أنقرة بين مطرقة الحملة الأميركية - الإسرائيلية وسندان الطموح العثماني في سوريا ولبنان

صراع الظل... كيف تواجه تركيا خطر «التحجيم» في زمن الحرب على إيران؟

جانب من الغارات الإسرائيلية - الأميركية على طهران
جانب من الغارات الإسرائيلية - الأميركية على طهران
تصغير
تكبير

- الإدارة الأميركية تسعى إلى قيادة ثورة عبر تسليح الكردية في غرب إيران وتقويض مصالح تركيا
- حشد قوة سورية كبيرة على الحدود اللبنانية تطور تصفه تل أبيب بأنه «خطوة أردوغان الجديدة المقلقة»
- هاجس إسرائيلي أن تحاصر إسرائيل بدول عربية بقيادة تركيا بعد القضاء على المشروع الإيراني
- قد تخرج تركيا من الحرب وسيطاً ناجحاً بين أميركا وإيران مما يعزز مكانتها

بدأت ملامح معادلة إقليمية جديدة بالتبلور بعد الأسبوع الاول للحرب الأميركية - الإسرائيلية على ايران، تضع تركيا في قلب عاصفة استراتيجية لا تقل خطورة عن تلك التي تضرب طهران. فبينما تتجه أنظار العالم نحو الضربات الإسرائيلية - الأميركية المكثفة على المنشآت النووية والمواقع العسكرية الإيرانية، تتحرك خيوط لعبة كبرى تحت سطح الأحداث، تهدد بتحويل أنقرة من لاعب إقليمي رئيسي إلى هدف للتحجيم والاحتواء.

قال اللواء احتياط يسرائيل زيف، في تحليل نشره موقع «N12» الإسرائيلي، الأحد، «بينما تتجه أنظار العالم أجمع نحو الحرب في إيران، تستغل تركيا الوضع وتُروج بنشاط لمصالحها الإقليمية في الخفاء». هذا التشخيص الإسرائيلي يكشف عن جوهر الأزمة: ما تراه أنقرة فرصة تاريخية لاستعادة أمجاد «الإمبراطورية العثمانية»، تراه تل أبيب وواشنطن تهديداً وجودياً يجب مواجهته بكل السبل المتاحة.

أولاً: الورقة الكردية

كشف مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون، في تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» قبل أيام، تفاصيل مثيرة حول خطة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي)، لتسليح الأقلية الكردية في غرب إيران.

ووفقاً للتقرير، الذي استند إلى مقابلات مع خمسة مسؤولين أميركيين، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى إلى «قيادة ثورة داخلية في إيران» عبر دعم الأكراد، في خطوة تعيد إلى الأذهان السيناريو السوري الذي مهد لإنشاء مناطق كردية شبه مستقلة.

وأضاف اللواء زيف في تحليله، إن «محاولة الوكالة المركزية تسليح الأقلية الكردية في غرب إيران لقيادة ثورة هناك، تتعارض مع مصالح تركيا، التي تسعى إلى إضعاف جميع الأقليات الكردية في المنطقة».

هذا التعارض ليس نظرياً، بل هو صدام مصالح مباشر، فكل رصاصة تصل إلى يد كردي في إيران هي، من وجهة نظر أنقرة، تهديد محتمل للأمن القومي التركي على حدودها الجنوبية في سوريا والعراق".

وتعليقاً على ذلك، قال الباحث جاليب دالاي من معهد «تشاتام هاوس» في لندن، في مقال نشره موقع المعهد أخيراً إن «الورقة الكردية هي نقطة الضعف الأعمق في العلاقات الأميركية - التركية، حيث أن واشنطن تنظر للأكراد كأداة تكتيكية لزعزعة استقرار أعدائها، بينما تراهم أنقرة كخطر وجودي يهدد وحدة أراضيها. هذا الانقسام الإدراكي يجعل أي تقارب حقيقياً بين الحليفين شبه مستحيل على المدى المتوسط».

ثانياً: إسرائيل تراقب

فيما تخوض إسرائيل حربها الأعنف على إيران، لا تغفل أعين استخباراتها عن تحركات أنقرة على المسرح السوري اللبناني، يشير تقرير لموقع «N12» إلى «حشد قوة سورية كبيرة على الحدود اللبنانية» تحت إشراف تركي، وهو تطور تصفه تل أبيب بأنه «خطوة (الرئيس رجب طيب) أردوغان الجديدة المقلقة».

وأوضح زيف، أن «ما يُشكل الضغط على لبنان هو خطة أردوغان لتركيا الكبرى، والتي تشمل لبنان أيضاً. لدى أردوغان رؤية يُنفذها في كل فرصة سانحة، وهي العودة إلى الإمبراطورية العثمانية التي تضم سوريا ولبنان، وإسرائيل حاضرة فيها أيضاً».

هذه الفقرة تعكس هاجساً إسرائيلياً عميقاً، يتجاوز الملف الإيراني، نحو مستقبل قد تحاصر فيه إسرائيل بدول عربية موالية لتركيا، بعد أن كسرت شوكة إيران.

وأكد المحلل العسكري في صحيفة «يسرائيل هيوم»، يوئيل لنكريشفيلي، في مقال نشره الأربعاء الماضي، أن «أردوغان يستغل انشغال إسرائيل وأميركا بإيران لابتلاع سوريا بشكل تدريجي. ما يحدث ليس دفاعاً عن الحدود اللبنانية، بل هو بناء لقاعدة نفوذ تركية في شرق المتوسط تهدد المصالح الإسرائيلية في الغاز والنفوذ البحري». التحذير الإسرائيلي واضح: التمدد التركي في لبنان وسوريا يعني تقويض المكاسب التي حققتها إسرائيل في السنوات الأخيرة.

ثالثاً: المفارقة التركية

المشهد يصبح أكثر عبثية مع الكشف عن التفاصيل المثيرة التي نشرتها صحيفة «معاريف» العبرية، ونقلتها عن «نيويورك تايمز». يكشف التقرير عن «وضع طوارئ» أعلنته وزارة الخارجية الأميركية، لتجاوز إجراءات الكونغرس وبيع نحو 20 ألف قنبلة لإسرائيل بقيمة 660 مليون دولار.

المفارقة المدوية، كما يصفها الخبير العسكري في صحيفة «معاريف»، طال ليف رام، أن «القنابل الكبيرة تنتجها Repkon USA، وهي شركة فرعية لكبرى شركات الأمن التركية Repkon، التي أصبحت موردة مركزية للقنابل للبنتاغون. هذه القنابل تشق طريقها الآن مباشرة إلى إسرائيل».

بتعبير آخر، بينما يهاجم أردوغان إسرائيل في خطبه النارية، تدر أرباح على بلاده من بيع الذخيرة التي تُسقط على غزة وتُستخدم في الحرب على إيران".

وعلق موقع «ذا هيل» الأميركي على هذه المفارقة في تقرير نشره السبت، بأن «الوضع يضع إدارة بايدن (ترامب) في موقف حرج أمام الكونغرس».

ونقل الموقع عن النائب الديمقراطي غريغوري نيكس من نيويورك قوله، «إدارة ترامب أصرت المرة تلو الأخرى على أنها مستعدة تماماً لهذه الحرب. العجلة في الالتفاف على الكونغرس تروي قصة أخرى – هذا وضع طوارئ خلقته إدارة ترامب بنفسها». الانتقاد هنا مزدوج: تجاوز الرقابة البرلمانية، وإشراك شركة تركية في توريد أسلحة في حرب حساسة".

أما معهد «Heritage Foundation» المحافظ، فقد أصدر تحذيراً لاذعاً، نقلته «معاريف»، جاء فيه أن «سيطرة تركية على إنتاج القنابل في الولايات المتحدة يعرض للخطر الأمن القومي ويمنح أنقرة رافعة ضغط غير مباشرة على توريد الذخيرة لإسرائيل». هذا التحذير يعكس قلقاً أمريكياً عميقاً من أن تحول أنقرة يومًا ما هذه الرافعة إلى ورقة ضغط حقيقية، فتقطع أو تعطل إمدادات الذخيرة في لحظة حرجة.

رابعاً: استهداف تركيا!

