الجمهورية الإسلامية أمام خيارات عملياتية للنظر فيها ضمن حساباتها الإستراتيجية

إيران... سيناريوات التدخل الأميركي وحدود الدور الإسرائيلي

إيرانيون يتسوقون في طهران (أ ف ب)
إيرانيون يتسوقون في طهران (أ ف ب)
تصغير
تكبير

في تحليل استراتيجي معمّق نشره معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في 20 يناير، حذّر باحثون بارزون من أن إيران تواجه «أخطر تحدٍّ» منذ قيام الجمهورية الإسلامية، في ظل احتجاجات تفاقمت بفعل أزمة اقتصادية خانقة وضعف إستراتيجي غير مسبوق.

ووصف التحليل، الذي أعده كل من أفيشاي بن ساسون-غوردس، جيسي واينبرغ، سيما شين وداني سيترينوفيتش، الوضع الاقتصادي بأنه «من أصعب الأوضاع التي يمرّ بها النظام»، مشيرين إلى مؤشرات عدة، بينها: تراجع حاد في قيمة العملة الإيرانية (الريال)؛ ارتفاع جامح في التضخم؛ تراجع كبير في القدرة الشرائية للمواطنين؛ تزايد في معدلات البطالة وارتفاع حاد في تكاليف المعيشة، إضافة إلى صعوبة توفير السلطات، الخدمات الأساسية بسبب نقص الطاقة والمياه.

وحذر الباحثون من أن طهران «تجد نفسها في صراع مباشر مع الرئيس (دونالد) ترامب، الذي سبق أن أبدى استعداده لاتخاذ إجراء عسكري ضدها باغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، خلال ولايته الأولى، وأخيراً بمهاجمة منشآت نووية في يونيو 2025».

وأضافوا «وفي سياق أوسع، أظهر ترامب أنه لا يتقيد بالمعايير المتعارف عليها لاستخدام القوة في الساحة الدولية ضد قادة الدول، وذلك باختطافه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع عام 2026».

تهديدات ترامب المباشرة

ونقل التحليل عن تغريدة لترامب في الثاني من يناير «إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم بعنف - كما تفعل - فإن الولايات المتحدة ستتدخل لنجدتهم. نحن على أهبة الاستعداد للتحرك».

وأشار الباحثون إلى أن «نجاح العملية الأميركية لاختطاف ومحاكمة مادورو، في اليوم التالي لتصريحه بشأن القضية الإيرانية، عزز احتمالية لجوء الولايات المتحدة إلى التدخل في إيران».

تصعيد التهديدات

وتابع التحليل «وتعزز هذا الانطباع في الأيام اللاحقة مع تكرار ترامب لتصريحاته بأنه سيتخذ إجراءً ضد طهران إذا لم تخفف من حدة العنف ضد المتظاهرين، وذلك في ظل تشجيع من أعضاء الحزب الجمهوري، بقيادة السيناتور ليندسي غراهام، الذين دعوا إلى تحرك مباشر».

إجراءات عملية

وأوضح الباحثون أن ترامب اتخذ خطوات عملية، حيث «أعلن أنه سيفرض تعريفة جمركية بنسبة 25 في المئة على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران، بل وأعلن تعليق المفاوضات المزمعة بين الولايات المتحدة وإيران. كما ورد أن الرئيس يدرس خيارات عسكرية لإلحاق الضرر بالنظام الإيراني».

الخيارات المحدودة

وأكد التحليل أن النظام الإيراني «يجد نفسه أمام خيارات محدودة للغاية».

وأوضح الباحثون «في حال تعرضها لهجوم، تهدد إيران بسلسلة من الإجراءات، تشمل الرد على القواعد الأميركية في المنطقة، شن هجوم على إسرائيل، وإغلاق مضيق هرمز، وكلها إجراءات من شأنها أن تُشكل خطراً كبيراً عليها".

