هل يَنحني «حزب الله» أمام العاصفة أم يُجاري إيران في «حرب البقاء»؟
لبنان على أعصابه... والدولة تسعى لـ «شبكة أمان» تقيه الشر المستطير
وفي اليوم الثاني للحرب في المنطقة، تَعَمَّقَتْ مظاهر سيْر لبنان على حبل مشدود فوق فوهة البركان الذي انفجر وتتطاير حِممه في مختلف الاتجاهات، منذرةً بـ «سيْلِ نارٍ» بدأ يتمدد في اتجاه بوابة أوروبا قبرص.
وفي الوقت الذي تزايدت المخاوف مما بعد اغتيال رأس الجمهورية الإسلامية في إيران، المرشد السيد علي خامنئي، باعتبار أنه شكّل حَرْقاً عن سابق تصور وتصميم لمراكب المفاوضات وإشارة «لا عودة» عن إسقاط النظام، بضرباتٍ قاضية متسلسلة أو توفّر ظروفَ انهياره من الداخل، فإن مؤشرات انخراط طهران في حربِ بقاءٍ تَستجمع لها مختلف أدواتِ مواجهة النفَس الطويل عزّزت قلقَ لبنان من أن ينكشف على العاصفة الأكبر التي تشي بأن المنطقة في عين تحولٍ أقرب إلى سقوط «جدار برلين» يعاود ترسيم خريطتها الجيو-سياسية وخطوط النفوذ فيها.
وفيما كان لبنان الرسمي يندفع نحو دبلوماسية نشطة في اتجاه دول الخليج العربي مؤكداً التضامن معها في وجه العدوان الإيراني الآثم، بالتوازي مع التذكير عبر اجتماع المجلس الأعلى للدفاع بأن قرار الحرب والسلم في يد الدولة وحدها، فإن السلوكَ العدواني لطهران تجاه البلدان الخليجية أثار خشية كبيرة من ارتداداتٍ ضاغطة له على الساحة اللبنانية ستَختبر مدى قدرة بيروت على إبقاء البلاد بمنأى عن الطوفان الذي تزداد إشارات أن إيران تواجهه على قاعدة... «وبعدي».
وفي رأي أوساط واسعة الاطلاع أن إيران التي لم تتوانَ عن كسْر كل الخطوط الحمر باعتداءات سافرة على دول الخليج في محاولةٍ لإرساء معادلة «الغرق معاً أو الخلاص معاً» - بما يُظْهِر تَخبُّطاً استراتيجياً يجعلها تعمّق الحفرة التي وجدت نفسها فيها وتزيد عزلَتها - قد لا تتأخر بعد أن تستوعب صدمة اغتيال خامنئي وما عبّرتْ عنه من اختراقٍ تقني واستخباراتي هائل وتفوُّق عسكري كبير في استنهاض ساحات المحور وإن الجريح لضمان أطول فترة استنزاف لـ «الأعداء»، ولاسيما إدارة الرئيس دونالد ترامب وتحويل الحرب عبئاً داخلياً عليه.
«حزب الله»
ومن هنا ازداد الترقب لأي إشارة تصدر عن حزب الله في ما خص انخراطه في الحرب، خصوصاً بعدما كان مسؤول فيه قال قبل يومين إنه إذا كانت الضربات الأميركية لإيران محدودة «فموقف الحزب هو عدم التدخل عسكريا. لكن إن كان هدف واشنطن إسقاط النظام أو استهداف شخص المرشد، فالحزب سيتدخل حينها لأن أي هجوم ضد آية الله خامنئي هو خط أحمر».