وسط كل هذا التوتر، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول المواجهة غير المباشرة إلى صدام عسكري مباشر مع تركيا؟

يجيب المحلل الاستراتيجي في مجلة «فورين أفيرز»، ستيفن كوك، في تحليل حديث، بالقول «تركيا ليست إيران. هي عضو في الناتو، وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، وقواعد عسكرية أميركية حيوية على أراضيها».

ولفت إلى أن «فتح جبهة مع أنقرة يعني انتحاراً استراتيجياً للمصالح الأميركية في المنطقة»، وهذا الرأي يُجمع عليه معظم المحللين الغربيين، لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن «التحجيم» هو البديل العملي.

وطرح الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت، في مقال بصحيفة «معاريف»، رؤية أكثر عمقاً قابل فيها إن «إسرائيل تخشى من أن تؤدي الضربة القاضية لإيران إلى ولادة قوة جديدة بقيادة تركيا، تكون أكثر خطورة من إيران. لهذا، فإن إسرائيل تعمل في الخلف لضمان خروج إيران من الحرب ضعيفة بما يكفي لعدم تهديد إسرائيل، ولكن قوية بما يكفي لمواصلة لعب دور الثقل الموازن للطموحات التركية في المنطقة». هذه المقاربة، إن صحت، تفسر التعقيد الهائل للمشهد".

خامساً: السيناريوهات المستقبلية

الاحتواء المزدوج، حيث قد تضطر واشنطن لاختيار تركيا كحليف قوي، لكن ثمن ذلك سيكون تقديم تنازلات في الملف الكردي، وهو ما قد ترفضه إسرائيل". هذا السيناريو يعني استمرار التوتر مع محاولة إدارته.

التصعيد غير المباشر

ويحذر تقرير صادر عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS) في واشنطن من أن «المرحلة المقبلة قد تشهد حروباً بالوكالة بين تركيا من جهة، وإسرائيل وأميركا من جهة أخرى، في ساحات عدة، سوريا، العراق، وربما ليبيا»، مشيراً إلى أن «كلاً من الطرفين يملك أوراق ضغط، وكلاهما مستعد لاستخدامها».

إعادة الضبط الاستراتيجي

المحلل في «مجلس العلاقات الخارجية» (CFR)، إليوت أبرامز، وهو من أبرز المتشددين تجاه إيران، طرح رؤية مغايرة في مدونته الأخيرة قال فيها «قد تخرج تركيا من الحرب وسيطاً ناجحاً بين أميركا وإيران، مما يعزز مكانتها، في هذه الحالة، قد تضطر إسرائيل للتعايش مع نفوذ تركي متزايد، مقابل ضمانات أميركية بحماية مصالحها»، وهذا السيناريو يبدو الأكثر تفاؤلاً، لكنه يتطلب تنازلات مؤلمة من جميع الأطراف.

تركيا في عين العاصفة

ما يحدث اليوم هو أكثر من مجرد حرب على إيران. إنها إعادة تشكيل للشرق الأوسط على أسس جديدة، وتركيا تدرك أنها إما أن تكون جزءاً من هذه المعادلة الجديدة، أو أن تبقى خارجها.

قلق أنقرة ليس نظرياً، بل يستند إلى قراءة متأنية للتحركات الأميركية في الملف الكردي، والتحذيرات الإسرائيلية المتصاعدة، والانتقادات الداخلية في واشنطن لدور الشركات التركية في توريد الأسلحة.

وقال أردوغان في خطاباته إن «تركيا أكبر من أن تُحاصر»، لكن الواقع على الأرض يشير إلى أن شبكة التحجيم بدأت تتشكل بالفعل.

بينما تواصل إسرائيل وأميركا حربهما على إيران، تبقى أنقرة تراقب بحذر، وتتحرك بحساب، وتنتظر اللحظة المناسبة لتثبت للجميع أنها لم تعد ذلك الحليف المطيع، بل قوة إقليمية تمتلك أوراقها الخاصة، حتى لو كانت هذه الأوراق تحمل تناقضاتها العجيبة، كبيع القنابل لمن يهاجمهم خطابها السياسي.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي