تطميناته لم تُطَمْئن... «حزب الله» هل ينخرط في أي حرب مع إيران؟
لبنان محشور في «مضيق المهل» الحربية والانتخابية
- الأسباب الموجبة لترحيل الانتخابات نضجت... في انتظار سيناريو التأجيل
يُحشر لبنان في «مضيق» من المهل المتصلة باستحقاقاتٍ، باتت متشابكةً بحُكْمِ تَرابُطٍ مزدوجٍ، بين مختلف أبعاد الواقع المحلي الأمنية والسياسية والمالية – الاقتصادية، كما بينها والوضع الإقليمي الشديد الخطورة، والذي يضع المنطقة برمّتها في فوهة بركان مرشّحٍ لثورانٍ يُسابِق محاولات أخيرة لتفادي تَطايُرِ حِممه في اتجاهاتٍ يَصعب محاكاتها بدقّة.
وفي حين تَشخص الأنظارُ، الثلاثاء، إلى ملامح إضافية لِما قد يكون على صعيد المنطقة يُفترض أن يظهّرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطاب «حالة الاتحاد» الذي يأتي على وقع «رَسْمٍ تشبيهي» بالغ القتامة لواقع المنطقة التي تقيم فوق الصفيح الإيراني الساخن، فإن بيروت بدت في الساعات الماضية أمام روزنامة مهلٍ متداخلة، كلٌّ منها يحدّد إما اتجاهات الريح في الوضع اللبناني عسكرياً وأمنياً، وإما مستوى الدعم الممكن لـ «بلاد الأرز»، أو طبيعة «اليوم التالي» فيها بعد أن تكون اكتملتْ معاودةُ التشكيل الجيو - سياسي للإقليم والتي يرتبط بها الوطن الصغير عبر حلقة «حزب الله» وسلاحه.
مهلة حرب أو لا حرب
ولعلّ أخطر هذه المهل هي الفترة الضيّقة الفاصلة عن تحديد الخيط الأبيض من الأسود فيما خصّ النافذة الأخيرة من المفاوضات الأميركية – الإيرانية، والتي يتوقف عليها انزلاق المنطقة إلى حربٍ ما زال الغموض يلف أهدافها الحقيقية أو الممكنة، أو إفلاتها من انفجارٍ يصعب التحكّم بعصفه وتشظياته المتعددة الساحة.
وفي هذا الإطار، لن تكون الفسحة الأخيرة للتفاوض على جبهة إيران كفيلة فقط بكشف المسار الذي سترسو عليه الأزمة الأخطر التي تواجه الإقليمَ، بل سيتحدّد في ضوئها وخصوصاً إذا فشلت الدبلوماسيةُ هل سينخرط «حزب الله» في إسناد طهران أم سينأى بنفسه والبلاد عن حربٍ قد تخوضها الجمهورية الإسلامية لـ «البقاء».
وفي ظل تَداخُلِ احتمالات انخراط «حزب الله» بأي حرب في المنطقة مع ملف سَحْبِ سلاحه الذي تصرّ عليه الحكومةُ اللبنانيةُ وإن بمداراةٍ وتأنٍّ، فإنّ أوساطاً مطلعة لا تستسهل التسليمَ بالمناخات التي تتحدث عن أن الحزب أبلغ أطرافاً في الداخل أنه لن ينخرط في أي مواجهة في الإقليم.
«حزب الله» والاحتمالات المفتوحة
وبحسب ما علمت «الراي» من هذه الأوساط، فإن «حزب الله» ما زال في مرحلة تقييم الخيارات في ضوء الاحتمالات، ليس المتصلة به انطلاقاً فقط، بل ذات الصلة بما تحوكه تل أبيب له، وسط سرديةٍ طاغية حتى الساعة ومفادها أن ثمة ضربة كبيرة تعدّها إسرائيل له سواء خلال أي حرب مع إيران أو بعدها، ما يضعه أمام حتميةِ الخروج من وضعيةِ تلقّي الضربات على دفعات.
ووفق هذه الأوساط فإنّ الهجمات التصاعدية من إسرائيل، وآخِرها اليوم الدامي في البقاع، والذي سقط فيها 8 من كوادره بينهم قائد كبير، تشكّل الذريعةَ لأي انتقالٍ لهجومٍ سيُكون بالنسبة إلى «حزب الله» دفاعياً، في ظلّ اعتقاد دوائر متابعة أنّ استهداف هؤلاء الكوادر، وهم من الوحدة الصاروخية التابعة له خلال اجتماع داخل شقة، يعكس استعداداتِ الحزب ومحاكاته سيناريو الانخراط في حرب وإن مع لبْننة ظاهرية لعنوان هذا الانخراط.
وإذ اعتُبر كلام نائب رئيس المجلس السياسي لـ«حزب الله» محمود قماطي غداة الضربات بقاعاً عن انه لم يعد أمامنا سوى خيار المقاومة بمثابة مؤشر إلى واقع «الخيارات المفتوحة» للحزب، فإنه عَكَس ايضاً وفق خصومه أنه ليس مطروحاً في كل الأحوال على الطاولة اليوم ولا غداً، احتمال تجيير ورقة السلاح للدولة، عبر إعلان ان مفاتيح المخازن باتت في عهدتها مثلاً، لتفاوض عبر واشنطن من موقع وتسلّف ترامب عنصر ضغط على تل أبيب، وتسحب الذريعة منها لشن حرب تدميرية عليه كما لبنان، وهو ما يثبّت أن مقتضياتِ البُعد الاقليمي للحزب تطغى على خياراته وحتى المصيرية منها.
وفي ما جاءت ضربات البقاع بمثابة إنذار بالنار استباقي من إسرائيل لـ«حزب الله» من أي عمليات هجوميةٍ ضدها، إلى جانب ما أظهرتْه من استمرار الانكشاف الأمني للحزب أمام تل أبيب وفشل الإجراءات «المضادة»، التي اتخذها لأي خروقٍ بشرية أو تقنية أتاحت اغتيال منظومته القيادية بمختلف مستوياتها فوق الأرض وتحتها قبيل حرب الـ 65 يوماً وخلالها، فإنّ هذه الأجواء ستكون غداً الأربعاء على طاولة الاجتماع المقرر للجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف النار (27 نوفمبر) الميكانيزم.
ويأتي الاجتماع بعد طول انقطاعٍ، وسط معلوماتٍ عن أنه سينعقد فقط بجناحه العسكري، من دون المدني – الديبلوماسي الموازي، في ظلّ ضغط تل أبيب وواشنطن لإطار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل خارج الميكانيزم أُرسيت معالمه عبر لقاء سفيريْ الولايات المتحدة في البلدين ميشال عيسى ومايك هاكابي قبل أسابيع في الأردن.
ولم يكن عابراً عشية الاجتماع «المنقوص» للميكانيزم التي تواجه في الوقت نفسه تصويباً عليها من «حزب الله» بوصفها «مشبوهة» داعياً الدولة لتعليق المشاركة في لقاءاتها حتى تلتزم تل أبيب باتفاق 27 نوفمبر ومندرجاته، ما نُقل عن المنظومة الأمنية الإسرائيلية من أنها تعتبر أن قوة «اليونيفيل» أصبحت في الآونة الأخيرة ذات «موقف تصادمي» تجاه الجيش الإسرائيلي.
وقال مسؤولون إسرائيليون كبار في المنظومة خلال محادثات مع جهات أميركية إن «من الأفضل أن يعمل الجيش الإسرائيلي مباشرة مع الجيش اللبناني، من دون مرافقة أو وجود لليونيفيل قرب الحدود»، لافتين إلى أن «اليونيفيل تسبب ضرراً أكثر من الفائدة»، علماً أن هذه القوة هي من أطراف لجنة الميكانيزم الخماسية وتشارك في اجتماعاتها كما أنها من عناصر آلية التحقق من الشكاوى التي تقدّمها تل أبيب في شأن نشاط عسكري لـ«حزب الله» أو وجود مستودعات أسلحة وغيرها، بحيث يصار إلى التقصي والتفتيش عبر الجيش اللبناني.
دعم الجيش... القاهرة وباريس
ولا تقلّ أهميةً مهلتان إضافيتان موصولتان بالأولى:
- مهلة استكمال سحب سلاح «حزب الله» شمال الليطاني (وتحديداً بين نهري الليطاني والأولي)، والتي تُركت في دائرة الغموض وفق الخطة التي وضعها الجيش اللبناني وأخذت الحكومة العِلم بها قبل أسبوع ونيف، وجرى تسريب انها بين 4 و8 أشهر، وسط ضبابية لفّت كيفية تلقُّف الخارج هذه الفترة التي تُعتبر طويلة قياساً إلى لغة الاستعجال التي طبعت مقاربة المجتمع الدولي وفي مقدمه واشنطن لملف تفكيك ترسانة «حزب الله» الذي أعلن «عدم التعاون» مع الدولة في أي شكل خارج جنوب الليطاني.
ومن هنا يكتسب مؤتمر دعم القوات المسلّحة اللبنانية الذي تستضيفه باريس في 5 مارس أهمية كبرى لجهة رصد الوقع الذي تركته مهلة الأشهر لما بين النهرين على دول الرعاية للبنان.