المسار السياسي

وكشف التحليل أن طهران حاولت «تعزيز المسار السياسي»، حيث «نقل وزير الخارجية الإيراني عراقجي إلى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف اقتراحاً لاستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي، التي عُلقت مع اندلاع حرب يونيو، والتي رفض الإيرانيون حتى الآن استئنافها بالشروط التي وضعتها واشنطن بشأن وقف تخصيب اليورانيوم».

لكن الباحثين أشاروا إلى أن «إعلان ترامب تجميد الاتصالات المباشرة، وإن لم يستبعد تماماً، يُقلل احتمالية فتحه مفاوضات قبل أي هجوم أميركي».

وذكروا أنه «في الوقت نفسه، قد يُنظر إلى الهجوم في واشنطن على أنه خطوة قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات كانت ترفضها سابقاً، ليس فقط في مجال تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، بل أيضاً في مجال تطوير الصواريخ البالستية العابرة للقارات».

معضلة ترامب

وحذر الباحثون من أن"الخط الأحمر الذي وضعه ترامب لطهران، سيجعل من الصعب على الرئيس إنهاء الأزمة من دون استخدام القوة العسكرية. ويتجلى ذلك بوضوح في رغبته في تمييز نفسه عن الرئيس السابق (باراك) أوباما، الذي امتنع عن أي عمل عسكري خلال تظاهرات الاحتجاج الأخضر في إيران عام 2009".

تجنب الحرب الطويلة

من جهة أخرى، أشار التحليل إلى أن "المعضلة الأميركية، ومعضلة ترامب الشخصية، تتمحور حول ضرورة اختيار خطوة تُفضي إلى قرار واضح وتمنع الانجرار إلى حرب طويلة الأمد تتعارض مع رؤيته الأساسية للعالم".

"إضافةً إلى ذلك، وعلى الصعيد العملياتي، ومنذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، قلّصت الولايات المتحدة قواتها في الشرق الأوسط بشكلٍ يحدّ من قدرتها على الاستعداد لحملة طويلة الأمد. ويتعلق هذا التقييد بقدرات الدفاع الجوي والصاروخي، وبدرجة أقل بقدراتها الهجومية"، بحسب التقرير الإسرائيلي.

سيناريوات التحرك الأميركي

وحدد معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي ثلاثة سيناريوات محتملة للتحرك الأميركي ضد إيران:

1 - هجوم رمزي محدود

وصف الباحثون هذا الخيار بأنه"استهداف عدد من المواقع أو الأفراد، ويهدف إلى إيصال رسالة مفادها جدية التهديدات الأميركية، وضمان عدم ظهور ترامب بمظهر المتردد في استخدام القوة، ودفع الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات بشأن السياسة الخارجية والملف النووي بشروط أفضل».

لكنهم حذروا من أن «هجوماً كهذا قد يلبي ضرورة تنفيذ التهديد الأميركي، لكن لن يُنظر إليه على أنه تنفيذ لرسالة ترامب للشعب الإيراني بأنه سيتحرك دفاعاً عنهم».

2 - ضربة لتقويض النظام

أشار التحليل إلى أن «هذا النوع من الهجمات موجه ضد الحرس الثوري، وقوات الباسيج، وربما حتى شخصيات بارزة في أجهزة النظام».

3 - هجوم قوي على أهداف عسكرية استراتيجية

وأوضح التحليل أنه «يمكن للإدارة الأميركية التركيز على أهداف عسكرية يصبّ إلحاق الضرر بها في المصلحة الأميركية، بمعزل عن مسألة استقرار النظام».

وأضاف «قد تشمل هذه الأهداف، على سبيل المثال، منظومة الصواريخ المضادة للطائرات وغيرها من الأصول العسكرية. من شأن هذه الضربة أن تُصعّب على إيران الرد على التحركات الأميركية، وتزيد من تكلفة مقاومة الضغوط الأميركية».

