ابتكار لتقليص النفايات الإلكترونية
أول دوائر كهربائية من الشوكولاته... قابلة للتحلل والأكل
في إنجاز بحثي من شأنه يعيد صياغة مفهوم الاستدامة البيئية في مجال الصناعات الإلكترونية، نجح فريق بحثي متعدد الجنسيات في ابتكار وتطوير أول نموذج عملي لـ «دوائر كهربائية بيولوجية» مصنوعة بشكل أساسي من الشوكولاته، وهي الدوائر القابلة للتحلل البيولوجي بالكامل بل وصالحة للأكل نظرياً.
هذا الابتكار، الذي جاء من معهد «كارلسروه» للتكنولوجيا في ألمانيا بالتعاون مع باحثين من النمسا، يبشر بحل جذري لواحد من أكبر التحديات البيئية في العصر الرقمي: مشكلة النفايات الإلكترونية السامة التي تتجاوز 50 مليون طن سنوياً.
وتعتمد التكنولوجيا الجديدة على الاستعاضة عن المكونات التقليدية غير القابلة للتحلل بمواد حيوية. فبدلاً من اللوحة البلاستيكية (PCB) التي يصعب إعادة تدويرها، يستخدمون ركيزة مصنوعة من مزيج معالج من مسحوق الكاكاو وزبدة الكاكاو. وبدلاً من المسارات النحاسية، تستخدم خطوط موصلة مصنوعة من مواد كربونية عضوية مشتقة من مصادر نباتية.
وعند انتهاء العمر الافتراضي للجهز – والذي قد يكون قصيراً مقصوداً في تطبيقات معينة – يمكن التخلص من الدائرة الكهربائية بوضعها في سماد منزلي أو غمرها في ماء دافئ، لتتحلل كلياً إلى مواد عضوية غير ضارة خلال أيام قليلة، من دون ترك أي آثار للمعادن الثقيلة أو البلاستيك الدقيق.
ومن أبرز مجالات التطبيق المستقبلية الواعدة لهذا الابتكار:
• إلكترونيات استهلاكية ذات عمر قصير مبرمج: مثل أغلفة المنتجات الذكية، وشاشات العرض الموقتة في المعارض والمؤتمرات، وتذاكر الأحداث الرياضية أو الفنية الإلكترونية.
• أجهزة طبية حيوية قابلة للزرع والامتصاص: مجسات لمراقبة مؤشرات الشفاء بعد العمليات الجراحية، أو أنظمة لإطلاق الأدوية داخل الجسم، تتحلل تلقائياً بعد إنجاز مهمتها من دون حاجة لجراحة استخراج.
• تغليف ذكي تفاعلي: يمكن لعبوات الطعام أو الأدوية تضمين دوائر بسيطة تراقب درجة الحرارة أو الرطوبة أو تاريخ الصلاحية، ثم يتم التخلص من العبوة بالكامل مع محتوياتها الإلكترونية في سلة السماد العضوي.
• أدوات تعليمية وآمنة للأطفال: مجموعات الإلكترونيات التعليمية التي تسمح للأطفال بالتجربة والاختبار من دون خطر التسمم في حالة البلع العرضي لأي قطعة.
وعلقت الدكتورة آنا مولر، التي شاركت في قيادة البحث قائلة: «هدفي ليس منافسة شرائح السيليكون في الهواتف الذكية المعقدة. هدفنا هو الاستعاضة عن الإلكترونيات قصيرة العمر والزائدة عن الحاجة التي تملأ مكبات النفايات وتلوث بيئتنا لقرون». وأضافت أن التحدي الهندسي الأكبر كان تحقيق التوازن الدقيق بين تحقيق موصلية كهربائية كافية لوظيفة عملية، وبين الحفاظ على قابلية التحلل السريع والمتكامل.
ورغم أن الأداء الحالي لهذه الدوائر الحيوية يقتصر على التطبيقات منخفضة الطاقة والوظائف البسيطة، إلا أن البحث يمثل نقلة فلسفية جذرية في تصميم الإلكترونيات – من «المصممة للدوام» إلى «المصممة للاختفاء بشكل مفيد».
ويتوقع المراقبون أن يمهد هذا الطريق لظهور جيل كامل من «الإلكترونيات العضوية العابرة» خلال العقد القادم، ما قد يخفض بشكل كبير البصمة الكربونية والبئية للثورة التكنولوجية المستمرة.