نواف سلام... الرئيس المواطن في المطار
لبنان على محكّ «اختبار الاثنين»: أي صيغةٍ لحَصْر السلاح شمال الليطاني؟
على وَهْجِ الخلاصاتِ «حمّالة الأوجه» للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي بقيتْ معها كل الخيارات والاحتمالات، الدبلوماسية كما العسكرية، مفتوحةً حيال ملف إيران، بدا لبنان وكأنّه يَخرج، ولو اضطرارياً، من رقعةِ الانتظارِ التي رَكَنَ إليها في قضيةِ استكمال سحْب سلاح «حزب الله»، بعدما بدأ العدُّ العكسي لاستحقاقاتٍ بارزة على صعيد تكريس استعادة «بلاد الأرز» مظلة الرعاية الدولية، يتوقّف نَجاحُها على إظهار جدية الدولة في التزامها بفرض سيادتها بقواها الذاتية حصراً على كل أراضيها.
وإذ أعطى ترامب، إشاراتٍ إلى أنه يدير ملف إيران حاملاً بيدٍ غصن زيتون المفاوضات وبيد أخرى قوةً ضاربة من أسطول ضخم أُعلن أنه ستنضمّ إليه حاملة طائرات ثانية اعتُبرت في إطار رفْع الضغط وربما تعزيز فرص وضْع ملف الصواريخ البالسيتة ومداها على الطاولة إلى جانب «النووي»، فإنّ السِباقَ المحمومَ في المنطقةِ بين الدبلوماسية والحرب والمرشّح لأن يستمرّ أكثر - ما لم تحصل مفاجأة «مرقّطة» على شاكلة عمليةَ «مطرقةِ منتصف الليل» (يونيو الماضي) التي حُبكت في ليل - فَرَضَ على لبنان الخروجَ من وَضْعِيَّةِ التريّثِ بقضيةِ السلاح في ضوء اقتراب الساعة الرملية التي قَلَبَها الخارجُ له في هذا العنوان من إنهاء دورتها المفصلية.
وفي هذا الإطار جاء الإعلانُ، عن جلسةٍ للحكومة اللبنانية يوم الاثنين، في القصر الجمهوري يتصدّر جدول أعمالها البندُ المتمثّل في «عرض قيادة الجيش التقرير الشهري حول خطة حصر السلاح في المناطق اللبنانية كافة إنفاذاً لقرار مجلس الوزراء في 5 أغسطس الماضي والقرارات ذات الصلة».
وهذا التقرير يَحمل بين سطوره عنواناً عَرْضِ الجيش اللبناني تَصَوُّرَه للمرحلةِ الثانية من حَصْرِ السلاح شمال الليطاني (وتحديداً بين نهريْ الليطاني والأولي) وفق ما جاء في الخطة الشاملة والمُمَرْحلة التي قدّمها في 5 أغسطس، وكان من المنتظَر طَرْحه أوائل فبراير على مجلس الوزراء ولكن تم إرجاؤه لِما بعد عودة العماد رودولف هيكل من زيارته لواشنطن ثم محطّته في السعودية، كما في ضوء عدم عقد جلسة حكومية هذا الأسبوع بفعل سفر الرئيس نواف سلام ومشاركته في مؤتمر للأمن في ميونخ (مع قائد الجيش).
الرئيس المواطن
وفي خطوة غير مألوفة في لبنان، اختار سلام أن يغادر بيروت إلى ميونخ، من مبنى المسافرين في مطار رفيق الحريري الدولي وليس من صالون الشرف، ومن دون مرافقة وكأي مواطن.
وقوبلتْ خطوةُ سلام التي جرى تناقُل صورٍ لها تظهره وهو يجرّ حقيبة اليد ويَخضع لإجراءات الخروج الروتينية كافة رغم أنه في مهمة رسمية، بإشاداتٍ على مواقع التواصل الاجتماعي وتحوّلت حَدَثاً في بلدٍ لم يتعوّد سلوكَ «مواطَنة» من غالبية مسؤوليه الكبار.
