إعلان اجتماعي عن دخول الشهر الكريم
مظاهر زينة رمضان في أسواق الكويت... بين الضوء والمعنى والذاكرة
- علي صالح النجادة لـ«الراي»:
- قديماً في الكويت لم تكن الزينة منفصلة عن البنية اليومية للسوق
- الضوء والاجتماع والتكافل والهوية... 3 مستويات لرمزية زينة شهر رمضان في الأسواق القديمة
- لا يمكن فصل الزينة عن جغرافيا الأسواق التراثية في مدينة الكويت
«ارتبطت أسواق الكويت القديمة، بوصفها قلب المدينة النابض، بموسم شهر رمضان المبارك ارتباطاً وثيقاً تجاوز البيع والشراء إلى إعلان اجتماعي عن دخول الشهر الكريم، حيث تُشارك فيه الدكاكين والممرات والمساجد القريبة عبر زينةٍ بسيطة المظهر، عميقة الدلالة».
الكلام للبروفيسور علي صالح النجادة - عضو مؤسس لفريق إكسبو 965 للمعارض التراثية الحرفية والمبدعين الكويتيين، الذي أشار في حوار مع «الراي» أنه «إذا كانت زينة اليوم تُقرأ بوصفها ديكوراً بصرياً، فإن زينة الأمس كانت تُقرأ بوصفها لغة ضوءٍ وتكافلٍ وروح دينية واجتماعية وجماعية تتشكل داخل السوق وما حوله».
«زينة الماضي»
وأوضح النجادة، كيف كانت زينة رمضان في الماضي، وطبيعتها ونوعها، قائلاً: «قديماً في الكويت، لم تكن الزينة منفصلة عن البنية اليومية للسوق، فقبل انتشار الإضاءات الحديثة المختلفة الأنواع والألوان على نطاق واسع، كان الضوء نفسه جزءاً من الزينة من خلال السُرُج واللمبات التي كانت تُضيء الدكاكين والممرات وتُبرز حركة الناس ليلاً، فتمنح السوق هيبة شهر رمضان ووقاره. ومع مرور الوقت، ظهرت أشكال رمزية مرتبطة بالشهر المبارك في الثقافة العربية عموماً، مثل الفوانيس (مفردها فانوس) التي صارت عنصراً متداولاً في أسواق الزينة».
«عرض البضائع»
وأضاف «لقد كانت زينة السوق لا تقتصر على المعلّقات من عناصر الإضاءة والأعلام، بل كانت تتجلى أيضاً في هيئة عرض البضائع داخل المحلات مثل إبراز التمور، ومستلزمات الهريس والجريش، وأواني الضيافة وما يلزم للإفطار والسحور، وهي مظاهر ترتبط باستعدادات شهري شعبان ورمضان. ومن هنا، أصبح ترتيب البضائع ووفرتها وواجهتها الرمضانية جزءاً من مشهد الزينة ومظهراً من مظاهر الاحتفال بالشهر المبارك، لأنه يعلن معنى الكفاية والضيافة والتشارك».
«ثلاثة مستويات»
وأكمل النجادة «ومن الناحية الرمزية، يمكن قراءة زينة شهر رمضان المبارك في الأسواق القديمة على ثلاثة مستويات، الأولى هي رمزية الضوء، فالضوء في شهر رمضان ليس وظيفة فقط، بل إشارة إلى السكينة والعبادة وحضور الليل الرمضاني (صلاة التراويح والسحور) في الوعي الجمعي، لذلك كان أي تحسين في الإنارة يُعد احتفاء بالشهر المبارك».
ولفت إلى أن «المستوى الثاني، هو رمزية الاجتماع والتكافل، فالأسواق كانت ملتقى الفريج والمدينة، تزيّنها (يعني تزيّن المجال المشترك)، لا البيت وحده فقط. وترتبط مظاهر شهر رمضان القديمة كذلك بممارسات العطاء وتبادل توزيع النافلة من الطعام (النقصة) كهدايا رمضانية اجتماعية، وهي سياقات تُظهر أن روح الشهر تُبنى عبر الكرم والتواصل والمشاركة».
وأردف «أما المستوى الثالث، فهو رمزية الهوية. ففي الأسواق التراثية المتخصصة مثل سوق الصفافير المشهور ببيع وتبييض الأواني النحاسية كقدور طبخ الهريس ودلال القهوة وغيرها، يكتسب المشهد الرمضاني نكهة محلية، إذ تلمع الأدوات والأواني النحاسية التقليدية، وتُعاد وظيفتها موسمياً استعداداً لطبخ وإعداد الأكلات الرمضانية المتعارف عليها، فيصبح السوق متحفاً حياً للهوية الرمضانية الكويتية».