وأول مؤشر يطلّ، الثلاثاء من القاهرة التي تستضيف الاجتماع التحضيري لمؤتمر باريس بمشاركة ممثلي المجموعة الخماسية حول لبنان (الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر وقطر).
وفي حين ذكرت صحيفة «النهار» اللبنانية أن الجانب الفرنسي في الاجتماع التحضيري سيتمثل مبدئياً بالمبعوث الرئاسي جان إيف لودريان، وممثل عن السفارة الأميركية بعدما اعتذر السفير عيسى عن المشاركة لتعذّر تركه السفارة حالياً، ووزير الدولة القطري محمد الخليفي، والدبلوماسي السعودي الأمير يزيد بن فرحان، إضافة إلى ممثل عن مصر والمنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت، فإن معاينة دقيقة تجري لمستوى التمثيل في القاهرة، كما باريس باعتباره من العلامات المبكّرة لمستوى الدعم المادي الذي سيُقرّ للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وتالياً لمنسوب الثقة والتأييد للمسار الذي اعتمدته حكومة الرئيس نواف سلام شمال الليطاني.
الانتخابات النيابية... طارت؟
- والمهلة الثانية الانتخابات النيابية المقرَّرة «ورقياً» في مايو المقبل (3 للانتشار و10 للمقيمين) والتي تزداد إشاراتُ تحبيذ الخارج، وخصوصاً واشنطن، إرجاءها تحت عناوين ظاهرها ضمان استمرار انسيابية الحُكم وعجلاته لإكمال تنفيذ الإصلاحات وقانون الفجوة المالية، والرغبة في استمرار الرئيس سلام في موقعه كضمانة لهذا المسار على مستوى السلطة التنفيذية، ولكن جوهره يطلّ على إصرار على عدم تعريض ملف استكمال حصر السلاح لأي «انقطاع» بفعل فراغ حكومي أو تصريف أعمال مطوّل بعد الانتخابات، ناهيك عن تنامي مناخ خارجي يميل نحو ألا يحصل الاستحقاق في كنف سلاح الحزب ووهج ما بقي من نفوذ له، وهو ما يمنحه أفضلية الإمساك بالمقاعد الشيعية الـ 27 كاملة بما لا يترجم خسائره العسكرية، ونحو تفضيل استيلاد برلمان يكون هو نفسه الذي سينتخب رئيساً للجمهورية في 2031.
ولم يكن عابراً في هذا السياق، كشف الرئيس نبيه بري عبر صحيفة «الشرق الأوسط» أن سفراء في «اللجنة الخماسية» يحبّذون تأجيلها وقد أبلغتُهم رفضي، وكذلك أبلغت بقية السفراء (من الخماسية) بأنني لا أؤيد تأجيل الانتخابات النيابية تقنياً، أو التمديد للبرلمان»، قبل أن يوضح في بيان عن مكتبه الإعلامي، تعليقاً على تقارير ذكرت أن السفير الأميركي هو من فاتحه بالأمر «ان الذي قلتُه أن أجواء في الخماسية مع تأجيل الانتخابات ولم آتِ على ذكر أي سفير على الإطلاق لا من الخماسية ولا من غيرها».
وفيما نُقل عن رئيس الجمهورية العماد جوزف عون حرصه على إنجاز الانتخابات بموعدها، وسط تأكيدات أن أي تمديد لن يأتي كاقتراح من البرلمان بل يُراد أن يمرّ عبر الحكومة، لم تقل دلالة مناخاتٌ أوحت بربط مثل هذا الأمر بتطبيق اتفاق الطائف في شقه المتعلق بقيام برلمان خارج القيد الطائفي وإنشاء مجلس شيوخ، وهي المناخاتُ التي اعتُبر استحضارها بمثابةِ «بطاقة صفراء» من الثنائي الشيعي بوجه أي محاولة لتطيير انتخاباتٍ - تقف أصلاً على كف تطيير في ضوء التعقيدات القانونية - ويريدها أيضاً على قاعدة رفض اقتراع المنتشرين في أماكن وجودهم للنواب الـ 128 كل في دائرته، وهو ما تحول محط مكاسرة سياسية مع الحكومة وحتى مع عون.
السفارة الأميركية تُجلي عشرات الموظفين
أفادت وسائل إعلام لبنانية بأن السفارة الأميركية في بيروت أجلت صباح الإثنين، أكثر من 30 من موظّفيها عبر مطار رفيق الحريري الدولي، في سياق الإجراءات الاحترازية على خلفية التطورات الإقليمية المحتملة.