في الذكرى 21 لاغتيال والده زعيم «المستقبل» يعلنها: سيَسمعون أصواتنا... وسيعدّونها
لبنان: الحريري يَفتح الباب أمام إنهاء الاعتكاف السياسي لتياره والمشاركة بالانتخابات
لم تكن الذكرى 21 لاغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري عاديةً، في الشكل والمضمون ولا مستوى الرصْدِ لها في لبنان الذي يَختزل أجندتَه عنوانان، أمني - عسكري موصولٌ بملف سَحْبِ سلاح «حزب الله» الذي تُواكِبُه اسرائيل بالنار وواشنطن بدبلوماسيةِ «التتبُّع»، وسياسي يَفرضه بدء العدّ العكسي لانتخاباتٍ نيابيةٍ (بعد أقلّ من 3 أشهر) وُجّهت إليها دعوةٌ يُخشى أن تبقى حبراً على ورقٍ يلوحُ بين سطورها تمديدٌ ولو تقني.
فـ 14 فبراير 2026 لم يكن مجرّد إحياء جديد لذكرى ذاك الاثنين المشؤوم من العام 2005 حين أطلق أكثر من طنين من المتفجراتِ «حرباً استباقية» على فالِقٍ لاحتْ من تَحته إشاراتٌ في المنطقة اعتبرَها النظام السوري البائد ومحوره خَطَراً عليه، فكان القرارُ بشَطْبَ مَن تَحَوَّلَ أشبه «حاملة طائراتٍ» تَجوب العالمَ من أجل لبنان والشخصية ذات الوزن الاقليمي والدولي القادرة على تشكيل التقاطعات وجمع التناقضات.
السبت، حلّت الذكرى التي أحياها الرئيس سعد الحريري، تحت عنوان «تاريخنا إلو مستقبل» وهي مُحَمَّلَة بأبعاد وشحنات عاطفية لم تبدّدها الأعوام، وجاءت حاملةً معاني سياسيةٍ في لحظة مفصلية ومشحونة من عمر لبنان.
... في ساحة الشهداء، تَحَلَّقَ عشراتُ الآلاف وشكّلوا حلقةَ وفاءٍ لـ «دولة الشهيد» ومبايعةٍ شعبيةٍ لزعيم «تيار المستقبل» الذي بقي منذ تعليق عمله السياسي في يناير 2022 الغائب الأكثر حضوراً في الحياة الوطنية وبيئة المكوّن السني الذي خسر قبل 21 عاماً قامةً أَحْدَثَ «تفجيرها» زلزالاً هزّ العالمَ يومها وفَتَحَ «أبوابَ الجحيمِ» على لبنان الذي تَدَحْرَجَتْ فيه لسنواتٍ الاغتيالاتُ المتسلسلةُ في واحدةٍ من أكثر فصولِ سَفْكِ الدماء السياسية تَوَحُّشاً في تاريخ البلاد التي عاشَتْ صراعاً هو الأعتى منذ ما بعد الحرب الأهلية واستولد أزماتٍ متواليةً، باردةً تارة وساخنة طوراً، وصولاً إلى اقتياد الوطن الصغير في 8 أكتوبر 2023 إلى «محرقة غزة».
ولم تكن مشهديةُ الالتفاف حول الحريري الابن محطَّ أنظارٍ ورصْدٍ على مقياس التعداد فحسب، بل لكيفية تجيير زعيم «المستقبل» رصيدَه الذي لم يتآكل رغم الانكفاء، في المَشهد اللبناني الذي يَستعدّ لانتخاباتٍ كأنها حاصلة في 10 مايو وكأنها محكومة بتمديد لنحو شهرين في ضوء «حرب المنتشرين» واقتراعهم، هل لنوابٍ 6 يضافون الى البرلمان (وفق قانون نافذ ولكن يستحيل تطبيقه) ويَكتفي غير المقيمين بانتخابهم؟ أم للنواب الـ 128 كلّ في دائرته (كما في انتخابات 2018 و 2022)؟ أم يُطوى حقّهم بالتصويت في دولهم لمصلحة مخرج حل وسط لمصلحةِ الاقتراع «الحضوري» في لبنان؟
«اشتقنالك»
وعلى وقع ما يشبه السؤال - اللغز: هل يُعلن الحريري إنهاء اعتكافه عن العمل السياسي والمشاركة في انتخاباتٍ 2026، أطلّ زعيم «المستقبل» على جمهورٍ لم ينفكّ يُعْلي «اشتقنالك» للرئيس الشهيد، متأثّراً غالباً وماسحاً دمعته مرة أمام بحر الناس الذين خاطبهم «لستم قلة والله، بعد 21 سنة، والله لستم قلة، بعد كل الإشاعات، وكل التهويل وكل التلفيق، وتحت المطر أيضاً، لم تكونوا مرة قلة، ولن تكونوا إلا كثراً».
