دور خفي لجهاز المناعة
لماذا لا تلتئم جروح مرضى السكري؟
من خلال دراسة رائدة، كشف علماء عن السبب الحقيقي وراء عدم أو بطء التئام جروح مرضى السكري، وهو الأمر الذي كان يُعزى سابقاً لضعف الدورة الدموية فقط، ليتبين أن السبب يكمن أيضاً في دور يلعبه خلل عميق في سلوك الخلايا المناعية.
وأوضح تقرير منشور في موقع «سايتك ديلي» أن جهاز المناعة لدى مريض السكري يعلق في «حلقة مفرغة» من الالتهاب المزمن، حيث تفشل الخلايا البالعة (Macrophages) في التحول من الطور الهجومي (الذي يقتل البكتيريا) إلى الطور الترميمي (الذي يبني الأنسجة الجديدة).
ويؤدي هذا الاحتباس المناعي إلى بقاء الجرح مفتوحاً وعرضة للعدوى، ما يزيد من مخاطر المضاعفات الخطيرة والغرغرينا، وهو الأمر الذي يتطلب مقاربة علاجية جديدة تركز على «إعادة برمجة» الاستجابة المناعية بدلاً من مجرد الضمادات التقليدية دائماً.
ويرى خبراء مختصون في الأمراض الباطنية والجراحة أن فهم هذه الآلية الجزيئية يمثل طوق نجاة لملايين المرضى الذين يعانون من «القدم السكرية».
ومن الناحية العلمية، تبين أن مستويات السكر المرتفعة تغير من كيمياء البيئة المحيطة بالجرح، ما يرسل إشارات خاطئة للخلايا المناعية تبقيها في حالة تأهب قتالي دائم يمنعها من إفراز عوامل النمو الضرورية لالتئام الجلد.
وبفضل هذا الاكتشاف، يجري الآن تطوير علاجات بيولوجية وهلاميات ذكية تحتوي على جزيئات تعيد توجيه الخلايا المناعية نحو وظيفة الإصلاح، ما قد ينهي معاناة طويلة مع الجروح التي لا تشفى أبداً.
ولتحويل هذه المكتشفات إلى واقع علاجي ملموس، تركز الجهود البحثية الحالية على المسارات الآتية:
• تطوير «ضمادات ذكية» تفرز مواد كيميائية تكسر حدة الالتهاب المناعي الموضعي وتحفز بناء الأوعية الدموية الدقيقة.
• استخدام تقنيات التعديل الجيني الموضعي لتنشيط بروتينات الترميم داخل خلايا الجلد المحيطة بالجرح السكري.
• تدريب المرضى على أساليب حياة تقلل من «الجهاد التأكسدي» في الجسم، ما يحسن من جودة الاستجابة المناعية الشاملة.
وإذ يشكل كشف الستار عن «خيانة» الجهاز المناعي لصاحبه في حالات السكري خطوة جبارة نحو علاجات أكثر إنسانية وفعالية، فإن العلم لا يتوقف عن تحدي المسلمات، ليؤكد أن الشفاء عملية معقدة تتطلب توازناً دقيقاً بين الهجوم والدفاع داخل أجسادنا.
ومع اقتراب وصول هذه العلاجات المناعية إلى الأسواق، يتجدد الأمل في مستقبل تخلو فيه حياة مرضى السكري من شبح الجروح المزمنة، لتظل الحركة والحيوية حقاً مكتسباً للجميع، بعيداً عن قيود المرض ومضاعفاته.