مبدأ ترامب... وعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو
نفّذت الولايات المتحدة الأميركية عملية عسكرية في مطلع العام الحالي 2026 أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته من القصر الرئاسي في العاصمة الفنزويلية كاراكاس واقتيادهما إلى مدينة نيويورك، حيث عُرضا أمام محكمة فيدرالية ووُجهت لهما تهماً تتعلق بتجارة وتهريب المخدرات.
وأثارت هذه العملية انتقادات دولية واسعة باعتبارها تمثل انتهاكاً لسيادة دولة مستقلة وتجاوزاً للأعراف الدولية وقواعد القانون الدولي. وقد سبق هذه العملية ظهور توتر في العلاقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الفنزويلي مادورو، حيث فرضت إدارة ترامب حصاراً بحرياً وجوياً على فنزويلاً وشنت العديد من الغارات الجوية على قوارب بحرية فنزويلية زعمت السلطات الأميركية بأنها تنقل شحنات من المخدرات إلى الأراضي الأميركية.
وبعد انتهاء عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، فوجئ العالم بتصريحات الرئيس الأميركي ترامب التي أعلن فيها بصراحة عن نية الولايات المتحدة إدارة الموارد النفطية في فنزويلا. وينظر الكثير من المراقبين إلى سياسة ترامب الخارجية وتحديداً في ما يتعلق بـ«عملية فنزويلا» بأنها تُمثّل تحوّلاً نوعياً من صيغة «الإمبريالية الجديدة» غير المباشرة إلى صيغة «الإمبريالية الصريحة والاستعمار المباشر».
ولتفسير التحرك الأميركي تجاه الرئيس الفنزويلي مادورو فإنه لا يكفي القول بأن العامل الرئيس وراء هذا التحرك يكمن في سعي إدارة ترامب إلى السيطرة المباشرة على الثروة النفطية في فنزويلا، رغم أهمية هذا الدافع وظهور مؤشرات تدعم هذا الرأي بقوة ومن بينها التصريحات الرسمية العلنية للرئيس ترامب نفسه، واجتماعه بعد اعتقال مادورو بأيام مع الرؤساء التنفيذيين للشركات النفطية الأميركية ومناقشة كيفية استغلال الحقول النفطية الفنزويلية في مرحلة ما بعد مادورو. حيث تتصدر فنزويلا دول العالم من حيث الاحتياطيات النفطية.
لكن ومن جانبٍ آخر، فإنه لتحليل هذه السياسة الأميركية تجاه فنزويلا بصورة أكثر شمولاً، فإنه يجب العودة إلى إستراتيجية الأمن القومي الأميركي التي صدرت في نوفمبر عام 2025 والتي أشارت إلى أن الهدف الإستراتيجي للولايات المتحدة يجب أن يتركز في الهيمنة على نصف الكرة الغربي من العالم في أميركا الجنوبية والوسطى ومنطقة البحر الكاريبي. وقد أشار الرئيس الأميركي ترامب إلى أهمية إعادة إحياء «مبدأ مونرو» الذي أعلنه الرئيس الأميركي الأسبق جيمس مونرو في عام 1823 والذي أشار إلى هدف الولايات المتحدة منع تحقيق النفوذ الأوروبي في قارة أميركا الجنوبية.
وقد استُعير هذا المبدأ لإسقاطه على مبدأ ترامب في صيغة «مبدأ دونرو»، حيث يتشابه مبدأ ترامب مع مبدأ مونرو في جزئية أولوية الهدف الإستراتيجي المتمثل في تحقيق الهيمنة على نصف الكرة الغربي في قارة أميركا الجنوبية، في حين يختلف مبدأ مونرو عن مبدأ ترامب في كون الأول يركز على منع الهيمنة الأوروبية في أميركا الجنوبية، في حين يركز الثاني على منع الهيمنة الصينية والروسية في أميركا الجنوبية.