وبعدما كان في 2025 رَفَع بإزاءِ السؤال نفسه شعار «كل شيء بوقته حلو»، قلّل السبت من منسوبِ الضبابية وبدا وكأنه اقترب خطوة كبيرة نحو الخروج من «المنطقةِ العازلةِ» عن السياسة، موحياً بأنه وقّع ولو بالأحرف الأولى قراراً مع وقف التنفيذ والإعلان بمشاركة تياره في الانتخابات النيابية المقبلة، أقلّه كناخب، ومن دون أن يُعرف إذا كان مناصروه سيُدعون للتصويت لمرشّحين مباشرين أو لداعمين، وهل سيترشّح الحريري شخصياً ام لا، وهل يسعى لتكوينِ كتلةٍ تكون عابرة للاصطفافاتِ اللبنانية وتعبيراً عن تَمَوْضع «المستقبل» التاريخي في الحضن العربي والخليجي الراعي للبنان.
فالحريري قال في خطابه المطوَّل متوجهاً إلى جمهوره وكل الداخل اللبناني: «قبل عام، في الذكرى العشرين، قلت لكم إن تيار المستقبل سيكون صوتكم في الاستحقاقات الوطنية. وأهمّ هذه الاستحقاقات، وأولها الانتخابات النيابية. الآن كل البلد لديه سؤالان: هل ستجري الانتخابات؟ وماذا سيفعل المستقبل؟ وانا لدي جواب واحد: قولوا لي متى الانتخابات، لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل، لكنني أعدكم، متى حصلتْ الانتخابات: سيَسمعون أصواتنا، وسيعدّون أصواتنا، وبانتخاباتٍ وبلا انتخابات، أنا وإياكم«عالحِلوة وعالمُرة»، لا شيء يفرقنا، وبفضلكم، وبفضل وحدتنا لا شيء يستطيع أن يكسرنا».
الاستحقاق الانتخابي
وعلى أهمية هذا الموقفِ الذي فتح معه المستقبل الباب مواربةً أمام المشاركة في الانتخابات، وهو ما بلوره أكثر أمين عام التيار أحمد الحريري بإعلانه «نحن في طور التأكّد من حصول الانتخابات ومواقفنا ستتطوّر بعد ذلك واليوم كان هناك تأكيد أنّ «الحريريّين» سيكونون ناخبين في الاستحقاق المقبل»، فإن كلام زعيم «المستقبل» عَكَس في أحد جوانبه الشكوك التي تحوم حول الاستحقاق الانتخابي ومدى إمكان إجرائه في موعده في ضوء المكاسرة الحاصلة حول اقتراع المنتشرين والتي تتطلّب مَخْرَجاً تشريعياً يقفل الرئيس نبيه بري الباب أمامه (يصر على إضافة النواب الـ 6 أو يقترع المنتشرون في لبنان) وتسعى الحكومة لمَنْفَذٍ إداري له يُبْقي على تصويتهم للنواب الـ 128 في أماكن وجودهم بالخارج (عبر استشارة هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل).
3 إشارات
ولم تقل أهميةً في خطاب الحريري 3 إشارات:
- الأولى أكد فيها «أن مشروعنا لبنان اولاً. لبنان واحد، عربي، سيد حر مستقل. ومشروعنا موقف عربي واحد، وتيار المستقبل، لا يمكن إلا أن يكون كما كان رفيق الحريري، باني جسور بين الدول العربية وبين الإخوة العرب، ومَن اختصاصه الجسور، لا يعرف أن يبني جدراناً، أو يقطع طرقاً. الحريرية كانت دائماً وستبقى داعمة لكل تقارب عربي، وطاردة لكل خلاف عربي! ومَن يخيّط بمسلّة الخلافات الخليجية والعربية،«رح تطلع سلتو فاضية»، وسيحرق يديه ورصيده. نحن نريد أفضل العلاقات مع كل الدول العربية، بدءاً من الجارة الأقرب سوريا، سوريا الجديدة، سوريا الحرة التي تخلصت من نظام التشبيح والاجرام، والتي نوجه التحية لشعبها، ونتمنى التوفيق لكل جهود التوحيد والاستقرار وإعادة الإعمار التي يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع».
