سلام من باريس سعى لإبقاء «الميكانيزم» على قيد الحياة
لبنان «لا يَستبعد» حرباً إسرائيلية... ومتمسّك بـ «حَصْر السلاح»
على وقع «ساعاتٍ عصيبةٍ» بدت معها المنطقةُ وكأنها «تربط الأحزمة» في ملاقاة المناخاتِ الشديدة الخطورة التي أوحتْ بأن الحربَ في الإقليم باتت قابَ قوسين أو أدنى، لم يجد لبنان مَفَراً من الرصد الدقيق لمشهدٍ يُنْذِر بفتْح الأبواب أمام عاصفةِ نار يَقبع في «عيْنها» ويُخشى ألا يَنجح في حرْفها عن سمائه بحال هبّت على طريقة... «وبعدي الطوفان».
وبعد أسبوعٍ انطبع بتظهيرٍ هو الأوضح لـ «خطوط التماس» السياسية بين الدولة اللبنانية وبين «حزب الله» الذي رَفَعَ «أكياسَ الرمل» في معرض هجومِه غير المسبوق (مع ناشطين محسوبين عليه) على رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي رسّخ خيار حصْر السلاح بيد الدولة شمال الليطاني وخاطَب الحزب بلغة غير مألوفة في سياق توصيف «المغامرات الانتحارية» و«التهورات»، تنشدّ الأنظار إلى آخِر أيام يناير الفاصلةِ عن شهر مِفصلي تتحسّب له بيروت نظراً لروزنامته التي تتضمّن رزمةَ استحقاقاتٍ واختباراتٍ تكتسب أهميةً فوق عادية في ذاتها، وذلك بمعزل عن احتمالاتِ الانفجار الكبير في المنطقة والذي من شأنه أن يقلب الطاولة بالجميع و... على الجميع.
وبمزيجٍ من التهيؤ والتهيُّب يتحضّر لبنان الأسبوع الطالع لـ 3 محطاتٍ تضرب مواعيد في فبراير وهي:
- زيارةُ قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل لواشنطن بين 3 و5 فبراير، والتي يُعوَّل عليها سواء لتكريس تبديد «غيمة التشكيك» التي سادتْ علاقةَ الولايات المتحدة مع المؤسسة العسكرية وصولاً لإلغاء محطة كانت مقرَّرة لهيكل في نوفمبر الماضي على خلفية انتقاداتٍ لِما وُصف بالتباطوء في سحب سلاح «حزب الله».
- تقديم الجيش خطّته لسَحْبِ السلاح شمال الليطاني، وتحديداً بين نهريْ الليطاني والأولي، وسط رَصْدٍ داخلي وخارجي لِما إذا كانت ستتضمّن جدولاً زمنياً واضحاً، وفي الوقت نفسه لكيفية تَجاوُز الدولة ما بدا بمثابة «ختم بالشمع الأحمر» وضعه «حزب الله» على سلاحه خارج جنوب الليطاني بوصْفه غير قابِل للمساس و«لو لم يَبْقَ حَجَر على حَجَر».
- الاجتماعاتُ التحضيرية المفترَض عقْدها تحضيراً لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وسائر القوى المسلّحة الشرعية الذي تستضيفه باريس في 5 مارس المقبل، ويبقى نجاحه على صعيد توفير المبالغ والمِنَح الضرورية مَرْهوناً بمضامين خطة شمال الليطاني ومسارها التنفيذي.
