أول إنتاج نيو كلاسيكي محلي بمعايير احترافية ورؤية إنسانية
باليه «الفصول» يفتتح صفحة جديدة... للفنون الأدائية في الكويت
قدّمت أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا» عرض الباليه النيو كلاسيكي «الفصول»، وذلك على خشبة مسرح الجامعة الأمريكية بالكويت (AUK)، في تجربة تُعد محطة فارقة في مسار الفنون الأدائية المحلية، لما حملته من عمق فكري ونضج جمالي وتكامل احترافي بين الموسيقى والحركة والفضاء المسرحي.
العرض، الذي قُدّم على مدار ثلاثة أيام وبمدة 45 دقيقة للواحد منها، يُعد لحظة مفصلية في مسيرة الفنون الأدائية في الكويت، كونه يمثّل أول إنتاج باليه محلي يُقدَّم بهذا المستوى الاحترافي، ويعكس ثمرة الجهود التدريبية والفنية التي بذلتها الأكاديمية منذ تأسيسها.
«الفصول»، استلهم موسيقاه من رائعة الموسيقار الإيطالي أنطونيو ڤيڤالدي «الفصول الأربعة»، تلك السلسلة الخالدة من كونشرتات الكمان التي صوّرت الطبيعة بإيقاعاتها المتغيّرة، ومنحت الموسيقى الكلاسيكية بعداً تصويرياً سبق عصره.
من الطبيعة إلى الجسد
جاء العرض ليواصل إرث ڤيڤالدي، مترجماً الموسيقى إلى لغة الجسد، في قراءة معاصرة حافظت على روح الأصل، ومنحته حياة جديدة على الخشبة، حيث توزّع على أربع لوحات رئيسية، عكست الفصول الأربعة وهي الربيع، الصيف، الخريف، والشتاء.
وحمل كل فصل مزاجه الخاص، من الخفة والانبعاث، إلى التوتر، ثم النضج، وصولاً إلى السكون التأملي، في بناء درامي متدرج حافظ على وحدة العمل وانسيابه.
رؤية... تينا
ووقفت خلف هذا العمل الذي يعتبر مشروعاً ثقافياً متكاملاً يعكس نضج التجربة، ويضيف لبنة جديدة إلى المشهد الإبداعي في الكويت، الدكتورة تينا زوبوفيتش، مصممة الرقصات والمديرة الفنية لفرقة لابا للرقص، التي قدّمت رؤية كلاسيكية جديدة واعية، جعلت من «الفصول» رقصة عالمية للطبيعة، خالدة في معناها، وإنسانية في طرحها. فقد انطلقت رؤيتها من فكرة التحوّل والأمل، ومن الإيقاع الدوري للطبيعة بوصفه انعكاساً لدورات الحياة البشرية، حيث لا نهاية بلا بداية، ولا سكون بلا حركة قادمة.
ومن خلال تصميمها الحركي، منحت زوبوفيتش كل فصل حالته العاطفية الخاصة، فجاءت الحركة محمّلة بالدلالة، ومتصلة عضوياً بالموسيقى، في مزج متقن بين الانضباط الكلاسيكي وحرية التعبير المعاصر.
أداء جماعي
أما على مستوى الأداء، فقد قدّم فنانو فرقة LDC (لابا للرقص) عرضاً اتسم بالانسجام والدقة، عاكساً مستوى تدريب احترافي، وقدرة واضحة على التعامل مع الباليه الكلاسيكي بروح معاصرة، حيث شارك في العرض كل من جاسبر راتوس، مهيلي جاليكو، روان الديك، دلال جامان، أرشيا ساثو، ريك فيليب، فاطمة مورافيج، قيلة بهاتي، وفاطمة أميري، الذين شكّلوا معاً لوحة جماعية متماسكة، تداخلت فيها الأدوار الفردية مع التكوينات الجماعية بسلاسة وانضباط.
وبدا جلياً أن الأداء لم يكن تقنياً فحسب، بل نابعاً من فهم عميق للفكرة العامة، ما منح الحركة صدقاً وتعبيراً، وجعل الجسد أداة سردية تنقل الإحساس قبل الشكل.
جماليات المشهد
واكتملت صورة العرض من خلال العناصر البصرية، حيث تولّت زوبوفيتش أيضاً تصميم الأزياء، فجاءت متناغمة مع طبيعة كل فصل، بسيطة في خطوطها، معبّرة في ألوانها، وخادمة للحركة من دون أن تُقيّدها.
أما تصميم المناظر المسرحية، الذي حمل توقيع كل من الدكتور إبراهيم سلام ومصطفى محمود ومحمد خليل، فقد اتسم بالتكثيف والذكاء البصري، مانحاً العرض فضاء مفتوحاً يسمح للحركة بأن تتصدّر المشهد، ويترك للمخيلة دورها في استكمال الصورة.
وساهم تصميم الإضاءة، الذي أبدعه عبدالرحمن عناية، في تعزيز الحالة الشعورية لكل فصل، من خلال انتقالات ضوئية مدروسة، واستخدام ذكي للظلال والدرجات اللونية، ما أضفى على العرض عمقاً بصرياً إضافياً، من دون الإخلال بتوازن المشهد.