الحرب على إيران وضرب لبنان وتهميش تركيا... «العرض الافتتاحي لجلسات سرّية»

مؤتمر ميونخ... نقل إيران من العزلة إلى سيناريوهات الضربة

دمار غارات أميركية - إسرائيلية على طهران
دمار غارات أميركية - إسرائيلية على طهران
تصغير
تكبير

- ترامب استغل المؤتمر لإعادة صياغة توازنات المنطقة... وإيران كانت الهدف غير المعلن لمعظم الجلسات المغلقة
- طهران لم تعد تُختزل في ملفها النووي بل باتت مرتبطة إستراتيجياً بدعمها لروسيا

استغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤتمر ميونخ لإعادة صياغة توازنات المنطقة، والعمل على بلورة إجماع أوروبي يمهّد لإعادة رسم خرائط النفوذ، عبر استهداف النظام الإيراني وترسانته العسكرية، وشطب مشروعه الإقليمي، لصالح مشروع إسرائيلي - أميركي مشترك، استناداً إلى تحليل نشره معهد بحوث الأمن القومي، بقلم رئيسه تمير هايمن، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات الإسرائيلية.

وقال هايمن: «لم يكن مؤتمر ميونخ للأمن 2026 مجرد اجتماع سنوي يناقش التهديدات العالمية، بل بدا هذا العام كغرفة عمليات سياسية مفتوحة، تُدار فيها حسابات الحرب والسلام، وتُختبر فيها التحالفات، وتُعاد صياغة الأولويات».

وأضاف أن المؤتمر تميّز بنبرة تصالحية غير مسبوقة بين أوروبا والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن «الفجوة التي ظهرت العام الماضي تقلّصت بصورة لافتة». وأوضح أن النقاشات تمحورت حول أربعة عناوين كبرى: إيران، روسيا، إعادة تسليح أوروبا، ومستقبل قطاع غزة، فيما تراجعت ملفات أخرى إلى الهوامش.

واشنطن - بروكسل: تصالح تكتيكي بحسابات إستراتيجية

وأشار هايمن إلى أن خطاب وزير الخارجية ماركو روبيو اتسم بنبرة هادئة ومتصالحة، مؤكداً أن الإدارة الأميركية شدّدت على ضرورة تحمّل أوروبا عبء أمنها، من دون التخلي عن الشراكة الأطلسية.

وأضاف أن القادة الأوروبيين تجنبوا المواجهة المباشرة مع واشنطن، بل ذهب بعضهم إلى الإشادة بترامب، في محاولة لاحتواء التباينات.

ولفت إلى أن أوكرانيا كانت «بطل المؤتمر»، إذ حظي رئيسها بتعاطف واسع في ظل استمرار الحرب مع روسيا. كما أن استمرار رفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، والبحث في تخصيص ما يصل إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للأمن، يعكس - وفق هايمن – إدراكاً أوروبياً بأن القارة دخلت مرحلة «الاعتماد المشروط» على الولايات المتحدة، لا مرحلة الاستقلال الكامل عنها.

من العزلة إلى الضربة

أبرز ما كشفه التحليل أن إيران كانت الهدف غير المعلن لمعظم الجلسات المغلقة. وأوضح هايمن أن النظرة إلى طهران لم تعد تقتصر على برنامجها النووي، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بدعمها لروسيا في الحرب الأوكرانية، ما أدى إلى «انفصالها عن أوروبا سياسياً وأخلاقياً».

وأضاف أن منتديات عدة ناقشت، بشكل غير مباشر، «العمل الأميركي المرتقب ضد إيران»، من دون تحديد توقيته أو طبيعته، لكن مع افتراض تنفيذ ضربة عسكرية لتقويض النظام. وبيّن أن النقاش لم يتوقف عند حدود الضربة نفسها، بل امتد إلى «اليوم التالي»، أي إلى سيناريوهات إسقاط النظام أو إضعافه جذرياً.

وفي هذا السياق، طُرحت احتمالات عدة:

- قيام ديكتاتورية عسكرية.

- تشكيل نظام بيروقراطي محافظ غير ثوري.

- صعود حكم شعبوي علماني بقيادة جديدة.

- نموذج شبيه بتركيا، يقوم على ديمقراطية شكلية تُخفي نظاماً محافظاً أيديولوجياً.

ولفت هايمن إلى أن الانقسام داخل المعارضة الإيرانية، بما في ذلك الجدل حول دور رضا بهلوي، يعقّد فرص التغيير الداخلي، ما يعزز فرضية الاعتماد على ضغط خارجي أو عمل عسكري مباشر.

تهميش تركيا... حضور بروتوكولي بلا نفوذ فعلي

رغم مشاركة أنقرة في المؤتمر، بدا دورها باهتاً. وأشار التحليل إلى أن تل أبيب وواشنطن عملتا على إبقاء الدور التركي في حدود ضيقة، من دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية.

وأضاف أن الحديث عن «نموذج تركي» لإيران المستقبلية حمل دلالات مزدوجة؛ فهو اعتراف بواقع سياسي قائم في أنقرة، لكنه في الوقت نفسه تلميح إلى أن تركيا لم تعد تُقدَّم بوصفها نموذجاً ديمقراطياً كاملاً، بل حالة انتقالية ذات طابع محافظ ملتبس.

كما أوضح أن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط (IMEC) يواجه تعقيدات متزايدة، بسبب توتر العلاقات الإقليمية، ما يهدد أحد أبرز رهانات واشنطن الاستراتيجية في مواجهة الصين.

القضية الفلسطينية: تعاطف أوروبي بلا أدوات تنفيذ

وأكد هايمن أن استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية الخاصة وتسجيلها كأراضٍ إسرائيلية في الضفة الغربية اعتُبر في ميونخ «زلزالاً قانونياً». وأضاف أن الأوروبيين رأوا في ذلك دليلاً على الضم الفعلي، بما يتعارض مع القانون الدولي.

وقال إن القادة الفلسطينيين استثمروا كل جلسة لطرح مطلب فرض عقوبات على إسرائيل. غير أن أي دولة أوروبية لم توافق على هذا الطرح، بحجة غياب الإجماع الأوروبي، رغم الاعتراف الواسع بالحقوق الفلسطينية والتأكيد المتكرر على حل الدولتين.

مفترق طرق إسرائيلي

يخلص هايمن إلى أن إسرائيل تقف أمام مفترق طرق حساس؛ فهي، من جهة، تملك فرصة اقتصادية غير مسبوقة في قطاع الصناعات الدفاعية، في ظل سباق التسلح الأوروبي، ومن جهة أخرى تواجه خطراً سياسياً يتمثل في العزلة الإقليمية وتأجيل التطبيع مع عدد من الدول العربية.

وأضاف أن إسرائيل نجحت في تهيئة بيئة دولية - سياسياً - مريحة لتحرك ضد إيران، مستفيدة من التغير في المزاج الأوروبي، ومن رغبة واشنطن في إعادة ضبط التحالفات.

وختم بالقول إن مؤتمر ميونخ 2026 شكّل مساحة لإعادة توزيع الأدوار قبل أي مواجهة محتملة؛ أوروبا تتسلح، إيران تحت المجهر، تركيا على الهامش، فيما تبقى فلسطين حاضرة في الخطاب، لكنها غائبة عن موازين القوة.

في هذا المشهد المعقّد، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل عميقة، عنوانها توازنات جديدة تُكتب بين ميونخ وواشنطن وتل أبيب، في انتظار ما ستسفر عنه الحسابات العسكرية والسياسية في الأشهر المقبلة.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي