جرّة الفيلسوف، تشرح ما نريده بشكل جيد، حيث إنهم يذكرون أنّ أستاذاً في الفلسفة أحضر جرة زجاجية، ووضع فيها عدداً من الأحجار حتى امتلأت، وسأل تلامذته: هل امتلأت الجرة بالحجارة؟
فأجابوا: نعم، ثم وضع في الفجوات التي بين الحجارة الكبيرة كمية من الحصى، فبدا للناظر أن الجرة امتلأت، فسأل الطلاب: ما رأيكم الآن: هل امتلأت الجرة؟ فقالوا: نعم، فأخذ كمية من الرمل، ووضعها في الفراغات التي بين الحصا، ثم أخذ إبريقاً فيه ماء، وصبّه بين مسام الرمل، وطلابه مندهشون كيف استعجلوا في الحكم لأول وهلة، وكيف أن الجرة اتسعت للحصى والرمل والماء!
قال الأستاذ: أعمارنا وأوقاتنا تشبه هذه الجرة، الأحجار الكبيرة هي اهتماماتنا وواجباتنا الكبيرة، والحصى هو اهتماماتنا المتوسطة، والرمل هو مسؤولياتنا الصغيرة، أما الماء فهو الملذات والمتع التي تخفف من ثقل أداء كل ما سبق.
يقول الإمام الغزالي: «ترك الترتيب بين الأولويات من جملة الشرور»، فالواحد منا يجد نفسه متقلباً بين خير وخير، فيطمئن قلبه، ويشعر أنه على الطريق القويم، لكن هذا الشعور ليس بالشعور الصحيح في كثير من الأحيان، فنحن بني البشر نملك طموحات غير محدودة، وإمكانات محدودة. ومعظم الناس يمضون في يومهم وفق خطة وضعوها لأنفسهم تغطي معظم أوقات الإنجاز، ولكن المشكلة لدى الأكثرية عدم تحديد وقت صارم لإنجاز الأهداف، فيضيع الكثير من الوقت في الطريق إلى الهدف بسبب اللهو والانصراف إلى المشاغل غير المهمة وغير العاجلة. والتعامل مع الوقت صعب جداً، وهو يحتاج إلى الوضوح في كيفية أداء واجباتنا والتزاماتنا وقضاء حوائجنا، والصرامة في الالتزام بعدم هدر الوقت في أمور خارجة عن الخطة، ولا تشكل أي إضافة لنا. إن ما يدخل الاضطراب على كل برنامجنا اليومي، هو ترتيب الأولويات من دون ملاحظة ما ليس مستعجلاً، وما لا يشكل أولوية، لأن الغفلة عنه قد تحوّله إلى شيء مستعجل وذي أولوية مطلقة.
في كل يوم يكون لدينا أعمال ومهمات وأنشطة كثيرة ومتفاوتة في أهميتها وفائدتها، ومدى الضرر الذي يترتب على عدم القيام بها. ومن هنا تأتي الفكرة الجوهرية، وهي تخصيص الوقت للأكثر أهمية، ونترك الأقل أهمية، وما هو غير مهم، وما هو أقرب إلى الراحة والترفيه، إلى ما بعد الانتهاء من الأشياء المهمة والأكثر أهمية، فتكون الراحة مكافأة على الجهد الذي بذلناه، وفرصة لشحن الطاقة الروحية لدينا.
فلنعلم أنّ الإنتاجية العالية تتطلب أن نراقب دائماً النتائج، والنتائج الكبيرة لا تأتي إلا من الأداء الجيد للأعمال والمهمات الكبيرة، وهذا لا يكون من غير تقديم الأكثر أهمية على غيره.
mona_alwohaib@