مساع لتعويم «الميكانيزم» ومخاوف عربية من تداعيات أي تصعيد إقليمي
غضبة سياسية من تلويح «حزب الله» باقتياد لبنان إلى «حرب إسناد» جديدة
- باسيل مؤكداً سقوط التفاهم مع «حزب الله»: مُحزِن أن نرى اليوم تكرار جريمة توريط لبنان بدمار جديد بدل تحييده وحمايته
عَبَّرَتْ الارتجاجاتُ السياسيةُ لرَبْطِ «حزب الله» لبنان بالصفيح الأكثر سخونة في المنطقة بإعلانه «لسنا على الحياد» في أي عدوان أميركي وإسرائيلي على إيران عن حجم المخاطر المتعددة البُعد التي تخشى بيروت أن تترتّب على تَفَرُّد الحزب مجدداً في اقتياد البلاد إلى «حرب آخَرين» بارتداداتها المدمّرة على ما بقي من «صمامات أمان» للوطن الصغير.
وفيما كان دويّ كلامِ الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم عن «أننا معنيون» بأي عدوان على إيران «ومستهدَفون به ومصممون على الدفاع، وسنختار في وقتها كيف نتصرّف تدخلاً أو عدم تدخل، ولكننا لسنا على الحياد»، يتردّد تحت قبة البرلمان خلال جلسات مناقشة مشروع موازنة 2026 ويفجّر سجالاتٍ حاميةً، فإنّ تحذيراتِ غالبية القوى السياسية من مغبة تكرار تجربة «حرب الإسناد» وما جرّتْه ولاتزال على لبنان انطوتْ على مخاوف عميقة على مستوييْن متداخليْن:
- الأول ما يعبّر عنه تهديدُ «حزب الله» بالانخراط في المواجهةِ الإقليميةِ المحتمَلة من إصرارٍ على المضيّ بالتعاطي مع الداخل وتجاهه وكأن شيئاً لم يتغيّر منذ «حرب لبنان الثالثة» وما تلاها من تحولات جيو - سياسية اعتُبرت من نتائج الخسائر التي مُني بها الحزب وعبّرت عنها مضامين اتفاق وقف النار وكيفية تنفيذه من إسرائيل على قاعدة «التفوق العسكري» الصريح، وصولاً إلى سقوط نظام الأسدين في سوريا والمسار الذي سلكتْه حرب غزة وما بينها من تضييق الخناق على إيران.
- والثاني كيفية قراءة هذا التهديد الذي أطلقه الحزب من قِبل الخارج خصوصاً لجهة تشظياته على سردية الدولة اللبنانية في ما خص استعادة قرار «الحرب والسلم» كما على «الاحتمالات التنفيذية» للخطة التي من المقرَّر أن يضعها الجيش اللبناني أمام الحكومة بعد نحو 10 أيام حول سحب سلاح الحزب شمال الليطاني (وتحديداً بين الليطاني ونهر الأولي)، وسط التعاطي مع مواقف قاسم على أنها أكدت المؤكد لناحية الترابط بين مصير «السلاح الإستراتيجي» لحزب الله (الصواريخ البعيدة المدي والمسيرات) وبين مآلات ما يُرسم لإيران.
وفي الإطار نفسه برزت خشيةٌ من أن يترك ما أعلنه قاسم تأثيراتٍ على الزيارة التي سيقوم بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن بين 3 و 5 فبراير المقبل، وسط علامات استفهام حول إذا كان «تذكير» حزب الله بأن «الأمر له» في الحرب والسلم سينعكس أيضاً على الاستعدادات لعقد مؤتمر لدعم القوى المسلحة اللبنانية في باريس في 5 مارس المقبل، انطلاقاً ما يعبّر عنه دقُّ الحزب «نفير الحرب» ولو تحت عنوان «دفاعي» عن إيران من أنه مازال يشكّل القاطرة للوضع في «بلاد الأرز»، كما إسرائيل من المقلب الآخر، في اتجاه الاستقرار أو مزيد من الانغماس في التوترات والدمار.
وترى أوساط سياسيةٌ أن ما أدلى به قاسم في الوقت الذي كان وزير الدولة في الخارجية القطرية محمد بن عبدالعزيز الخليفي يزور بيروت، ويطلق مسار دعْمٍ مادي للبنان (بمنح ومساعدات تجاوزت 450 مليون دولار) وبغطاء خليجي ودولي، يعزّز الاقتناعَ الخارجي – في موازاة إشاراتِ الجهوزية لمزيد من «الإسنادِ البنّاء» لمحو آثار الحرب ووضع البلاد على سكة النهوض والازدهار – بأولوية إنجاز ملف سحب السلاح وتثبيت الاستقرار وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية قبل أي تمويل لإعادة الإعمار، كما يعمّق قلق أصدقاء «بلاد الأرز» ولا سيما «مجموعة الخمس» من انعكاساتٍ شديدة السلبية لأي تصعيد إقليمي على الواقع اللبناني.