كما خاضت الولايات المتحدة لتحقيق مبدأ مونرو في السابق حروباً مع القوى الأوروبية مثل الحرب الأميركية - الإسبانية في عام 1898. ولكن عند مقارنة ذلك مع مبدأ ترامب فإنه لا يسعى إلى شن الحروب الأميركية مع القوى المنافسة في الصين وروسيا، إنما يهدف إلى الضغط على حكومات دول أمريكا الجنوبية لمنع تحقيق النفوذ الصيني والروسي في أراضيها. وقد قامت إدارة ترامب بالضغط على حكومة بنما من خلال التهديد بإعادة احتلال قناة بنما، ونتج عن هذا الضغط المباشر قيام حكومة بنما بإلغاء اتفاقية الحزام والطريق مع الصين. وبنفس هذه السياسة الخارجية سعت إدارة ترامب للضغط على حكومة مادورو في فنزويلا لمنع النفوذ الصيني، حيث قام الرئيس مادورو بتوقيع اتفاقية إستراتيجية مع الصين في عام 2023. ولكن عندما لم تُفلح هذه الضغوط الأميركية المباشرة لتغيير سياسات مادورو تجاه الصين، قامت إدارة ترامب بتنفيذ عملية عسكرية سريعة وغير مكلفة استهدفت التخلص من رأس النظام الفنزويلي.
وعند مقارنة مبدأ ترامب مع مبدأ أوباما وبايدن، نجد الاتفاق بأن جميعهم يهدف إلى تقليل الأعباء العسكرية الخارجية للولايات المتحدة، والسعي لاحتواء النفوذ الصيني. لكن الاختلاف الجوهري يكمن في تركيز إدارتي أوباما وبايدن على التوجه نحو آسيا pivot to Asia والسعي لمحاصرة الصين في مناطق الاندوباسفيك ومناطق نفوذ الصين الإستراتيجية في بحر الصين الجنوبي، وذلك عن طريق إنشاء تكتلات سياسية وعسكرية مثل كواد وأوكوس، وعقد اتفاقيات أمنية وعسكرية مع الدول الحليفة المحيطة جغرافياً بالصين. في حين أن مبدأ ترامب لا يهدف إلى مزاحمة الصين في مناطق نفوذها، وإنما يهدف إلى طرد النفوذ الصيني من مناطق الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي. وهذا ما يفسر التحرك الأميركي تجاه فنزويلا، والتهديد الأميركي بالسيطرة على جزيرة غرينلاند.
ومن جانبٍ آخر، فإن مقارنة مبدأ ترامب مع مبدأ بوش الابن يشير كذلك إلى فروقات واضحة. ففي حين قامت إدارة ترامب بتغيير نوعي في النظام الفنزويلي عن طريق اعتقال رئيسه، إلا أنها أبقت على نظام الحزب الاشتراكي الحاكم في فنزويلا، ولم تحاول أن تقوم بتغيير جذري في المؤسسات السياسية والعسكرية الحاكمة في البلاد، وإنما اكتفت بتغيير رأس النظام السياسي. مقارنة مع مبدأ بوش الابن الذي كان يهدف إلى تغيير الأنظمة السياسية الحاكمة باستخدام القوة العسكرية والاهتمام بما يُسمى «بناء الأمم أو الدول» Nation building، والسعي إلى نشر الديموقراطية Democracy promotion عن طريق التدخل العسكري الخارجي. وقد طُبق مبدأ بوش الابن عملياً في أفغانستان والعراق بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. وقد أشار الرئيس ترامب إلى الفوضى التي حصلت في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين في عام 2003 بالقوة العسكرية الأميركية وعملية اجتثاث البعث والتغيير الجذري في النظام والمؤسسات السياسية.
