القطاع يواجه كارثة وبائية مكتملة الأركان مع انتشار فيروس تنفسي حاد يتميز بسرعة انتقال
صورة فلسطينية واحدة: إبادة جماعية في غزة... تفكيك ممنهج للمجتمع بالضفة وتهجير قسري في القدس
- إنقاذ الوضع الصحي في غزة يتطلب معالجة جذرية
- معبر رفح مغلق الجمعة والسبت... ومعاناة الأهالي والمرضى تزداد سوءاً
في مشهد فلسطيني واحد تتقاطع فيه الجغرافيا بالدم، والصحة بالسياسة، والإنسان بالقانون، تتواصل فصول الإبادة الجماعية في قطاع غزة، بالتوازي مع تصعيد ممنهج في الضفة الغربية والقدس المحتلة، حيث القتل والاعتقال والهدم والتهجير والاستيطان، تتحول إلى سياسة يومية ثابتة، ترعاها آلة الاحتلال العسكرية والأمنية والاستيطانية، وتغطيها منظومة صمت دولي وعجز إنساني غير مسبوق.
في قطاع غزة، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، أن مستشفيات القطاع استقبلت خلال الساعات الـ 24 الماضية، شهيدين و33 إصابة، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية وصعوبة وصول الطواقم الطبية إلى مناطق الاستهداف، مؤكدة في تقريرها الإحصائي اليومي أن العدد التراكمي لضحايا العدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023 بلغ 72027 شهيداً و171651 إصابة، في واحدة من أثقل الحصائل البشرية في تاريخ القطاع، وسط أوضاع إنسانية وصحية شديدة التدهور.
وأكدت الوزارة أن عدداً من الضحايا لايزالون تحت الركام وفي الطرقات، مع عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى اللحظة، نتيجة القصف المتواصل ودمار البنية التحتية، مشيرة إلى أنه منذ اليوم التالي لوقف إطلاق النار في 11 أكتوبر، سجلت وزارة الصحة 576 شهيداً و1543 إصابة، إضافة إلى 717 حالة انتشال، ما يعكس استمرار الخسائر البشرية رغم الإعلان عن التهدئة.
وأضافت أنها أدرجت 174 شهيداً ضمن الإحصائية التراكمية بعد استكمال بياناتهم واعتمادهم رسميا من لجنة اعتماد الشهداء، خلال الفترة الممتدة بين 30 يناير و6 فبراير 2026، مؤكدة أن الأرقام المعلنة تعكس ما وصل إلى المستشفيات فقط، في ظل مخاوف حقيقية من ارتفاع الحصيلة مع استمرار تعذر الوصول إلى العديد من المناطق المنكوبة.
وتابعت وزارة الصحة أن التعقيدات الإسرائيلية والتحقيقات الأمنية تفاقم معاناة أهالي القطاع، مشيرة إلى أنه تم إجلاء 36 مريضاً فقط، و196 شخصاً غادروا القطاع منذ افتتاح معبر رفح، بينما يبقى المعبر مغلقاً أيام الجمعة والسبت، ما يزيد من معاناة المرضى والجرحى، مؤكدة فقدان مرضى يومياً بسبب تعطيل عبورهم للعلاج خارج القطاع، في وقت ما دخل من مساعدات «قليل جداً»، مع تسجيل نقص قياسي في الأدوية والمستلزمات الطبية.
مستويات كارثية
من جانبه، أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان، عن قلقه البالغ إزاء التدهور الخطير والمتسارع في الواقع الصحي داخل القطاع، والذي بلغ مستويات كارثية تهدد الحق في الحياة والصحة لأكثر من مليوني إنسان، في ظل استمرار القيود المفروضة على المنظومة الطبية واستهداف مقوماتها الأساسية بعد أكثر من عامين على حرب الإبادة الجماعية.
وذكر في بيان، أن ما يشهده القطاع لم يعد أزمة صحية عابرة، بل نتيجة مباشرة لسياسات إسرائيلية ممنهجة أدت إلى تفكيك النظام الصحي، وتحويل ما تبقى من مستشفيات عاملة إلى محطات انتظار قسرية لآلاف المرضى والجرحى الذين يواجهون مصيراً مجهولاً، وفق توصيف وزارة الصحة نفسها.
ووفقاً لعمليات الرصد الميداني، وثّق المركز تسجيل أكثر من 2,142,000 إصابة بأمراض معدية، شملت التهابات الجهاز التنفسي الحادة، وأمراضاً جلدية، والتهاب الكبد الوبائي، في بيئة تفتقر لأدنى أدوات التشخيص والعلاج، إضافة إلى تسجيل 21 حالة وفاة بين النازحين نتيجة انخفاض درجات الحرارة وعدم توافر الرعاية الطبية اللازمة.