وفيما مضى «حزب الله»، الذي أقام بعد ظهر الأحد تجمعاً في الضاحية الجنوبية لبيروت «وفاء للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية ونصرة للجمهورية الإسلامية»، في اعتماد «الغموض الاستراتيجي» بإزاء خطوته التالية في ما خص الحرب في المنطقة، فقد حمل بيان التعزية بخامنئي الذي أصدره أمينه العام الشيخ نعيم قاسم إشارات اعتُبرت مثيرة للقلق وخصوصاً تأكيده «أننا في حزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان وكل المؤيدين الداعمين لهذا الخط الخميني الأصيل، سنواصل الطريق بِعزم وثبات وروحية استشهادية لا تعرف الكلل والملل، ولا ترضى الذل، وسنكون دائماً في طليعة المجاهدين لِتحرير الأرض والإنسان على نهج سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله. سنقوم بواجبنا في التصدي للعدوان، واثقين بنصر الله وتسديده وتأييده».
وأكد أنه «مهما بلغتْ التضحيات لن نترك ميدان الشرف والمقاومة ومواجهة الطاغوت الأميركي والإجرام الصهيوني للدفاع عن أرضنا وكرامتنا وخياراتنا المستقلة، معاهداً«بالثبات على خط الجهاد والمقاومة ومقارعة المستكبرين ونصرة الحق والمستضعفين».
رسالة «ضمانة»!
وفي المقابل، كانت الدولة اللبنانية تمضي في تَجميع أوراقها دعماً لخيارها برفض اقتياد البلاد إلى حربِ إسنادٍ جديدةٍ لا تريدها غالبية اللبنانيين في أي حال ولا قدرة على تحمُّل تداعياتها «المميتة»، ومن بين هذه الأوراق كشف رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، أنه تلقى عبر السفير الاميركي في بيروت ميشال عيسى،رسالة من إدارته«تؤكد أن الجانب الإسرائيلي ليس في وارد القيام بأي تصعيد ضد لبنان، طالما لا أعمال عدائية من الجهة اللبنانية».
واعتُبرت هذه الرسالة بمثابة «ضمانة» من واشنطن بعدم اتساع رقعة الحرب على إيران في اتجاه لبنان ما لم يبادر«حزب الله» للانخراط فيها، وسط اشارة مصادر متابعة إلى أن«الوجه الآخر» من هذه الرسالة ينطوي حُكماً على المخاطر مجتمعةً التي تترتبّ على أي توريط للبلاد في مستنقع النار الذي لن تكون المواجهة فيه محصورة بحزب الله، بعد التقارير عن تحذيرات من أن البنية التحتية للدولة هي برسم الاستهداف، كما أنها لن تكون مع إسرائيل لوحدها بل مع الولايات المتحدة أيضاً هذه المرة.
وإذ كانت تشظياتُ «حرب الخليج الثالثة»، وإن الجانبية حتى الآن، تصيب لبنان عبر التقارير عن إرجاء مؤتمر دعم الجيش والقوى المسلحة اللبنانية المقرر عقده في باريس الأربعاء المقبل، لم يكن عابراً تشديد الدولة عبر اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الذي ترأسه عون بحضور رئيس الحكومة نواف سلام وقادة الأجهزة الأمنية والوزراء المعنيين على امتلاكها وحدها قرار الحرب والسلم، في موازاة الحرص على إظهار أعلى درجات التضامن مع دول الخليج بوجه الاعتداءات الإيرانية عليها.
وفي البيان الذي صدر عن الاجتماع أن عون«استهلّ الاجتماع بعرض سريع للأوضاع الإقليميّة الرّاهنة، على أثر التطوّرات الخطيرة المستجدّة، وتَوقّف عند مقتل المرشد الأعلى للثّورة الإسلاميّة السيّد علي خامنئي، في غارة إسرائيليّة، بما يمثّله في بلاده وخارجها»، وتوجّه الرئيس اللبناني«بصادق العزاء إلى كلّ البلدان الّتي أصابتها التطوّرات الأليمة، كما بالتضامن الأخوي مع الدّول العربيّة، والشجب الكامل لاستهداف مواطنيها ومنشآتها المدنيّة»، مشدداً على«أنّ ما سبق، يُظهر مجدّداً الإجماعَ الوطني على أنّ قرار الحرب والسِّلم هو في عهدة الدولة وحدها، تمارسه عبر مؤسّساتها الدّستوريّة حصراً. وهو ما تَوافق عليه الجميع، وعبّرت الدّولة عنه خير تعبير، في خطاب القسَم الرّئاسي كما في البيان الوزاري للحكومة الحاليّة».