ولم يكن عابراً ما نقله موقع «المدن» الإلكتروني في هذا الإطار عن الخليفي الذي أكد «صحيح أنني لم أعلن في كلامي عن مسار إعادة الإعمار، ولكن هذا الملف أساسي وقد ناقشته مع المسؤولين اللبنانيين، وهذا الأمر يحتاج إلى مسار سياسي واضح وتثبيت الاستقرار الأمني في الجنوب ومنع الاعتداءات»، مشيراً إلى أنه يتم العمل على الوصول إلى صيغة تثبت الأمن والاستقرار في الجنوب بما يتيح إطلاق إعادة الإعمار، ومستشهداً في هذا السياق بما جرى في غزة «فهذا الأمر ينطبق على ما جرى في القطاع، أي البدء بمعالجة الوضع الأمني ووقف الحرب، بالإضافة إلى معالجة الوضع السياسي وبعدها يتم إطلاق مسار إعادة الإعمار».
قلق دولي وإقليمي مشترك
وعبّر الخليفي عن قلق دولي وإقليمي مشترك من احتمال حصول تصعيد، «فالتوترات التي يشهدها الإقليم تقلقنا، ولاسيما بسبب تأثيرها المباشر على لبنان، وأي تصعيد ستشهده المنطقة سينعكس على لبنان، لذا يجب المساهمة في خفض التصعيد وهو دور أساسي تقوم به قطر من خلال علاقاتها واتصالاتها، وهو ما عملت عليه من خلال التواصل مع الأميركيين والإيرانيين».
ولم يقلّ دلالةً تكشف المزيد من المعطيات حول التواصل الذي حصل بين الرئيسين اللبناني العماد جوزف عون والمصري عبدالفتاح السيسي عشية لقاء الأخير في مؤتمر دافوس مع الرئيس دونالد ترامب، وتبلُّغ القاهرة من بيروت أن لبنان ينفذ خطة جمع سلاح «حزب الله» وان إسرائيل لم تلبّ كل ما اتُفق عليه مع الأميركيين «الذين يتحملون مسؤولية تطبيق الاتفاق، علماً أن خروق إسرائيل يومية، ولم تنسحب من النقاط المحتلة».
وبحسب صحيفة «النهار» اللبنانية، فقد طالب الجانب المصري خلال اللقاء مع ترامب بضرورة «تفهم واقع لبنان» وما تعانيه الدولة ومؤسساتها من ضغوط جراء «التعنت المتواصل من تل أبيب» التي لا تنفك تدعي بأنها تسير بلجنة «الميكانيزم» (المولجة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف النار 27 نوفمبر 2024) وفق ما يرسمه وفدها في اجتماعات الناقورة، في حين أنها لا تكترث بـ«اليونيفيل» وتستعجل مغادرة وحداتها نهاية السنة الجارية.
ووفق هذه المعطيات فقد نقلت مصر إلى لبنان بعد اجتماع السيسي وترامب رسالة عاجلة فحواها «إيجابي»، وأن ترامب «يتفهم» أحوال الحكومة اللبنانية والصعوبات التي تعترضها، وسط تخوف من شنّ إسرائيل عدوانا على لبنان.
«الميكانيزم»
وفي سياق متصل، مضت بيروت في ما بدا محاولةً لقطع الطريق على مؤشراتٍ تشي باتجاهاتٍ لاستبدال «الميكانيزم» أو إيجاد إطار موازٍ لشِقّها المدني وأرفع مستوى يتولى شَقّ مسار «سلام مستدام عبر الحوار والدبلوماسية»، وهو المسار الذي بدا أن كلمة السرّ له أتت من الاجتماع البالغ الدلالات الذي كشفت السفارة الأميركية في بيروت أنه عقد في «الويك اند» الأخير في عمان بين سفيري الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسي وإسرائيل مايك هاكبي، وهذا ما عبّر عنه اللقاء الذي عقده المستشار الأمني والعسكري للرئيس عون العميد الركن المتقاعد انطوان منصور، وبتكليف من رئيس الجمهورية، مع مساعد رئيس اللجنة الخماسية لمراقبة اتفاق وقف الأعمال العدائية في الجنوب «الميكانيزم» العقيد الأميركي David Leon Klingensmith في حضور ملحق الدفاع في السفارة الأميركية في بيروت العقيد Jason Belknap في السفارة الأميركية في عوكر.
وتم خلال اللقاء «عرض تطور عمل اللجنة والتعاون القائم بين الجانب اللبناني وبينها في إطار تطبيق الأهداف التي أنشئت من أجلها. كما تم التأكيد على الأهمية التي يوليها الرئيس عون لعمل اللجنة لتثبيت الاستقرار والأمن في البلاد».
