السلام في مفترق طرق: لماذا يحتاج العمل متعدّد الأطراف إلى النساء الآن

غادة الطاهر
غادة الطاهر
تصغير
تكبير

نقف اليوم على مفترق طرق حضاري؛ حيث لم يعد السلام مجرد غياب للحرب، بل بات مفهوماً يتآكل في جوهره النظري وتطبيقاته العملية على السواء.

تسعون مليون إنسان اقتُلعوا قسراً من ديارهم، يجدون أنفسهم محاصرين بين نيران النزاع وتداعيات الكوارث المناخية، فيما يشهد العنف الجنسي المرتبط بالصراعات المسلحة تصاعداً مريعاً بنسبة 87 في المئة منذ العام 2022.

وفي ظل هذا المشهد القاتم، وبينما تتطلب الأزمات الكونية استجابات منسّقة عابرة للحدود، نشهد تراجعاً مقلقاً في الثقة بالعمل المشترك، حيث تنحو الفردانية السياسية أحياناً نحو طغيان المصالح الضيقة على الضرورات الجماعية.

وهنا بالتحديد تكمن المفارقة العميقة: إن تآكل الثقة في التعددية يجعلها أكثر ضرورةً وحتميةً. فالمعضلات الوجودية التي تواجهها البشرية - من جوائح عالمية إلى تغيّر مناخي كارثي، ومن نزوح جماعي إلى تهديدات أمنية عابرة للسيادات - لا يمكن لأي كيان سياسي، مهما بلغت قوته، أن يتصدى لها منفرداً.

يبقى النظام متعدد الأطراف، رغم ما يعتريه من هشاشة بنيوية وثغرات مؤسسية، الإطار الحضاري الوحيد القادر على مواجهة التحديات المشتركة وبناء سلام مستدام. فحين تضمحل التعددية، تحل لغة القوة محل منطق المبادئ، ويُترك المدنيون الأبرياء ليدفعوا فاتورة هذا الانحدار الأخلاقي.

إن التعددية، في جوهرها الفلسفي، تمثل نموذجاً حضارياً يقوم على ثلاثية: تعاون الدول السيادية، واحترام التنوع كقيمة جوهرية، والعمل الجماعي لتحقيق المصلحة الإنسانية العليا. إنها تجسيد لوعي عميق بالترابط الكوني: فالسلام الإقليمي يشكل ركيزة للأمن العالمي، والعمل المناخي يتطلب التزاماً كونياً شاملاً، وحماية حقوق الإنسان عبر الجغرافيا تمثل مصدر قوة جماعية لا تتجزأ.

ريادة كويتية

وفي دولة الكويت، يتجاوز هذا الفهم النظري إلى الممارسة المتجذرة تاريخياً. فالكويت، التي استوعبت من تجربتها التاريخية الخاصة الأهمية الوجودية للتضامن الدولي، ظلت - كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة خلال زيارته التاريخية عام 2024 - رائدة في العمل الإنساني بمعناه الأشمل.

واليوم، تواصل الكويت أداء دورها كحلقة وصل استراتيجية بين الدبلوماسية الرسمية والعمل الإنساني الميداني، متجسداً ذلك في عضويتها الفاعلة بمجلس حقوق الإنسان (2024-2026)، وتصنيفها ضمن الدول الأكثر سلماً إقليمياً وفقاً لمؤشر السلام العالمي لعام 2025.

إذا كانت التعددية ضرورة حضارية ملحة، فإن المشاركة الكاملة والمتساوية للمرأة فيها تمثل المعيار الحقيقي لمصداقيتها ونجاعتها. فالأنظمة متعددة الأطراف الشاملة تنتج قرارات تتمتع بشرعية أوسع، وتصوغ سلاماً أكثر ديمومة، وتؤسس لمسؤولية مشتركة أعمق جذوراً. إن حضور المرأة على قدم المساواة في فضاءات صنع القرار ليس إضافة تجميلية أو استكمالاً شكلياً للمشهد، بل يشكل المحك الجوهري لنزاهة العمل متعدد الأطراف وفعاليته.