من جهته، شدّد رئيس الحكومة «على أهميّة وضع مصلحة اللّبنانيّين فوق أي حساب، وضبط الوضع الأمني والميداني جنوباً وشرقاً وعدم السماح بأي خلل»، مؤكداً من جهة أخرى وجوب «ضبط الأسعار والكميّات للسّلع والمواد الغذائيّة والمحروقات».
وبعدما ناقش المجلس الأعلى التطوّرات الأمنيّة والعسكريّة المختلفة والأوضاع الدّاخليّة أهاب «باللّبنانيّين جميعاً مسؤولين ومواطنين، التشبّث بالتزامهم بحسّ المسؤوليّة الوطنيّة العليا في هذه الظّروف الدّقيقة، وذلك على أصعدة حياتهم كافّة، حفاظاً على الاستقرار العام، كما على الأمن الوطني الشّامل، عسكريّاً ومعيشيّاً واجتماعياً»، مثمناً «روح الانضباط العام الّذي ساد في البلاد، وأهميّة خطاب العيش معاً، خصوصاً في ظلّ الأزمات والخسارات، رغم جسامة الحدث. وهو ما يؤكّد مجدّداً، إجماع اللّبنانيّين كافة على ثوابت ميثاقيّة باتت مسلّمات نهائيّة، أهمّها الولاء للبنان، واعتبار مصالح اللّبنانيّين العليا هي وحدها غايتنا ومرجعيّتنا، وأنّ الدّولة وحدها هي صاحبة قرار السّلم والحرب».
وطلب المجلس من وزارة الأشغال «العمل على إبقاء الأجواء اللبنانيّة مفتوحة، مع الأخذ بالاعتبار سلامة المسافرين وتأمين رحلاتهم ذهاباً وإياباً، ومتابعة التطوّرات وإبلاغ المواطنين».
وفي هذا الوقت، مضى عون في اتصالاته الواسعة مع قادة الدول العربية والخليجية، وآخرها مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني مستنكراً «تعرض الأراضي الأردنية للاعتداء»، ومؤكداً «تضامن لبنان رئيساً وشعباً مع الأردن وشعبه الشقيق في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به المنطقة».
وكان عون أجرى اتصالاتٍ يوم السبت مع عدد من قادة الدول العربية التي استهدفها القصف، معرباً عن استنكار لبنان للاعتداءات التي استهدفت سيادة دولهم واستقرارها وأمنها «والتضامن مع الدول الشقيقة المستهدفة ومع شعوبها».
وشملت الاتصالات كلاً من سمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، ولي العهد رئيس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ال ثاني، رئيس دولة الامارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وملك البحرين حمد بن عيسى ال خليفة.
وبحسب «واس»، فقد تم خلال الاتصال بين محمد بن سلمان وعون «بحث التطورات في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، بالإضافة إلى بحث الاعتداءات الإيرانية السافرة التي طالت المملكة والدول الشقيقة. وعبر فخامته عن إدانته للاعتداء الذي استهدف المملكة ووقوف لبنان حكومة وشعباً إلى جانب المملكة».
وفي إطار متصل، تابع رئيس الحكومة أوضاع اللبنانيين في دول الخليج العربي وأجرى لهذه الغاية اتصالات بسفراء لبنان المعتمدين في كل من المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين واطمأنّ منهم إلى ان سفاراتهم وضعت خطاً ساخناً في خدمة اللبنانيين في ظل ما تتعرض له هذه الدول من اعتداءات.