"محاولة مزدوجة"
إلى ذلك، ومنذ أن اختارَت بيروت التمهُّل قبل إطلاقِ المرحلة الثانية من حَصْرِ السلاح والتي طلب مجلس الوزراء من الجيش في أوائل يناير وَضْعَ خطة لها - بعدما أنجز بسط السيطرة العملانية على قطاع جنوب الليطاني - على أن تُعرض عليه في فبراير، بدا أن الأمر ينطوي على مُحاولةٍ مزدوجة:
- أولاَ لتأجيل تأجيجِ الخلاف العميق بين الدولة و«حزب الله» حيال هذه المرحلة التي رَسَمَ الأخير حولها خطاً أحمر عنوانه «لا شيء لدينا نقدّمه شمال الليطاني» قبل انسحاب إسرائيل من النقاط التي مازالت تحتلها ووقف اعتداءاتها وإطلاق الأسرى وبدء إعادة الإعمار وبعدها حوار داخلي حول إستراتيجية دفاعية يُبحث في إطار ملف السلاح، وسط تَظهيرٍ نافرٍ للفجوة الكبيرة التي وَضَعَتْ لبنان والحزب على ضفّتين متقابلتيْن، وحملةٍ عنيفة على رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وخيار التفاوض ما فوق العسكري مع تل أبيب عبر «الميكانيزم» (المولجة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف النار 27 نوفمبر 2024).
- وثانياً لتمرير النصف الأول من فبراير علّه يكون تَبَلْوَرَ المسارُ الذي سيسلكه ملف إيران وهل تَنفجر المنطقة أم تنجو من الحرب الكبيرة، في ظلّ اعتقادٍ أن وقوعَ المكاسرة في الإقليم أو تَجَنُّبها من شأنه أن يترك ارتداداتٍ مباشرة على قضية السلاح بحيث لا يجد لبنان نفسه أمام خطر الانزلاق إلى صِدامٍ مع «حزب الله» - لم يكن احتمالاً مطروحاً في جنوب الليطاني الذي أعلن الحزب التعاون فيه مع الجيش على عكس شمال النهر - وذلك سواء أَلْحَقَتْ إسرائيل «حزب الله» بالمواجهة الإقليمية في حال حَصَلَتْ أو فعّلتْ الخيارَ العسكري ضدّه تعويضاً عنها، أو نجحت الدبلوماسية في اجتراح حلّ شبه مستعصٍ يَشمل الأذرع.
وفي حين قال وزير الإعلام اللبناني بول مرقص من الكويت إن الحكومة ستحسم الأسبوعَ الطالع كيفية المضي قدماً في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة بسط سلطة الدولة وحصْر السلاح بيدها، وأن القرار سيستند إلى عرض سيقدمه قائد الجيش يعرض فيه قدرات القوات المسلحة واحتياجاتها في هذا الشأن، فإن ثمة تَرَقُّباً لما إذا كانت العناصر التي أَمْلت التريث في مرحلة شمال الليطاني ستَحضر في السياق الذي سيُعتمد لإطلاقها بحيث تَحصل مواءمة بين موجبات حفظ الاستقرار الداخلي وبين مضيّ الدولة في قرار تفكيك ترسانة «حزب الله» بين نهري الليطاني والأولي، خصوصاً أن هذه المرحلة باتت «الممرّ» لإنجاح مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرَّر عقده في باريس في 5 مارس وسيشهد جولة تحضيرية على الأرجح في إحدى الدول الخليجية.
وسيتمّ «قياس» حضور عناصر التريّث من خلال رصد هل ستَشمل الخطة نطاقاً جغرافياً محدداً، بين النهرين، وهل يتم تقييدها بمهلة زمنية واضحة أم تُترك لـ «التقدير العملياتي» للجيش، كما أشيع، ولمناخاتٍ سياسية توفّر «حاضنة» للتنفيذ، وهل يبدأ التطبيق مباشرةً أم يُربط باستكمال تأمين المتطلبات العسكرية للمؤسسة الشرعية، وسط تَرَقُّبٍ تلقائي لكيفية تلقُّف الخارج ما سيتم اعتماده في جلسة الاثنين، وهل يُعتبر أي اكتفاءٍ بأخْذ العلم بالخطة على طريقة «إعلان النيات» كافياً لضمان المشاركة الواسعة والتمويل اللازم للقوى المسلّحة اللبنانية في مؤتمر باريس، أم أن المطلوبَ سياقٌ تنفيذي لا لبس فيه ويُفترض أن يكون «اختُبر» في الطريق إلى 5 مارس. علماً أن زيارة العماد هيكل لواشنطن حملت مؤشرات لرغبةٍ أميركية في إيقاعٍ سريع لحصر السلاح في موازاة أجواء عن تَفَهُّمٍ بحدودٍ للمطبات في هذا الملف الحساس.
الرئيس الألماني
وسيكون الرئيس الألماني فرانك - فالتر شتاينماير حاضراً في بيروت في الاثنين، بالغ الأهمية، إذ يصل إلى لبنان ليل الأحد المقبل في زيارة تستمر حتى الثلاثاء، يلتقي خلالها رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وسلام، وعدداً من المسؤولين اللبنانيين، كما يزور القوة الألمانية البحرية العاملة ضمن «اليونيفيل» ومرفأ بيروت إلى جانب محطات أخرى.