- والثانية قال فيها: «ابتعدنا لكننا موجودون ونعيش همومكم، ونرى مَن يعتقدون أنهم سيلغونكم، والذين حوّلوا أنفسهم للأسف، خناجرَ للطعن بي ليل نهار، لكن ظهْري يتحمّل، ظهري جبل، لأنكم أنتم ظهري، وسندي وعزي وأهلي وناسي.
و«محسوبكم سعد»، لا يضيع البوصلة، ولا يبيع ولا يشتري ولا يتاجر بالناس! ومَن يحاولون إقناعكم أن مدرسة رفيق الحريري أقفلت أبوابها، وأن تيار المستقبل صار مستقبله خلْفه وأن الحريرية الوطنية، إنسَ، صارت من التاريخ، لكل هؤلاء، بوجودكم هنا اليوم، وكل يوم، أنتم تقولون بوضوح: «تاريخنا الو مستقبل».
وأضاف: "(...) نحن نعرف متى ننتظر ومتى نتحمل المسؤولية، ونعرف أن الحريرية الوطنية تأخذ مسافة، وتأخذ استراحة محارب، لكنها لا تنكسر ولا تندثر، وكثر من الذين راهنوا على كسر الحريرية، هم انكسروا. ومن يراهن على إلغاء الحريرية اليوم، نقول له:«يللي جرب المجرب كان عقلو مخرب».
- والثالثة تطرق فيها الى اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية، مؤكداً «حين نقول تطبيق الطائف كاملاً يعني: ليس هناك سلاح إلا بيد الدولة، الـ لا مركزية إدارية، إلغاء الطائفية السياسية، إنشاء مجلس الشيوخ، تطبيق اتفاق الهدنة بحذافيره، هذه كلها يجب أن تُطبق، كاملة، وفوراً، لننتهي من أمراضنا وأزماتنا المزمنة كلها معاً».
وترافقت ذكرى 14 فبراير مع حركة سياسية ودبلوماسية نشطة في اتجاه بيت الوسط (حيث دارة الحريري) الذي عجّ منذ وصول زعيم المستقبل ليل الخميس بالزوار، وبينهم سفراء ونواب وشخصيات سياسية، في حين شهد ضريح الرئيس رفيق الحريري، حضوراً واسعاً من مختلف الأطياف والطوائف ولعدد من السفراء.
وقد وضع السفير الأميركي ميشال عيسى صباحاً إكليلاً من الزهور على ضريح الحريري. وكتب في منشور على صفحة«أكس»: «بينما يقف لبنان عند مفترق طرق حاسم، لا يزال إرث الرئيس رفيق الحريري يتردّد في ترسيخ السلام والازدهار بعد سنوات وبأهمية متجدّدة. كما تؤكد ذكرى اليوم ضرورة تحقيق العدالة والمساءلة لجميع الذين استُهدفوا من قبل المجموعات التي لا تخضع لسلطة الدولة بسبب دفاعهم عن سيادة لبنان».
خطة حصر السلاح
ولم تحجب ذكرى اغتيال الحريري الأنظار عن جلسة مجلس الوزراء التي تعقدها الحكومة الإثنين وعلى جدول أعمالها بندُ استكمال خطة حصر السلاح بيد الدولة شمال نهر الليطاني، وهي المرحلة الثانية التي يعارضها «حزب الله» بقوةٍ، ويرصدها المجتمع الدولي على مستوى اتخاذ القرار كما بدء التنفيذ كمدخلٍ لنجاح مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر في باريس في 5 مارس والذي يسبقه اجتماع تحضيري أشير في بيروت إلى أنه تم التوافق بين أعضاء مجموعة الخمس حول لبنان على عقده في القاهرة في 24 أو 25 الجاري مبدئياً.