براميل النفط وتجربة فنزويلا
بين عامي 2008 و2011، شهدت فنزويلا قفزة دراماتيكية في احتياطياتها النفطية المثبتة، حيث بدت الأرقام وكأنها تضاعفت 3 مرات تقريباً خلال فترة زمنية قصيرة. هذا التحول اللافت، كما عكسته تقارير دولية موثوقة مثل المراجعة الإحصائية لشركة «BP» لم يكن نتيجة اكتشافات نفطية جديدة أو نجاحات استكشافية استثنائية، بل جاء أساساً نتيجة إعادة تصنيف كميات هائلة من النفط الثقيل جداً في حزام أورينوكو من فئة «موارد» إلى احتياطيات مثبتة.
في تلك الفترة، ومع بقاء أسعار النفط فوق مستوى 80 دولاراً للبرميل، تبنّت الحكومة الفنزويلية افتراضات متفائلة حول الجدوى الاقتصادية لإنتاج هذا النفط الثقيل، مستندة إلى تقنيات التخفيف والمعالجة والترقية.
ووفقاً للمعايير الدولية، يُسمح باحتساب هذه الكميات كاحتياطيات مثبتة متى ما اعتُبرت قابلة للإنتاج اقتصادياً في ظل الظروف السائدة، حتى وإن كانت تكلفتها مرتفعة وتعتمد على استثمارات ضخمة واستقرار سياسي طويل الأمد.
غير أن المفارقة الجوهرية تمثلت في أن هذه الزيادة الهائلة في الاحتياطيات المعلنة لم تترافق مع نمو مماثل في الطاقة الإنتاجية، بل على العكس فقد عانى الإنتاج النفطي من الركود ثم الانهيار في السنوات اللاحقة، ما كشف فجوة عميقة بين الوفرة الإحصائية والواقع التشغيلي وهكذا تشكلت صورة لبلد يبدو غنياً بالنفط على الورق، لكنه عاجز عملياً عن تحويل هذه الثروة إلى إنتاج مستدام أو رخاء اقتصادي.
تجربة فنزويلا تقدم درساً بالغ الأهمية لقادة الطاقة وصنّاع القرار النفطي أن
الاحتياطيات المؤكدة إن لم تكن فعلية وقابلة للإنتاج، فالبراميل وحدها لا تعني قوة فهي ورقية. ففي عالم يتسم بتقلب الأسعار، وتعقيد التكنولوجيا، وحساسية الجغرافيا السياسية، قد تخفي الوفرة المعلنة هشاشة عميقة على الأرض، لا تنكشف إلا بعد فوات الأوان.
* قيادي نفطي سابق