كذلك برز استقبال العماد رودولف هيكل قائد قوة المهام المشتركة للعمليات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية Brig. Gen. Mason R Dula مع وفد مرافق، وتناول البحث سبل التعاون بين الجيشَين اللبناني والأميركي، والتطورات في لبنان، إضافة إلى الأوضاع العامة في المنطقة.
كما استقبل هيكل المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان السفيرة جينين هنِّيس - بلاسخارت «وتناول البحث الأوضاع في البلاد، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش»، علماً أن الأخيرة التقت قبلها الرئيس عون «وعرض معها الأوضاع العامة في البلاد، ولا سيما في الجنوب في ضوء استمرار الاعتداءات الإٍسرائيلية على البلدات الجنوبية»، حيث أكدت بلاسخارت «متابعة الأمم المتحدة للوضع في الجنوب ومواصلة العمل لتثبيت الاستقرار الأمان فيه».
حماوة تحت قبة البرلمان
وكانت مواقف قاسم ومجمل وضعية «حزب الله» وسلاحه نجمة اليوم الأول من مناقشات مشروع الموازنة في ساحة النجمة (حيث مقر البرلمان)، وسط إصرار العديد من النواب، المناهضين للحزب، على تأكيد عبثية التفكير في النهوض بالاقتصاد فيما شبح الحرب يلوح بقرارٍ لا تتحّكم به الدولة ويُقتاد إليه كل اللبنانيين.
وفي حين سألت النائبة بولا يعقوبيان في كلمتها «هل هذه موازنة لبنان أو موازنة إيران"؟، معتبرة «أن حكومةً قرار السلم والحرب ليس بيدها لا يمكنها أن تقرر في الاقتصاد»، أشار نائب «القوات اللبنانية» جورج عدوان إلى ان «أي رهان على وجود تنظيمات خارج الدولة هو خارج السياق كلياً ونحن على مفترق طرق إما ننخرط في الدولة وإما سنعاني جميعنا من مشكلة في الحاضر والمستقبل».
وخلال إلقاء النائب فراس حمدان كلمة رفض فيها «استخدام الجنوبيين واللبنانيين مجدداً ورقة تفاوض ومنصة في صراع المحاور الاقليمية للدفاع عن إيران التي لم تضرب طبق ورد عندما دُمر كل الجنوب والبلد»، معلناً «المتظاهرون في إيران حملوا شعار: لا غزة ولا لبنان روحي فداء طهران، ونحن في لبنان نقول لا طهران ولا صنعاء روحنا فداء للجنوب»، انفجر سجال حامٍ مع نواب من «حزب الله» دعوا إلى شطب هذا الكلام من المحضر لأنه ينطوي على «تعرض لدولة شقيقة وصديقة على منبر البرلمان، وهذا غير مقبول أصولاً ومرفوض، ولافتين إلى أن «شوية» موساد كانوا يتظاهرون في ايران ويطلقون النار على الناس».
وردّ نواب معارضين للحزب على هذا الكلام، مؤكدين «أن حكم البلد كما تريدون انتهى، خلصنا ترهيب»وسط هرج ومرج سادا ومحاولات تدخل من الرئيس نبيه بري لتهدئة الأجواء المشحونة.
وبعدها أعلن نائب الحزب علي المقداد في كلمته مصوباً ضمناً على الرئيسين عون ونواف سلام «نسمع مواقف دستورية لا تشبه الدستور ولا الأعراف، ولا ما يحتاجه لبنان في هذه الأيام وهو الحد الأدنى من التماسك الوطني»، وأكد انه «لم تطلق رصاصة واحدة منذ أكثر من عام وتُرك القرار للدولة فأين المظلة الدولية التي نراها في كل دول العالم تتكسر»، معتبراً أن«البعض لايزال يرى المستهدف ويغلق عينيه عن المعتدي ويصر على قلب الوقائع». ودعا الجميع إلى «العمل على أن نرمم البيت الداخلي»، مشدداً على التوقف عن «هذا البخ القاتل».
باسيل
وكان لافتاً ما أعلنه رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل قبل بدء الجلسات من أن «أساس وثيقة التفاهم (مع حزب الله) كان لبننة خيارات الحزب وسلاحه، من خلال الشراكة وبناء الدولة والدفاع عن لبنان. سقط التفاهم لَمّا سقطت هالمداميك. وحدة الساحات وحرب الاسناد دمروا الحزب ولبنان وأسقطوا الوظيفة الردعية للسلاح. مُحزِن نشوف اليوم تكرار جريمة توريط لبنان بدمار جديد بدل تحييده وحمايته».
ويُذكر أن جلسات مناقشة الموازنة التي تستمر بالحد الأدنى حتى الخميس تنعقد وسك اعتصامات وتحركات احتجاجية في محيط مقر البرلمان ولاسيما من قدامى القوات المسلحة وموظفي الدولة الذين يطالبون بتصحيح أوضاعهم المعيشية.