وأشار التقرير إلى توقف نحو 70 في المئة من المختبرات الطبية عن العمل، في وقت وصلت فيه نسبة العجز في الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أكدت وزارة الصحة أن 46 في المئة من قائمة الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و66 في المئة من المستهلكات الطبية رصيدها صفر، إضافة إلى نفاد 84 في المئة من المواد المخبرية وبنوك الدم، مع تضرر خدمات السرطان وأمراض الدم والجراحة والعناية المركزة والرعاية الأولية.
وحذر الدكتور محمد أبوسلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، من أن القطاع يواجه كارثة وبائية مكتملة الأركان، مع انتشار فيروس تنفسي حاد يتميز بسرعة انتقال وأعراض شديدة تشمل حمى مرتفعة والتهاباً رئوياً حاداً، مؤكداً أن غياب الكواشف المخبرية وأجهزة الفحص يمنع الطواقم الطبية من تحديد السلالات الفيروسية بدقة أو التعامل معها وفق بروتوكولات علمية.
انتهاك اتفاقيات جنيف
في السياق ذاته، شدد مركز غزة لحقوق الإنسان، على أن استمرار تقييد إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية والوقود يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، محذراً من بقاء نحو 20 ألف مريض وجريح من دون إمكانية السفر للعلاج، وداعياً منظمة الصحة العالمية لإرسال بعثات طبية متخصصة ومختبرات متنقلة وأجهزة فحص متقدمة، وتأمين ممرات آمنة للإخلاء الطبي الفوري.
سياسياً، دعت حركة «حماس» جميع الأطراف الدولية والإقليمية للضغط على الاحتلال للسماح للجنة الوطنية المستقلة لإدارة غزة بالدخول إلى القطاع ومباشرة مهامها.
وأكد الناطق حازم قاسم استكمال جميع الإجراءات اللازمة لنقل الصلاحيات والحكم إليها، تحت إشراف جهة مختصة تضم الفصائل ومؤسسات المجتمع المدني ووجهاء العشائر وجهات دولية.
الضفة والقدس
وفي الضفة والقدس، وثقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان استشهاد 1054 فلسطينياً منذ أكتوبر 2023 وحتى 5 فبراير 2026، برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين، في سياق تصعيد دموي متواصل.
وشهدت مناطق متفرقة من الضفة حملات دهم واعتقال واسعة شملت الخليل ونابلس وطولكرم ورام الله والقدس، إضافة إلى اعتقالات نواب المجلس التشريعي الفلسطيني، حيث بلغ عدد النواب المعتقلين في سجون الاحتلال 10، بينهم مروان البرغوثي، أحمد سعدات، محمد أبوطير، حسن يوسف، محمد جمال النتشة، أنور زبون، حسني البوريني، خالد سليمان، ناصر عبد الجواد، وياسر منصور.
وتواصلت اعتداءات المستوطنين في الأغوار، القدس، رام الله، بيت لحم، الخليل، ومسافر يطا، عبر إطلاق المواشي في الأراضي الزراعية، ملاحقة الرعاة، اقتلاع الأشجار، تخريب الخيام، تدمير صهاريج المياه، الاعتداء على المواطنين، وتنفيذ جولات استفزازية مسلحة، في سياسة تهجير قسري منظم تستهدف تفريغ الأرض من سكانها الفلسطينيين.
تهديد للوجود
وفي السياق، حذر بطريرك القدس ثيوفيلوس الثالث من التصاعد الخطير لاعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني، مؤكداً أن «ما يجري يمثل تهديداً مباشراً للوجود الفلسطيني والمسيحي، وانتهاكاً صارخاً لحرية العبادة وكرامة الإنسان».
في المحصلة، تتشكل صورة فلسطينية واحدة: إبادة جماعية في غزة، وتفكيك ممنهج للمجتمع في الضفة، وتهجير قسري في القدس، وانهيار صحي شامل، وانسداد سياسي كامل، في ظل منظومة احتلالية واحدة، تنتج الموت والمرض والتهجير والاستيطان كسياسات رسمية ممنهجة، وتضع الشعب الفلسطيني أمام معركة وجود مفتوحة، لا تُختزل في الجغرافيا، ولا تُفصل بين غزة والضفة والقدس، بل تتجسد كوحدة مصير واحدة تحت مشروع استعماري واحد.