عامل الوقت والحشد العسكري

وأشار التحليل إلى أن «كلما طال أمد تأخير العمل الأميركي، ستتمكن الولايات المتحدة من إعادة بعض الأصول العسكرية التي حوّلتها من المنطقة إلى الشرق الأوسط. وهذا سيُقلل من المخاطر التي تواجه القوات الأميركية في المنطقة، ويُتيح لها القيام بعمل عسكري أوسع نطاقاً... في الواقع، بدأ بالفعل حشدٌ للقوات».

سيناريو التهدئة

كما أشار التحليل إلى احتمال آخر «إذا هدأت الاحتجاجات، فقد تُعلن إيران امتثالها لمطالب ترامب، ما يسمح للرئيس بالإعلان عن تحقيقه مبتغاه من دون إطلاق رصاصة واحدة».

وأضاف «قد تُفضي هذه الخطوة إلى التراجع عن الهجوم أو اختيار البديل الرمزي لفعل ما هو ضروري. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن ترامب قد يميل إلى هذا التوجه».

وأكد الباحثون أن «مدى وعمق العمل الأميركي، من بين أمور أخرى، سيعتمد على استعداد طهران لتقديم تنازلات في مجالات تُعتبر حيوية بالنسبة للولايات المتحدة، ولا سيما برنامجها النووي».

وختم الباحثون «لا نستطيع تحديد احتمالية أنواع العمليات المختلفة، إلا أننا نرى أن احتمالية شنّ الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً قد ازدادت في الأيام الأخيرة، وأن احتمالية انتهاء الأحداث من دون أي رد فعل أميركي، قد تضاءلت».

سيناريوات الرد الإيراني

وأكد التحليل أن «الوضع الاقتصادي الذي تعيشه إيران حالياً، إلى جانب التدهور الكبير في شبكة وكلائها، المصممة، من بين أمور أخرى، لحمايتها من أي هجوم إسرائيلي أو أميركي، يُحدّ من هامش مناورتها بشكل كبير».

«وهذا يترك أمام الجمهورية الإسلامية خيارات عملياتية للنظر فيها ضمن حساباتها الاستراتيجية»، وفق الباحثين:

مهاجمة القواعد الأميركية

أوضح التحليل أن إيران «لا تزال تحتفظ بمخزونات كبيرة من الصواريخ البالستية قصيرة المدى والطائرات المسيّرة الانتحارية، مما يجعل الهجوم المحتمل على أهداف أميركية خياراً سهلاً نسبياً».

لكن الباحثين حذروا من أن إيران «قد تخشى من أن يؤدي الضرر الكبير والخسائر في الأرواح - خصوصاً الأميركية - إلى رد أشدّ قسوة، وعزم الرئيس ترامب على فرض ثمن باهظ، بما في ذلك السعي للإطاحة بالنظام».

الهجوم على إسرائيل

وأشار التحليل إلى أن «الهجوم الصاروخي البالستي والطائرات المسيّرة على إسرائيل يبقى احتمالاً وارداً بالنسبة للجمهورية الإسلامية، لا سيما إذا كانت ترغب في تجنب تصعيد الأعمال العدائية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تسعى إلى ردّ ثمن أي هجوم محتمل».

مخاطر التصعيد

لكن الباحثين حذروا من أن «من المرجح أن يُثير الهجوم الإيراني رداً إسرائيلياً وتصعيداً قد يجرّ حزب الله في لبنان إلى التورط .كما يُرجّح أن يُثير الهجوم الإيراني رداً إسرائيلياً قد يندمج مع الجهود الأميركية من خلال مهاجمة المنشآت والبنية التحتية الحيوية».

إغلاق مضيق هرمز

وحذر التحليل من أن إيران «قد تؤدي جهودها لإغلاق هذا المعبر الاستراتيجي، الذي يمر عبره أكثر من 20 في المئة من الغاز الطبيعي المسال في العالم و25 في المئة من تجارة النفط البحرية، إلى تدويل الصراع وإحداث صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي، مما يُلحق الضرر بسلاسل التوريد والإنتاج الصناعي ويرفع أسعار الطاقة».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي