الخُطّة المُشتركة مع واشنطن تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني واستبداله باستثمارات خارجية

إسرائيل تخوض معركة مُتعدّدة الأوجه في سوريا لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

مركبات إسرائيلية تعبر المنطقة العازلة مع سوريا
مركبات إسرائيلية تعبر المنطقة العازلة مع سوريا
تصغير
تكبير

- جلعاد: سوريا لم تعد تُمثّل تهديداً إستراتيجياً لإسرائيل بل فرصة لإعادة تشكيل الأمن الإقليمي لصالحنا
- أشكنازي: سوريا تُمثّل الحلقة المفقودة في إستراتيجية التطبيع الإقليمي
- إسرائيل تدفع باتجاه إنشاء «طريق السلام الاقتصادي»... وتسعى لاستغلال مصادر المياه في جنوب سوريا
- استغلال الدروز كحليف إستراتيجي لتغلغل في جنوب سوريا بدعم مالي وسياسي وعسكري

تكشف تحليلات مُتعدّدة في مراكز الأبحاث الإسرائيلية والأميركية، عن تحول جوهري في التعامل مع الملف السوري، حيث صرح الجنرال المتقاعد عاموس جلعاد، مدير مركز دراسات الأمن القومي السابق، لصحيفة «هآرتس»، بأن «سوريا لم تعد تُمثّل تهديداً إستراتيجياً لإسرائيل، بل أصبحت فرصة لإعادة تشكيل الأمن الإقليمي لصالحنا».

الأهداف الأمنية والعسكرية

وكشف تقرير سري لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، حصلت عليه صحيفة «يديعوت أحرونوت» في يناير 2026، أن «الجيش الإسرائيلي يخطط للاحتفاظ بمناطق عميقة داخل الأراضي السورية كمنطقة عازلة دائمة، لا تقل عن 25 كلم، بهدف منع أي إطلاق صواريخ أو عمليات تسلل نحو هضبة الجولان».

وأضاف التقرير، الذي أعده فريق من الخبراء العسكريين بقيادة البروفسور كوبي ميخائيل، أن «هذا التوسع يتجاوز مجرد أهداف أمنية تكتيكية، بل يمثل إعادة تعريف للحدود الأمنية الإسرائيلية في الشمال».

استعادة التوازن العسكري

وذكر الجنرال المتقاعد يعقوب عميدرور، الرئيس السابق للمجلس الأمني القومي، في مقابلة مع قناة 12 في 20 يناير 2026: «شنّت إسرائيل أكثر من 480 غارة جوية في العمق السوري خلال العام الماضي، دمّرت خلالها مخزونات أسلحة متقدمة كانت متجهة لحزب الله، بما فيها منظومات دفاع جوي متطورة وصواريخ دقيقة».

وأوضح أن «الهدف لم يكن مجرد تدمير السلاح، بل تغيير معادلة الردع بحيث تصبح كلفة إعادة التسلح أكبر من قدرة إيران على التحمل».

الأهداف السياسية والدبلوماسية

وأفاد تقرير لمؤسسة «راند»، صدر في ديسمبر 2025، بناءً على وثائق حصلت عليها من البنتاغون، أن «إسرائيل تُنسّق بشكل وثيق مع الإدارة الأميركية لدفع النظام السوري الجديد نحو التحالف المعتدل، عبر حزمة من الحوافز الاقتصادية والعقوبات».

وكشف التقرير، الذي أعدّه الباحث الأميركي ديفيد شينر، أن «الخطة الأميركية - الإسرائيلية المشتركة تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني في سوريا بنسبة 80 % خلال ثلاث سنوات، عبر استبداله باستثمارات خارجية تصل إلى 50 مليار دولار».

تفعيل اتفاقيات أبراهام وتوسيع نطاق التطبيع

وفي ندوة بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في 18 يناير 2026 قال وزير الخارجية الإسرائيلي السابق غابي أشكنازي إن «سوريا تمثل الحلقة المفقودة في إستراتيجية التطبيع الإقليمي. دمج دمشق في اتفاقات أبراهام سيُشكّل ضربة قاضية للنفوذ الإيراني وسيفتح الباب أمام علاقات إسرائيلية - عربية شاملة».

وأضاف أن «هناك مفاوضات سرية تجري حالياً لوضع خطة شاملة لإعادة إعمار سوريا، شرط قطع علاقاتها مع إيران وحزب الله».

الأهداف الاقتصادية والجيوستراتيجية

وكشف تحقيق لصحيفة «كالكاليست» الاقتصادية الإسرائيلية في 10 يناير الجاري، أن «إسرائيل تسعى للحصول على حقوق استغلال مصادر المياه في جنوب سوريا، خصوصاً نهر اليرموك ونبع الوزاني، كجزء من أي اتفاقية أمنية مستقبلية».

ونقلت عن مصدر حكومي إسرائيلي رفيع المستوى «أزمة المياه في إسرائيل تتفاقم، والسيطرة على مصادر المياه في هضبة الجولان والمناطق السورية الحيوية أصبحت ضرورة أمنية قومية».

تطوير البنى التحتية وطرق النقل الإقليمية

وذكر تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي في نوفمبر 2025 أن «إسرائيل تدفع باتجاه إنشاء ممر اقتصادي يربط البحر الأبيض المتوسط بالخليج عبر الأراضي السورية، مما سيجعلها مركزاً لوجستياً إقليمياً».

وأوضح التقرير، الذي أشرف عليه السفير الأميركي السابق مارتن إنديك، أن «طريق السلام الاقتصادي، سيسمح بنقل البضائع من ميناء حيفا إلى العراق والخليج عبر سوريا، متجاوزاً الممرات البحرية التقليدية».

الأهداف الديمغرافية

وأفاد تقرير لمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في ديسمبر 2025 بأن «إسرائيل تتعامل مع الطائفة الدرزية في سوريا كحليف إستراتيجي ووسيط بين الجانبين، وذلك عبر تقديم دعم مالي وسياسي وعسكري للقيادات الدرزية في جنوب سوريا».

وكشف الباحث الإسرائيلي أورييل أبو، في دراسة نشرتها جامعة تل أبيب، أن «إسرائيل خصصت ميزانية سنوية تصل إلى 300 مليون شيكل لدعم المجتمعات الدرزية في سوريا، بما في ذلك بناء المدارس والمستشفيات وتقديم منح دراسية».

تغيير التركيبة السكانية في مناطق النزاع

وحذر تقرير لمنظمة «بتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان في يناير 2026 من أن «السيطرة الإسرائيلية على مناطق في سوريا تؤدي إلى تغييرات ديمغرافية ممنهجة، حيث تشجع إسرائيل هجرة الفلسطينيين والسوريين من مناطق معينة، بينما تمنع عودة اللاجئين إلى مناطق حدودية محددة».

الدور الأميركي كضامن وميسر

وأعلن مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، في جلسة لمجلس الشيوخ في 12 يناير الجاري أن «الولايات المتحدة تدعم بشكل كامل المطالب الأمنية الإسرائيلية في سوريا، وتعمل على بناء إجماع دولي حول ضرورة منع إعادة تسلح إيران وحزب الله».

وكشف أن «الإدارة الأميركية خصصت 2.5 مليار دولار لبرامج إعادة إعمار في سوريا، مشروطة بالتزام النظام الجديد بالشروط الأمنية الإسرائيلية».

آلية العقوبات والمكافآت الاقتصادية

وذكر تقرير لوزارة الخزانة الأميركية، حصلت عليه «بلومبرغ» في يناير الجاري، أن «الولايات المتحدة وإسرائيل تطوران آلية مشتركة للعقوبات الاقتصادية تستهدف أي جهة تتعاون مع إيران في سوريا، مع تقديم إعفاءات ضريبية وتسهيلات تجارية للشركات التي تستثمر في المناطق الخاضعة للنفوذ الإسرائيلي- الأميركي».

التعاون الاستخباراتي والأمني

وأفاد تقرير لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية (DIA) في ديسمبر 2025 أن «التعاون الاستخباراتي بين إسرائيل والولايات المتحدة في الملف السوري وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تتبادل الدولتان معلومات في الوقت الحقيقي حول تحركات القوات والميليشيات في سوريا».

وكشف أن «إسرائيل نشرت في سوريا أنظمة مراقبة متطورة، بما فيها طائرات من دون طيار وأقمار اصطناعية، تشارك بياناتها مع القيادة المركزية الأميركية».

الممانعة الشعبية

وحذّر تقرير لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في يناير 2026 من أن «النظام السوري يواجه معارضة شعبية واسعة لأي تعاون مع إسرائيل، حيث إن القضية الفلسطينية لا تزال عميقة الجذور في الوجدان السوري».

وأشار الباحث السوري عمر العبدالله في الدراسة إلى أن «78 % من السوريين يرفضون أي تطبيع مع إسرائيل حسب استطلاعات الرأي السرية التي أجريت أخيراً».

التنافس التركي والمصالح الروسية المتعارضة

وذكر تحليل لمعهد بروكينغز في ديسمبر 2025 أن «تركيا ترفض الخطة الأميركية الإسرائيلية في سوريا، وتعتبرها انتهاكاً لسيادتها الإقليمية، حيث إن أنقرة تسعى بدورها لتوسيع نفوذها في شمال سوريا».

وأضاف التقرير أن «روسيا، رغم تراجع نفوذها بعد سقوط (نظام بشار) الأسد، لا تزال تحتفظ بنقاط قوة في سوريا، وقد تستخدمها لعرقلة أيّ اتفاق إسرائيلي - سوري لا يراعي مصالحها».

وتؤكد المصادر الإسرائيلية والأميركية أن إسرائيل تسعى لتحقيق تحول جوهري في الملف السوري عبر:

1 - تحويل سوريا من تهديد إلى منطقة نفوذ عبر مزيج من القوة العسكرية والإغراءات الاقتصادية.

2 - إعادة رسم الخريطة الأمنية الإقليمية بعزل إيران وقطع طرق إمدادها.

3 - خلق واقع جديد على الأرض عبر السيطرة على مناطق إستراتيجية وموارد حيوية.

لكن التحديات تبقى جسيمة، كما يشير البروفيسور الأميركي ويليام كوانت من جامعة جورجتاون، ويقول «التاريخ يعلمنا أن السوريين يرفضون أي تسوية تمس سيادتهم، وأن القضية الفلسطينية تبقى العائق الأكبر أمام أي تطبيع حقيقي».

وختم جلعاد بالقول إن إسرائيل تخوض معركة متعددة الأوجه في سوريا: عسكرية وسياسية واقتصادية وديمغرافية، في واحدة من أكثر المحاولات طموحاً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط منذ اتفاقية «سايكس بيكو».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي