مركز الدراسات الصيني – العربي للإصلاح والتنمية: عقدٌ من بناء الجسور المعرفية

تصغير
تكبير

في زمن تتسارع فيه التحولات الدولية وتتبدل فيه موازين القوة والمعرفة، لم تعد العلاقات بين الدول تُبنى فقط عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل باتت مراكز الفكر والمؤسسات البحثية أحد أهم أدوات التأثير الناعم وصناعة الشراكات الإستراتيجية. وفي هذا السياق، تمثل تجربة «مركز الدراسات الصيني–العربي للإصلاح والتنمية» نموذجاً جديراً بالتوقف عنده، ليس بوصفه مشروعاً أكاديمياً فحسب، بل باعتباره استثماراً طويل الأمد في بناء الثقة والمعرفة المتبادلة بين الصين والعالم العربي.

قبل عشرة أعوام، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ، مبادرته بإنشاء هذا المركز ضمن رؤية أوسع لإعادة تعريف الشراكات الدولية على أساس التنمية المشتركة والتكامل الثقافي، لا على منطق الهيمنة أو الاصطفاف السياسي. وقد أثبتت السنوات الماضية أن هذا التوجه لم يكن شعاراً سياسياً، بل تُرجم إلى برامج عملية ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

خلال السنوات العشر الماضية، اضطلع المركز بدور فاعل في دعم مسارات التعاون، حيث قدّم العديد من البرامج ونظّم عشرات الندوات والمؤتمرات المتخصصة. وأقام 27 دورة تدريبية لمسؤولين عرب في مجالات تمس جوهر صناعة القرار، من الدبلوماسية إلى الإدارة والتنمية مروراً بالتعليم والثقافة، وقد شارك فيها أكثر من 600 مسؤول عربي من المستويين المتوسط والعالي في الإدارات الحكومية. كما استقبل نحو 59 وفداً عربياً، وشارك في 45 مؤتمراً متخصصاً في العلاقات الصينية–العربية، إضافة إلى تنظيمه 48 مؤتمراً تناولت قضايا ذات صلة بالشؤون والتفاعلات العربية – الصينية.

وإلى جانب ذلك، قام المركز بالتعاون مع جامعة الدول العربية بتأهيل 120 مترجماً. كما يضطلع المركز بالتنسيق مع أكثر من 18 جامعة ومؤسسة صينية من أجل وضع منظومة عمل موحدة تجاه العالم العربي.

أن هذه الأرقام لا تعكس نشاطاً مؤسسياً فحسب، بل تشير إلى بناء شبكة تواصل بشرية ومهنية مستدامة، وهي الركيزة الحقيقية لأي شراكة طويلة الأمد.

الأهم من ذلك أن المركز لم يكتف بالأنشطة البروتوكولية، بل واكبها بإنتاج معرفي وإعلامي أسهم في تشكيل خطاب عقلاني ومتوازن حول العلاقات الصينية–العربية، بعيداً عن الصور النمطية أو المقاربات السطحية. وهذا الدور المعرفي هو ما يمنح مراكز الفكر قيمتها الحقيقية، لأنها تؤثر في طريقة الفهم قبل أن تؤثر في طبيعة القرار.

ومن اللافـــــــت أن التوسع المؤسســـــــي للمركز اليوم، عبر مشروع إنشاء مبنـــى جديد يجسد رمزية الإنسان في الكتابة الصينية ضمن إطار مبادرة «الحزام والطريق»، يعكس بوضوح فلسفة تقوم على مركزية التواصل الإنساني لا مجرد الربط التجاري أو الاستثماري. فالمبادرات الكبرى لا تنجح بالبنى التحتية وحدها، بل بالبنى الذهنية والثقافية التي تجعل التعاون مقبولاً ومستداماً.

وخلال زيارتي للمركز وتقديمي محاضرة حول أثر التكنولوجيا في العلاقات الدولية، طلب مني الأساتذة والطلبة على أن تكون المحاضرة باللغة العربية وليس باللغة الإنكليزية، في دلالة واضحة على أن الاستثمار في اللغة والثقافة ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جزء أصيل من بناء النفوذ المعرفي طويل الأمد. وهو درس بالغ الأهمية للدول العربية التي ما زالت تتعامل مع القوة الناعمة بوصفها نشاطاً تكميلياً لا ركيزة إستراتيجية.

من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس لماذا تهتم الصين بتأسيس مثل هذه المراكز، بل لماذا لا تزال التجربة العربية في هذا المجال محدودة التأثير ومجزأة الجهود؟ فالدول التي ترغب في حماية مصالحها وتعظيم حضورها الدولي لا تكتفي بالخطاب السياسي، بل تبني منظومات بحثية وتدريبية وثقافية تدعم توجهاتها الخارجية وتُنتج كوادر قادرة على إدارة الشراكات بوعي إستراتيجي.

إنّ مراكز الفكر الجادة ليست ترفاً أكاديمياً، بل أدوات سيادية ناعمة تسهم في توجيه السياسات وبناء الصورة الذهنية للدولة في الخارج. وتجربة المركز الصيني–العربي تؤكد أن الاستثمار في المعرفة هو استثمار في الاستقرار والنفوذ والشراكة طويلة الأمد.

ومن هذا المنطلق، فإن من مصلحة دول الخليج، والكويت على وجه الخصوص، أن تنخرط بفاعلية أكبر في مثل هذه المبادرات، لا بوصفها مشاركات رمزية، بل كشريك معرفي ومؤسسي فاعل. فتعميق العلاقات الصينية – الخليجية والكويتية، على المستويين الرسمي والشعبي، يتطلب ما هو أبعد من الاتفاقيات الاقتصادية على الرغم من أهميتها، وحيث إنه يتأسس قبل كل شيء على بناء جسور مستدامة من الفهم والثقة والتواصل الإنساني.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي