؤثر سلباً على الاستثمارات والنمو الاقتصادي».
الأوراق الاقتصادية
وتقدم دفنا مئور في تقريرها المالي بصحيفة «هآرتس/ذي ماركر» تحت عنوان «إيران تقول بوضوح: سنؤلم العالم اقتصادياً إلى أن يتم وقف الحرب»، تحليلاً بالغ الأهمية لكيفية استخدام إيران لأوراقها الاقتصادية لمواجهة التفوق العسكري. فتعويضاً عن المواجهة العسكرية المباشرة، لجأت إيران إلى «مهاجمة الاقتصاد العالمي» عبر تعطيل إنتاج ونقل النفط في المنطقة.
متى يمكن أن تنتهي الحرب؟
1 - السيناريو الإسرائيلي المعلن (المتفائل):
من مصادر إسرائيلية: يتمثل في استكمال تدمير «الأهداف الضرورية» المصنفة (مراكز الثقل في النظام) للوصول إلى نقطة ينهار فيها النظام أو يُجبر على الاستسلام.
لكن عاموس هرئيل في «هآرتس» يشكك في ذلك قائلاً «إسرائيل لا تتوقع انهيار النظام أو هزيمته في هذه المرحلة».
2 - السيناريو الأميركي (الواقعي):
من مصادر أميركية: تشير رفيت هيخت (نقلاً عن تحليلات أميركية) إلى أن ترامب قد يقرر إنهاء الحرب إذا رأى أنها تطول وتؤثر على الاقتصاد العالمي والناخب الأميركي. وتقول: «لن يتفاجأ أي أحد إذا ما أجبر ترامب نتنياهو على إنهاء الحرب في غضون بضعة أيام، حتى من دون تحقيق أي تقدم في القضايا المذكورة».
3 - السيناريو الإيراني (الضغط الاقتصادي):
أوضحت دفنا مئور، أن إيران تسعى إلى رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي إلى درجة يصبح معها الضغط الدولي على واشنطن وتل أبيب لوقف الحرب لا يُحتمل. نجاح إيران في إبقاء أسعار النفط مرتفعة وتعطيل الإمدادات قد يُجبر التحالف على إعادة حساباته.
4 - سيناريو الاستنزاف المطول (السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً):
من مصادر متعددة: في ظل صمود النظام الإيراني حتى الآن، وقدرته على إعادة ترتيب صفوفه (كما في تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى)، واستمرار قدرته على إطلاق الصواريخ، واستمرار التأثير الاقتصادي، يبدو أن الحرب تتجه نحو مرحلة استنزاف طويلة.
مركز «RAND» الأميركي للأبحاث أصدر تقريراً في 10 مارس، جاء فيه: «السيناريو الأكثر ترجيحاً هو حرب استنزاف طويلة الأمد، حيث يحقق التحالف تقدماً عسكرياً تدريجياً، بينما تواصل إيران استخدام أوراقها الاقتصادية والإقليمية. هذا السيناريو مرهق للجميع، وقد يستمر لشهور أو حتى سنوات».
رفيت هيخت (إسرائيل - هآرتس): تشير إلى أن الحكومة تحاول «إطالة مدة حالة النشوة» التي سادت في بداية الحرب، وهي نفس الحالة التي سادت في بداية الحرب على غزة.
برنارد هوركاد (فرنسا - لوموند): يرى أن «المقارنة مضللة» لأن طبيعة إيران مختلفة جوهرياً عن غزة.
وتكشف التقارير عن حرب معقدة الأبعاد، تتجاوز كونها مواجهة عسكرية تقليدية. فالتحالف الأميركي - الإسرائيلي يحقق نجاحات تكتيكية كبيرة على الأرض من حيث تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، مستخدماً نهجاً تصنيفياً دقيقاً للأهداف (نموذج غزة الموسع). هذا ما تؤكده المصادر الإسرائيلية والأميركية بشكل قاطع.
إلا أن المصادر الإيرانية والأجنبية تشير إلى أن إيران نجحت في نقل المعركة إلى ساحة اقتصادية، مستغلة نفوذها في سوق النفط العالمي، ما شكل ضغطاً متزايداً على الإدارة الأميركية وحلفائها.
أما في ما يتعلق بنهاية الحرب، فالتقديرات من جميع المصادر تشير إلى أن «النصر السريع والحاسم» الذي ربما كانت واشنطن تأمله أصبح بعيد المنال. الترجيحات تميل نحو سيناريو تفرض فيه الاعتبارات الاقتصادية والسياسية (داخل الولايات المتحدة وإسرائيل) نفسها، مما قد يؤدي إما إلى وقف إطلاق نار مبكر مقابل تنازلات، أو الدخول في حرب استنزاف طويلة الأمد تعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود قادمة.
واقع أن إسرائيل والولايات المتحدة تطبقان «نموذج غزة» في تدمير إيران هو حقيقة مؤكدة وفق هذه التقارير، ولكن نجاح هذا النموذج في تحقيق أهدافه السياسية الكبرى (إسقاط النظام) لا يزال موضع شك كبير، خصوصاً مع استمرار إيران في الصمود وامتلاكها أوراق ضغط مؤثرة على الاقتصاد العالمي، واستمرار الدعم الإقليمي والدولي لها، وفق ما تؤكده المصادر الإيرانية والأجنبية على حد سواء.