«جغرافيا الأسواق التراثية»
وأشار النجادة إلى أنه «بمراجعة المصادر المعتبرة لتاريخ الكويت، لا يمكن فصل الزينة عن جغرافيا الأسواق التراثية في مدينة الكويت، إذ من أبرز البيئات التي كانت تستقبل مظاهر رمضان المبارك، سوق المباركية وما يتفرع عنه، فهو سوقٌ تاريخي نشأ وتطوّر بوصفه مركزاً تجارياً واجتماعياً مهماً، وحوله تشكلت أسواق متعددة التخصصات، كانت الممرات والواجهات أقرب إلى لوحات إضاءة، تُعين الحركة وتمنح المكان طابعاً احتفالياً. وسوق الصفافير (النحاس)، وهو من أقدم الأسواق التراثية، ارتبط بالنحاس وأدواته، وظل حاضراً في ذاكرة الكويت وأهلها بوصفه سوقاً تخصصياً قديماً. وفي شهر رمضان المبارك على وجه الخصوص، يبرز دوره وأدوار جميع الأسواق المتخصصة، لأن الطلب الموسمي على أدوات الضيافة والمائدة يرفع حضورها في المشهد الرمضاني. وبصورة عامة، كانت مظاهر الزينة من أعلام وأضواء تتجمع في مداخل الأسواق، والممرات المسقوفة، واجهات الدكاكين، وحول المساجد القريبة من الأسواق، لأن عبور الناس بين الأسواق والمساجد في شهر رمضان المبارك كان جزءاً من إيقاع المدينة».
«ما زالت حاضرة»
وعن الوقت الحاضر، أوضح النجادة أن الزينة الرمضانية لا تزال حاضرة حالياً في الأسواق الكويتية، مستدركاً «صحيح أنها حاضرة، لكن تغيّر منطقها وأنواعها وأشكالها. ففي الأسواق التراثية مثل المباركية، تظهر اليوم عناصر كبيرة وواضحة بصرياً مثل مجسمات الهلال والإضاءات الزخرفية التي تُصمم للتصوير ولصناعة أجواء احتفالية عامة. كذلك، توسع سوق الزينة ذاته. فالفانوس حاضر بقوة في البيع المعاصر، مع منافسة بين التقليدي والمستورد، وهو ما يعبّر عن انتقال الزينة من وظيفة محلية بسيطة إلى سلعة موسمية متعددة المصادر».
«بين الماضي والحاضر»
وفي سياق حديثه، أعطى النجادة مقارنة حول مظاهر زينة شهر رمضان المبارك ما بين الأمس واليوم، بالقول: «يمكن وبشكل واضح ملاحظة التباين في استخدام المواد والتقنيات. ففي الماضي اعتمد على إنارة عملية وبسيطة وتزيين محدود، بينما اليوم يعتمد على وحدات إضاءة الـ«إل إي دي» (LED) ومجسمات كبيرة متنوعة التصاميم ومعلّقات جاهزة. أما من الناحية الاجتماعية، فقد كانت الزينة في الماضي أقرب إلى إعلان جماعي مرتبط بالعبادة وحركة السوق الليلية، واليوم هي أقرب إلى هوية بصرية موسمية تُخاطب الجمهور والتصوير والفعاليات. ومن حيث الاستمرارية، فإن ما بقي بوضوح من الزينة الرمضانية هو رمزية الهلال والفانوس، لكن ذلك الحضور القديم تغيّر من إضاءات محلية يدوية إلى تصميمات تجارية معاصرة».
«نظام إشارات»
أشار النجادة إلى أن «زينة شهر رمضان المبارك في أسواق الكويت قديماً لم تكن ترفاً زخرفياً، بل كانت نظام إشارات، ضوءٌ يفتح الطريق، وبضاعةٌ تُعلن الاستعداد، وممراتٌ تُجسّد الاجتماع. أما اليوم، فالزينة باقية بروحها الرمزية العامة، لكنها أصبحت أكثر تنوعاً وضخامة وتقنية وتخطيطاً، وعلى الرغم من كل تلك التغييرات تظل الأسواق التراثية، وعلى وجه الخصوص سوق المباركية وما حوله حاضناً لذاكرة الزينة ومعانيها بأدوات، وأساليب جديدة ومختلفة».