ارتفاع الإيجارات يدفع أصحاب الأعمال متناهية الصغر للبحث عن مخارج تخفض التكلفة
بعد التشدد رقابياً... هل يهجر رواد «الأكل المنزلي» بيوتهم للمطابخ المركزية؟
فتحت التحذيرات الأخيرة -التي أطلقتها بلدية الكويت والهيئة العامة للغذاء من مخاطر ممارسة أنشطة غذائية تجارية داخل المنازل دون ترخيص- موجة نقاش واسع حول مستقبل هذا القطاع، الذي يقوده رواد أعمال متناهية الصغر، غالباً ما يعتمدون في بداية انتشارهم على تقليص مصروفاتهم وتحديداً من الإيجار، حتى يتمكنوا من تحقيق هامش ربح مناسب.
لكن يبدو أن هذه الغاية ليست كافية لتتخلى الجهات الرقابية عن مسؤولياتها في ضمان سلامة منتجات هذا القطاع، وأيضاً المستهلكون، الذين لا ينكرون مخاوفهم من مدى سلامة المنتجات غير المرخصة، ما دفع الجميع للمشاركة في البحث عن بدائل مناسبة تضمن البقاء دون الانكشاف على مخاطر الأمن والسلامة.
وما يزيد أهمية هذا النقاش الذي استحوذ على مساحة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي الأيام الماضية، هو أن قطاع الأغذية والمشروبات في الكويت يشهد تحولات هيكلية متسارعة مدفوعة بتغير أنماط الاستهلاك، وسط التوسع في التجارة الرقمية، وارتفاع التكاليف التشغيلية للمطاعم التقليدية فضلاً عن انتشار ثقافة مشاريع الأكل المنزلي، لا سيما التي تعتمد على المطبخ المحلي.
وأثناء ذلك تبرز المطابخ المركزية أو السحابية التي تجمع في داخلها مجموعة من رواد الأعمال تحت سقف كأحد المعالجات المقترحة لأصحاب المشروعات المنزلية المتخصصة في إنتاج الأطعمة، حيث يوفر هذا النموذج فوائد ثلاثية، الأولى إرساء تطبيق القانون والإجراءات الرقابية، والثانية ضمان المستهلك أن ما ينقل إليه من المطبخ إلى مائدته تحت الترخيص والمراقبة، والثالثة تتمثل في تفادي رواد أعمال هذا القطاع الانكشاف على تحدي الإيجارات العالية التي غالباً ما تهدد مستقبل مشاريع عدة.
ورغم الطلب المتزايد على المطابخ المركزية والسحابية في الكويت، إلا أن المعروض لا يزال محدوداً مقارنة بحجم السوق وعدد المشروعات المنزلية والتي تخطط للعمل بهذا النشاط، ما أوجد حالة من الضغط السعري على المبادرين.وتشير بيانات السوق إلى أن أعداد المطابخ المركزية المرخصة محلياً تبلغ نحو 150، وتتوزع بشكل غير متوازن جغرافياً على 15 منطقة، أعلاها حولي التي تستحوذ على 47 مطبخاً مركزياً، ومن ثم أسواق القرين الحرفية 36 فالسالمية 27، بينما تتوزع بواقع 2 إلى 7 في بقية المناطق.
ويعكس هذا التوزيع محدودية الطاقة الاستيعابية للمطابخ السحابية مقارنة بالطلب المتنامي، فيما يمكن أن تحتضن المطابخ القائمة بين 5 إلى 10 مشاريع حسب المساحات المطلوبة، وتتراوح أسعار الاستئجار في المطابخ المركزية بين 250 و1000 دينار، ما أشار إليه رواد أعمال باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروعات الصغيرة والمنزلية.