والأدلة التجريبية في هذا السياق قاطعة الدلالة: تزداد احتمالية استمرار اتفاقات السلام لخمسة عشر عاماً على الأقل بنسبة 35 % حين تساهم النساء في صياغتها. وعندما تتصدر النساء قيادة العمليات الإنسانية واستراتيجيات التكيف المناخي، تأتي الحلول الأكثر واقعية واستدامة وقرباً من احتياجات المجتمعات.

لقد رأينا نساءً يقدن جهود المصالحة في أعتى الأزمات، ويحافظن على استمرارية الخدمات الصحية حين تنهار المنظومات الرسمية، ويتوسطن في النزاعات على الموارد قبل أن تتحول إلى دوامات عنف. في الواقع، تساهم المجموعات النسائية بفاعلية ملموسة في 75 في المئة من عمليات السلام غير الرسمية، محققة نتائج ميدانية ملموسة على أرض الواقع.

وفي أوقات التوتر الجيوسياسي المتصاعد، لا تُقاس القيادة الحقيقية بمعايير القوة الصلبة، بل بالحكمة الاستراتيجية والتوازن الدبلوماسي.

سابقة تاريخية

التاريخ الكويتي غني بالشواهد على ذلك: فالسفيرة نبيلة الملا، التي شكلت عام 1993 سابقة تاريخية كأول امرأة كويتية وخليجية تشغل منصباً ديبلوماسيا في النظام الدولي متعدد الأطراف، ثم ترأست مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (2002-2003) في مرحلة حرجة من تاريخ الأمن النووي العالمي - تجسد بوضوح كيف تعزز القيادات النسائية المؤسسات الدولية في أصعب اختباراتها الوجودية.

ومع ذلك، لاتزال الهوة بين الإسهام المحلي والتمثيل العالمي صارخة: فالنساء يصنعن السلام في مجتمعاتهن، لكنهن يُقصَين منهجياً عن طاولات القرار الدولية.

في عام 2024، لم تمثل النساء سوى 7 في المئة من المفاوضين في عمليات السلام، و20 في المئة من الموقعين على الاتفاقات عالمياً. وحتى هذه اللحظة، تقود النساء 29 دولة فقط من أصل 193، بينما ثمة 102 دولة لم تشهد امرأة واحدة في موقع القيادة السيادية عبر تاريخها بأكمله.

لهذا السبب بالتحديد، يكتسب الاحتفال باليوم الدولي للمرأة في العمل متعدد الأطراف (25 يناير) بعداً استراتيجياً: إنه دعوة إلى تحوّل بنيوي جذري، لا مجرد إصلاحات رمزية.

يتعين علينا ضمان تأثير فعلي وحقيقي للمرأة في مراكز صنع القرار، وحماية الناشطات من العنف الممنهج، وتمهيد طريق مؤسسي للجيل القادم من القيادات النسائية.

شراكة وثيقة

وفي هذا السياق، يعمل فريق الأمم المتحدة في الكويت بشراكة وثيقة مع الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني لتعزيز التمكين الشامل للمرأة، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 1325 الرائد. ومع مضي الكويت قدماً نحو «رؤية 2035» التنموية الطموحة، فإن استدماج المنظورات النسائية في صياغة السياسات وتنفيذها سيجعل المخرجات أكثر متانة واستدامة وشمولية.

في زمن يواجه فيه التعاون الدولي أكبر اختباراته الوجودية، لم تعد قيادة المرأة في العمل متعدد الأطراف قضية هامشية أو ثانوية - بل باتت ضرورة جوهرية. إن التهديد الأعظم للسلام العالمي اليوم ليس غياب المؤسسات الدولية، بل إقصاء الأصوات التي تملك القدرة على حمايتها وتعزيز فعاليتها.

السلام لا ينهار فجأة؛ إنه يتآكل تدريجياً حين يفسح التعاون المجال للانقسام، وحين تحل الفردانية محل التضامن، وحين تُستبعد نصف البشرية من صياغة مستقبلها.

=================

ممثل الأمين العام للأمم المتحدة والمنسق المقيم في دولة الكويت

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي