تحوّل إلى واحة نابضة بالذاكرة يستحضر الماضي ويُعيد رسم ملامحه
القصر الأحمر... جدران تحكي تاريخاً
-نصار الخمسان: القصر يحمل بين جدرانه تاريخاً ترك بصمات عطاء ووفاء في ذاكرة الأجيال
-نايف الحريجي: نقلت ديواني إلى القصر لتعريف الزوار بالحياة القديمة وما فيها من معانٍ وقيم
-فيصل الزعبوط: الجهراء تمثل نموذجاً غنياً في موروثها الشعبي ولهجتها وعاداتها وتقاليدها
تحوّل القصر الأحمر في الجهراء، إلى واحة نابضة بالذاكرة، يستحضر عبق الماضي ويعيد رسم ملامحه في مشهد وطني ثقافي، حيث امتزجت أسواره الحمراء الطينية بروح الشباب، فاستعادوا تاريخ الآباء والأجداد، وفتحوا نوافذ الذاكرة على تفاصيل الحياة القديمة بكل ما تحمله من أصالة وعمق.
فجدران القصر القديم همست بحكايات جمعت الأجيال على الشعر، والدلال والكرم، وحسن الجيرة، والأسواق القديمة التي شكّلت قلب الجهراء النابض.
في جولة ميدانية، زارت «الراي» القصر الأحمر، لرصد الفعاليات الثقافية والتراثية المقامة فيه، حيث تتجسد ذاكرة حيّة للموروث الكويتي، وشاهد راسخ على أصالة حياة الآباء والأجداد، وقيمهم التي صنعت الهوية الوطنية والثقافية ورسّخت معاني الانتماء لهذا الوطن.
وفي هذه الأجواء الشتوية المفعمة بشبة النار وروح التراث، تتواصل الفعاليات الوطنية التي تعيد وصل الحاضر بالماضي، وتؤكد أن الموروث يسكن في الوجدان فهو الحياة التي تُروى جيلاً بعد جيل، وثقافة تُصان، وهوية تتجدد عبر الأجيال.
إحياء التراث
في البداية، أكد رئيس ديوان شعراء النبط نصار الخمسان، أن «مشاركة ديوان شعراء النبط في فعاليات القصر الأحمر تمثل منصة حيوية لإحياء التراث الوطني وتعزيز الثقافة الكويتية».
وقال الخمسان، لـ«الراي» إن «القصر الأحمر يحمل بين جدرانه التاريخ العريق الذي ترك بصمات واضحة من العطاء والوفاء في ذاكرة الأجيال، ويجسّد قيم المجتمع الكويتي في حسن الضيافة والتواصل الاجتماعي».
وأضاف الخمسان، أن «المشاركة الواسعة تأتي من منطلق اجتماعي وثقافي ومؤسسي، ضمن احترام التراث الوطني، ودعم الثقافة، وإحياء الشعر النبطي، والعمل على انتشاره بين الشباب والمجتمع عامة»، مشيراً إلى أن «الساحة الشعرية انطلقت رسمياً عام 1977 من خلال ديوان شعراء النبط، الذي أصبح منبراً تاريخياً للحفاظ على الشعر الشعبي وتعزيز حضوره بين المواطنين، وهذه المشاركة تعكس التزام الديوان بالموروث الوطني ونقله للأجيال القادمة». وأكد أن دعم القيادة الحكيمة كان له أثر كبير في استمرار هذه الفعاليات.
معان وقيم
من جانبه، قال الباحث في التراث الشعبي نايف صالح الحريجي، الذي نصب بيت شعر مليئاً بالمقتنيات التراثية، إن مشاركته في فعاليات القصر الأحمر تأتي انطلاقاً من واجبه الوطني والثقافي، مؤكداً أن نقل ديوانه الأصلي إلى القصر الأحمر، يهدف إلى إحياء التراث وتعريف الزوار بالحياة القديمة وما تحمله من معان وقيم متجذرة في المجتمع الكويتي.
وأضاف الحريجي أن «الاهتمام بالموروث الشعبي لا يقتصر على عرض المقتنيات التراثية، بل يشمل المحافظة على الثقافة والهوية الوطنية. والديوانية كانت ولا تزال رمزاً للتواصل الاجتماعي، وملتقى لتبادل الخبرات، وإكرام الضيف، وترسيخ العادات الأصيلة التي نشأ عليها الآباء والأجداد».
