أفادت أن التوترات الجيوسياسية باتت عدسة بناء محافظ الاستثمار
«الوطني للثروات»: الضغوط تواجه الشركات المعتمدة على التمويل الرخيص
- البنية التحتية ملاذ آمن جديد قادرعلى امتصاص الصدمات
أفادت شركة الوطني للثروات أنه على مدى عقدين من الزمن، عمل المستثمرون تحت راية العولمة المفرطة واتسمت تلك الحقبة بإيمان واسع بأن الاقتصاد العالمي يتطور نحو منظومة مترابطة بانسيابية عالية يمكن التنبؤ بمساراتها بدرجة كبيرة.
وأوضحت الشركة في تقرير ضمن سلسلة قيادة الفكر أنه كان يُنظر إلى التوترات الجيوسياسية على أنها موقتة وغير مؤثرة، مقارنة بزخم النمو الناتج عن انخفاض أسعار الفائدة. اليوم انهار هذا النموذج بالكامل، وانتقلنا من مرحلة كان التركيز فيها على تعظيم الكفاءة إلى مرحلة أصبح فيها تعزيز المتانة والقدرة على الصمود هو الهدف الأساسي.
وأضاف التقرير أن التوترات الجيوسياسية عامل ثانوي يمكن تجاهله، بل أصبحت العدسة الرئيسية التي يجب من خلالها بناء المحافظ الاستثمارية الحديثة، موضحاً أن نهاية حقبة المال السهل وبداية عصر الأسواق المجزأة يتمثل التحول الأعمق الذي تشهده الأسواق حالياً في نهاية بيئة التضخم المنخفض وأسعار الفائدة المتدنية التي سادت عقب الأزمة المالية العالمية في 2008، وقد أسفر هذا التحول عن 3 تغيّرات جوهرية جعلت إستراتيجيات الاستثمار التقليدية غير مجدية.
ولفت التقرير إلى أن أول متغير يتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة، حيث انتهى عصر المال المجاني، ما يعني أن الشركات التي كانت تعتمد في بقائها على التمويل الرخيص أصبحت تواجه ضغوطاً حقيقية وصعوبات متزايدة.
وأوضح أن المتغير الثاني يتمثل في استمرار الضغوط التضخمية، إذ يشير التوجه لإعادة توطين الصناعات داخل الدول (إعادة التصنيع محلياً) إلى جانب ارتفاع تكاليف العمالة، إلى خروج دائم من حقبة التكاليف المنخفضة التي ميزت العقدين الماضيين.
أما المتغير الثالث فيتمثل في الانقسام الجيوسياسي حيث يشهد الاقتصاد العالمي انقساماً متزايداً إلى تكتلات اقتصادية وسياسية متمايزة، تُعلي من أولوية أمن سلاسل الإمداد على حساب الكفاءة السعرية المطلقة.
وأضاف التقرير أنه ولفترة طويلة، كانت المحفظة التقليدية بنسبة 60% أسهم و40% سندات هي المعيار الذهبي في عالم الاستثمار، لكن العلاقة الأساسية التي دعمت هذه الإستراتيجية لم تعد قائمة بالقوة التي كانت فيها سابقاً. تاريخياً، عندما كانت الأسواق تتراجع وتنخفض أسعار الأسهم، كانت السندات تؤدي دور الملاذ الآمن وترتفع قيمتها. أما اليوم، فقد أصبح التضخم أحد أبرز المخاطر وعند ارتفاعه، غالباً ما تتراجع كل من الأسهم والسندات في الوقت نفسه، ما يترك المستثمر دون شبكة أمان حقيقية.
ولفت التقرير إلى أن القدرة على الصمود اليوم أصبحت تتطلب التحول نحو أصول قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، ومن أبرزها: البنية التحتية كملاذ آمن جديد حيث تمثل الأصول الأساسية مثل شبكات الكهرباء، وأنظمة المياه، ومراكز النقل مصادر دخل مستقرة ومرتبطة بالتضخم. وتوفر هذه «الأصول الحقيقية» مستوى ملموساً من الحماية، يفوق في كثير من الأحيان ما باتت توفره السندات الحكومية.
وأوضح أنه مع ازدياد تحفظ البنوك التقليدية، برز الإقراض الخاص كنسخة حديثة من الاستثمار في أدوات الدخل الثابت. وغالباً ما تتميز هذه القروض بأسعار فائدة متغيرة، ما يساعد الحفاظ على قوة العوائد حتى في ظل رفع البنوك المركزية لأسعارالفائدة لمكافحة التضخم.
ولفت التقرير إلى أن السياسات الحكومية حلت محل توجهات المستهلكين كمحرك رئيسي للأسواق. فالتشريعات والبرامج الوطنية باتت تخلق جيوب نمو شبه مضمونة، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي السيادي.
وأضاف أن الدول لم تعد تكتفي بالاعتماد على عمالقة التكنولوجيا الأجانب، بل تسارع إلى بناء منظومات ذكاء اصطناعي محلية متكاملة، تضمن سيادة البيانات وتعزز الأمن الوطني، وقد أدى ذلك لموجة استثمار ضخمة في البنية التحتية، حيث لم تعد الاستثمارات تقتصر على شركات أشباه الموصلات، بل امتدت إلى الجانب المادي للذكاء الاصطناعي.
وأشار التقرير إلى أن الطلب الهائل على الطاقة الناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل قطاع المرافق العامة. ومع تزايد فك الارتباط التكنولوجي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين، لا يختفي النشاط التجاري العالمي، بل يعاد توجيهه. وقد أدى ذلك إلى بروز ما يُعرف بـ اقتصادات الربط، مثل الهند وفيتنام والمكسيك، وهي دول تحافظ على قدر من الحياد الإستراتيجي، وبالنسبة للمستثمرين، توفر هذه المناطق فرصة للاستفادة من النمو العالمي دون الاضطرار إلى الانحياز إلى طرف في الصراع الجيوسياسي.
ولفت التقرير إلى أن هذا التحول الجيوسياسي والتكنولوجي يشيرإلى ضرورة اعتماد نهج استثماري جديد، إذ ان الاعتماد على إستراتيجية «امتلاك السوق بالكامل» قد يواجه تحديات متزايدة في عالم متسم بالانقسام. في هذا الواقع، غالباً ما تتحقق العوائد المرتفعة من خلال رهانات مدروسة عالية القناعة، والاستثمار في الأبطال الوطنيين (الشركات الضرورية لأمن الدول واقتصاداتها )، بالإضافة إلى التركيز على الأصول الحقيقية.