«الميكانيزم»
وفي موازاة هذه المحطات، لا يقلّ أهميةً تَرَقُّبُ انقشاع الرؤية حيال مصير لجنة «الميكانيزم» المولَجة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف النار (لبنان واسرائيل - 27 نوفمبر 2024) والذي أصبح يراوح بين التعطيل تمهيداً لإعلان «انتهاء الصلاحية» وبين إمكان استئناف اجتماعاتها ولكن فقط بـ «جناحها» العسكري الذي كانت انطلقت به أي الذي تترأسه الولايات المتحدة ويضمّ جنرالات يمثلون ايضاً كلاً من لبنان واسرائيل وفرنسا و«اليونيفيل»، من دون الجناح الدبلو - مدني الذي استُحدث في أوائل ديسمبر كإطارٍ موازٍ يُراد أن «يعلّم» الطريق لـ «اليوم التالي» لبنانياً، على أسسٍ لا تراجع عنها من بيروت، مثل عودة أبناء الجنوب ورفض أي منطقة عازلة على الحدود، وأيضاً على مرتكزاتٍ قديمة ويمكن تطويرها ولكن تنطلق من «أرضية معروفة» مثل الاتفاق 1701 (2006) واتفاق الهدنة (1949).
وفي هذا الإطار تَبرز تقارير تتحدّث عن أن واشنطن تَعتمد سياسة «الموت البطيء» في سياق رغبتها في «دفْن» الميكانيزم والدفع في اتجاه مسار آخر يَقْتصر على لبنان واسرائيل والولايات المتحدة، أي إبعاد فرنسا والأمم المتحدة، وتكون اجتماعاته خارج «بلاد الأرز» وعلى مستوى سياسي، باعتبار ذلك «طريقاً مختصراً» يمكن أن يُفضي إلى «package deal» على قاعدة بلوغ اتفاق أمني يتجاوز اتفاق الهدنة وتفاهماتٍ سياسية – اقتصادية يأتي من ضمنها بت مصير الانسحاب من التلال المحتلة جنوباً وترسيم الحدود وسائر النقاط العالقة.
وفي المقابل، فإن بيروت التي تَستشعر مَخاطر إنهاء عمل «الميكانيزم» تَسعى لاحتواء «الرياح السباقة» المحمّلة بأجواء طيّ صفحة اللجنة عبر إعلان تَمَسُّكها بها لأن «البديل عنها هو المجهول»، وفي الوقت نفسه فتْح الباب أمام مزيدٍ من تعزيزها بعناصر مدنية «وفق حاجة المفاوضات» أي «على الملفّ»، وفق ما حصل إبان مفاوضات الترسيم البحري مع إسرائيل التي أفصت إلى الاتفاق الذي أُبرم خريف 2022.
وفي هذا السياق يَسودُ اقتناعٌ بأن انتهاء «الميكانيزم» يعني عملياً تمزيق اتفاق 27 نوفمبر، باعتبار اللجنة هي آليته التنفيذية (كما للقرار 1701) التي طُوِّرت لاحقاً تحت عنوان «التحقُّق» من عدم وجود مستودعات ومخازن لـ «حزب الله» في جنوب الليطاني (عبر الجيش اللبناني واليونيفيل) وعدم عودة الحزب إلى هذه المنطقة أو معاودة إحياء بنيته العسكرية فيها.
ومن هنا تبرز خشيةٌ لبنانية من القفزِ فوق اتفاق 27 نوفمبر والـ 1701 تحت عنوان أن جنوب النهر بات خالياً من «حزب الله» وأن شمال الليطاني تَحكمه «قوة النار» الإسرائيلية - سواء الموْضعية والموسّعة حالياً أو التصعيدية المحتملة لاحقاً - وأن الأحداث تَجاوَزَتْ «وقف النار» وآلياته، أو أن اتفاقاً أمنياً سيختصر المراحل ويسرّع في ربط لبنان بما يُرسم للمنطقة وخصوصاً بعد إطلاق «مجلس السلام»، وسط اعتقادٍ أن مثل هذا الأمر سيجعل «بلاد الأرز» شبه مكشوفةٍ وأسيرةَ «موازين القوى» التي تُضعف قدرتها على احتواء المطالب الإسرائيلية، خصوصاً أن الحزب يرفض أن يمنحها «الأسبقية» على أي طاولة تفاوض والمتمثّلة في استعداده الصريح لتسليم سلاحه للدولة فور تنفيذ تل ابيب انسحابها وإعادة الأسرى، هذا إذا لم يكن «القطار فات» حتى على هذه «الورقة الذهبية».