وأشار إلى أن «التراث والأنتيك تزداد قيمتهما مع مرور الزمن. وهناك إقبال متزايد على الدلال النادرة بأنواعها المختلفة، منها البغدادية، والرسلانية، والحساوية، والنجرانية، والمكاوية، والإماراتية، والبحرينية، والعُمانية، والنجفية، إضافة إلى النصرانية. وهذه القطع النادرة تحظى بقيمة عالية لما تمثله من تاريخ وأصالة».
وأوضح أن بيت الشعر يُعد أحد أبرز رموز الحياة البدوية القديمة، مبيناً أنه حرص على الإشراف عليه بنفسه، لأنه بيت شعر أصلي مصنوع من الصوف، ومجهز بفرش السدو القديم الذي يعكس بساطة وجمال حياة البادية، كما أوضح اختلاف أحجام بيوت الشعر بحسب الحاجة وظروف التنقل، حيث كانت الجِمال قديما تتحمل أحجاماً صغيرة، بينما بعد تطور وسائل النقل أصبح الناس يميلون إلى البيوت الأكبر والأوسع.
تفاصيل الحياة
من جانبه، قال المؤرخ فيصل الزعبوط، إن «تواجدي اليوم في هذا المكان الشعبي والتراثي الجميل يأتي ضمن فعاليات موسم الجهراء الثقافي. فالجهراء تمثل نموذجاً غنياً في موروثها الشعبي، ولهجتها، وعاداتها، وتقاليدها، وكل ما يرتبط بالثقافة الشعبية التي تشكل جوهر الهوية الكويتية».
وأضاف الزعبوط، أن الموروث الشعبي لا يقتصر على جانب واحد، بل يشمل مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من السلوكيات الاجتماعية إلى الفنون والعادات المتوارثة، مشيراً إلى أن هذه المشاركة تهدف بالدرجة الأولى إلى دعوة الناس، خصوصاً الأجيال الجديدة، للحضور والمشاهدة والتعلّم، والتعرّف عن قرب على تفاصيل الحياة القديمة.
وأوضح أن من المهم تعريف الزوار بأساسيات الضيافة الكويتية، مثل طريقة تقديم القهوة، ودلالات حركة الفنجال عند الاكتفاء، واحترام الكبير في السن، ومعرفة السلوك الصحيح في المجالس. وهذه التفاصيل البسيطة تحمل معاني كبيرة في ثقافة المجتمع الكويتي.
دعم سام للموروث الوطني
أشاد رئيس ديوان شعراء النبط نصار الخمسان، بالدور الكبير لسمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد، الذي يواصل دعم الشعب والثقافة والموروث الوطني، ولا سيما القصر الأحمر، إذ كان له الدور الكبير في إحيائه ليبقى شاهداً حياً على التاريخ الأصيل ومرجعاً ثقافياً للأجيال القادمة.
وأشار الخمسان إلى أن «ديوان شعراء النبط يشارك سنوياً في الفعاليات، وهذا العام يشهد حضوراً ومشاركات مميزة من خلال أعضاء الديوان، بالإضافة إلى مشاركته في احتفالات اليوم الوطني في جميع محافظات البلاد، بما يعكس الدور الوطني والثقافي للديوان في تعزيز الهوية وحماية التراث الشعبي».
الشباب يعود للتراث
ذكر الباحث في التراث الشعبي نايف الحريجي، أن الشباب يبدون اهتماماً متزايداً بالموروث الشعبي والثقافي، إلى جانب إعجاب الأجانب والسياح والدبلوماسيين الذين يتفاعلون مع الحياة القديمة وتفاصيلها التي يظهرها القصر، لما لها من سحر تاريخي وقيمة ثقافية عالية.
وشدد الحريجي، على أهمية المحافظة على التراث الشعبي والثقافة الوطنية، والتمسك بعادات الأجداد، وإحياء الديوانية كرمز اجتماعي وثقافي.
دلّة القهوة وعمق الموروث
أشار المؤرخ فيصل الزعبوط، إلى أن من عناصر الموروث التعريف بأنواع دلال القهوة، حيث تُعرف الدلة الفضية باسم الدلة البيضاء، بينما تُعرف الدلة الذهبية باسم الدلة الصفرا، لافتاً إلى أن هذه المسميات والتفاصيل تعكس عمق الموروث وأصالته.
وأكد الزعبوط، أن الكويت تزخر بموروث جميل وأصيل، يسهم في إبراز صورة هذا الشعب بأجمل حُلله، ويعكس قيمه في الكرم، والاحترام، والأخلاق، داعياً إلى الاستمرار في إحياء هذا التراث والمحافظة عليه ونقله للأجيال القادمة.