ومن ناحية أخرى، فإنه لا يمكن فهم «مبدأ ترامب» دون العودة إلى الدائرة القريبة المحيطة بالرئيس ترامب. فمن زاوية، نجد هناك تأثير وزير الخارجية مارك روبيو الذي ينتمي في خلفيته العرقية إلى جذور لاتينية، وكان يركز حتى قبل وصوله إلى الإدارة الأميركية على ضرورة مواجهة الأنظمة المعادية للسياسة الأميركية في أميركا اللاتينية وأهمها نظام مادورو في فنزويلا. وكذلك تأثير وزير الدفاع الأميركي هيغسيث الذي كان في كتاباته قبل وصوله إلى الإدارة الأميركية يشير إلى ضرورة التركيز على الملف الأمني الداخلي من خلال مواجهة التهديدات الاجتماعية الداخلية التي تواجه الأسرة الأميركية المحافظة وتؤدي إلى تفكك المجتمع الأميركي ومن أهمها خطر المخدرات والمهاجرين غير الشرعيين وعمليات التحول الجنسي والشواذ. وبناءً على ذلك، نجد هذا التوافق بين رؤية ترامب وهيغسيث في مسألة التركيز على المنطقة التي تمثل مصدراً رئيسياً لهذه المهددات وهي منطقة أمريكا الجنوبية. وأصبحت بذلك المؤسسة العسكرية الأميركية هي المسؤولة بشكل مباشر عن القيام بمهمة مواجهة هذه المخاطر وفي مقدمتها المخدرات والهجرة غير المشروعة.
كما أنه لربط «مبدأ دونرو» أو «مبدأ ترامب» بنظريات العلاقات الدولية، نجد بأنه يقترب كثيراً من النظرية الواقعية الهجومية offensive realism والتي يُعتبر المفكر الأميركي جون ميرشايمر من أبرز روادها. حيث تدعو هذه المدرسة الفكرية إلى ضرورة تحقيق الهيمنة الإقليمية الأميركية في مناطق النفوذ الإستراتيجي والتي تتركز في نصف الكرة الغربي من العالم.
وعند محاولة استشراف مستقبل سياسة ترامب الخارجية، فإنه وإن كان «مبدأ ترامب» يبدو بأنه ينزع إلى الانعزالية الأميركية والتركيز على الداخل الأميركي ودائرة الأمن القومي المباشرة في النصف الغربي من الكرة الأرضية، إلا أن ذلك لا يعني البتة بأن إستراتيجية الأمن القومي الأميركي خلال إدارة ترامب لا يمكن أن تتطور في الفترة القادمة لتشمل مناطق حيوية أخرى من العالم ينطبق عليها نفس الأهداف الأميركية الإستراتيجية في قارة أميركا الجنوبية، وأهمها طرد النفوذ الصيني والروسي. ومن أهم هذه المناطق الحيوية في العالم هي منطقة الخليج العربي التي تعتبر من المناطق الإستراتيجية المهمة بالنسبة للسياسة الأميركية. حيث تعتبر هذه المنطقة من أغنى مناطق العالم في ثرواتها النفطية ومصادر الطاقة. وفي نفس الوقت نجد بأن دول الخليج العربي ترتبط مع الصين بعلاقات واتفاقيات اقتصادية إستراتيجية. وهذا ما يدعو إلى الحذر في التعامل مع إدارة ترامب حيث يصعب التنبؤ بخطواتها القادمة وذلك لأنها تعتمد على عناصر غير مؤهلة ولا تتمتع بالخبرة مثل وزير الخارجية روبيو أو وزير الدفاع هيجسيث مقارنة مع العناصر البيروقراطية في الإدارات الأميركية السابقة.
وبنفس الكيفية التي شهدت تحول السياسة الخارجية «الترامبية» تجاه الحلفاء في الناتو في أوروبا الغربية، فإنه لا يمكن استبعاد ظهور تحولات في سياسة إدارة ترامب تجاه حلفاء آخرين في مناطق إستراتيجية أخرى من العالم، ما يستوجب معه صياغة إستراتيجيات خليجية وقائية مستقبلية تهدف إلى حماية المصالح الحيوية الإستراتيجية والأمن القومي لدول الخليج العربي.
* مدير مركز روافد للبحوث والاستشارات السياسية