من ناحيتها تقول رائدة الأعمال ومستشارة المشاريع التجارية عائشة الوايل، إنه في ظل الوضع الحالي تقف المشروعات المنزلية في الكويت أمام مسارين رئيسيين، وهما التشديد الرقابي على بيع المواد الغذائية وإنتاجها في المنازل وارتفاع التكلفة الإيجارية التقليدية، ما يرفع أهمية التوسع في إنشاء المطابخ المركزية المرخصة، مع توفير عمالة تشغيلية كافية، والالتزام الكامل باشتراطات الجهات الرقابية.
وأضافت الوايل لـ «الراي» أن الفترة الزمنية للوصول إلى الجاهزية الكاملة في هذا النموذج تتراوح بين 3 و6 أشهر، ما يرفع كلفة التأسيس، لكنها تمنح المشروع استقراراً تشغيلياً أوضح على المدى الطويل، منوهة إلى خيار ثانٍ يتمثل في اللجوء إلى المطابخ السحابية، والتي تُعد أقل تكلفة من حيث التأسيس، لكنها تتنوع في نماذجها التشغيلية، وتحمل مستويات متفاوتة من المخاطر القانونية والمالية.
نماذج متعددة
وبينت الوايل أن النوع الأول من المطابخ السحابية يقتصر على توفير المطبخ الأساسي فقط دون تجهيز الأدوات أو توفير العمالة، وفي هذا النموذج، يواجه أصحاب المشاريع المنزلية إشكاليات قانونية وتشغيلية، إذ تعتمد غالبية هذه المشاريع على عمالة بإقامة «عامل منزلي»، وفي حال عدم السماح بتحويلها إلى مادة 18، تتفاقم مشكلات التشغيل وتزداد الأعباء على صاحب المشروع.
أما النوع الثاني، فتشير إلى المطبخ المجهز كخدمة شاملة، حيث يتم احتساب الإيجار والعمولة التشغيلية وكل التفاصيل التشغيلية على صاحب المشروع، منوهة إلى أن هذا النوع من المطابخ غير محبذ في كثير من الحالات، نظراً لما يترتب عليه من تبعات مالية مرتفعة، والدخول في شراكات تشغيلية غير متوازنة، فضلاً عن وجود رسوم خفية قد لا تكون مذكورة بوضوح في العقود.
وفي المقابل، تشير الوايل إلى النوع الثالث من المطابخ السحابية، وهو النموذج التشغيلي المتكامل، حيث يكون المطبخ مجهزاً بالكامل من حيث الأدوات والعمالة، بينما يلتزم صاحب المشروع بتوفير العلامة التجارية وأدوات المائدة فقط، مبينة أن هذا النموذج يُعد الأكثر إيجابية من الناحية الاقتصادية، كونه يعتمد على نسبة من تكلفة الطبق وليس على الإيرادات المحصلة، ما يمنح وضوحاً أكبر في التكاليف.
ولفتت إلى أن بعض المطابخ السحابية باتت تدخل كشريك مع صاحب المشروع المنزلي وتصل نسبة المشاركة في المبيعات 20 % إلا أن هذا النموذج لا يزال محدود الانتشار في السوق الكويتي.
ارتفاع الإيجارات
من جانبه، يشير رائد الأعمال وصاحب أحد المطابخ مشاري الدعي، إلى أن بعض المواقع المخصصة للمطابخ المركزية أو السحابية لا تتواكب مع القدرات المالية الحقيقية لأصحاب المشروعات المنزلية، لافتاً إلى أن السوق شهد أخيراً ارتفاعاً ملحوظاً في الإيجارات، إلى جانب محدودية المساحات المتاحة.
وأوضح الدعي أن أصحاب المشروعات الصغيرة يحتاجون إلى دعم فعلي لضمان نجاح مشاريعهم واستمراريتها، داعياً الجهات المعنية إلى تنظيم هذا القطاع من خلال توفير مواقع مخصصة تتمتع بالنظافة والتجهيزات المتكاملة، إلى جانب إعادة النظر في قيم التراخيص التي شهدت بدورها ارتفاعاً، وتقديم خدمات داعمة بالتعاون مع القطاع الخاص، بما يحقق فائدة متبادلة لجميع الأطراف.