سلام
وفي وقت سرت تسريبات عن احتمال استئناف عمل «الميكانيزم» أوائل فبراير ولكن فقط بـ «غرفتها العسكرية»، وهو ما لم يكن ممكناً الجزم به، برزت المواقف التي أطلقها رئيس الحكومة نواف سلام السبت من باريس غداة اللقاء الذي جمعه بالرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون.
وقد أكد سلام أنّ «انتهاء المرحلة الأولى من عمليّة حصر السّلاح في جنوب اللّيطاني هو حدث تاريخي منذ العام 1969، لأنّه للمرّة الأولى تبسط الدّولة سلطتها العملانيّة على هذه المنطقة، أي لا يمكن أن تتشكّل قوّة داخل الجنوب وتكون لديها حرّيّة الحركة»، موضحاً «أنّنا تحدّثنا مع الرئيس ماكرون عن دور لجنة «الميكانيزم»، ونتمسّك بدورها لأنّها المولجة بتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائيّة، وفرنسا لها دور تأسيسي في اللجنة، ودور مميّز في الجنوب»، ومعلناً أن لا مانع من تعزيز اللجنة بمزيد من المدنيين «ونحن لسنا في مواجهة مع الولايات المتحدة في موضوع الميكانيزم ولا علم لنا بتسريبات عن إخراج الفرنسيين لاسيما أنهم شركاء للبنان».
وشدد على «أن الجيش اللبناني سيلتزم بالخطة التي وضعها لحصر السلاح، ولا فارق بين جنوب الليطاني وشماله، وجنوب نهر إبراهيم وشماله»، مؤكداً «لا تراجُع عن حصر السلاح»، وموضحاً «لا يمكن القول إننا استبعدنا الحرب (الإسرائيلية على لبنان)»، ولافتاً إلى «انني لا أستطيع أن أضمن نجاح مؤتمر دعم الجيش، لكننا نوحّد الجهود ونعمل على توسيع مروحة الدول التي يمكن أن تساهم في دعم القوى العسكرية».
قاسم
في موازاة ذلك، كان الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم يعلن في رسالة إلى «الجرحى المجاهدين والمجاهدات»، «أنّنا أمام مواجهة كبرى، يقودها الطاغوت الأميركي بحشد غربي لاهث، وإجرام صهيوني متوحّش»، مشدداً على أنّ «مقاومتكم في معركة «أولي البأس» وما قبلها وما بعدها عطّلت التوسع في اغتصاب الأرض، وأعاقت الشرق الأوسط الجديد الأميركي. مع هذه المقاومة ستبقى الأرض لأهلها، وسيبقى الوطن لأبنائه، ومهما بلغت الضغوط والتضحيات (...) ونحن منصورون دائماً».
ولم تحجب هذه التطورات الأنظار عن مسألتين:
- الزيارة المرتقبة الإثنين لوزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبدالعزيز الخليفي حيث سيلتقي كبار المسؤولين ويبحث معهم سبل الدعم في ضوء استعداد الدوحة لتقديم المزيد من المساعدات للبنان
وتحدّثت تقارير عن أن في جعبةِ الخليفي حزمة مشاريع ومساعدات في قطاعات عدة واقتراح بإعادة إعمار عدد من القرى الجنوبية.
- المناخ الملبّد الذي بقي يلفّ علاقة عون و«حزب الله»، والذي بدا أن زيارةَ الرئيس نبيه بري للقصر الجمهوري لم تكن كافية لتبديده، وخصوصاً مع البيان الذي صدر عن المكتب الإعلامي لبري الجمعة، وردّ فيه على ما ورد في صحيفة قريبة من الحزب «حول اقتراح مزعوم» له «في الشأن المتصل بالمفاوضات» واصفاً إياه بأنه «محض اختلاق وتضليل وكذب، وقد اعتادتْ الأخبار على مثل هذه الأخبار».