مقال
اليوم الثالث عشر... مشروع زعزعة الاستقرار الداخلي في إيران
ما شهدته إيران خلال الأيام الأخيرة، لم يكن مجرد سلسلة من الاضطرابات الداخلية أو احتجاجات متفرقة، بل يمكن اعتباره امتداداً لمواجهة أوسع نطاقاً، سبق أن تجلّت في إطار ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يوماً» التي شنّها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ضد إيران. في هذا السياق، شكّلت التدخلات العلنية والخفية لكل من واشنطن وتل أبيب، من خلال الدعم السياسي والإعلامي والنفسي للمخرّبين، حلقة من سلسلة الضغط والمواجهة ذاتها، بهدف إضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة لصالح تل أبيب وواشنطن.
وبعد إخفاق الإستراتيجيات العسكرية المباشرة، برزت أدوات الحرب الناعمة والهجينة بشكل أوضح. فقد أظهرت التصريحات الرسمية للمسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، إلى جانب الرسائل والتغريدات التدخلية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بجلاء أن هؤلاء الفاعلين الخارجيين نظروا إلى الاضطرابات الداخلية في إيران بوصفها فرصة لدفع أجنداتهم الخاصة.
إن الدعم اللفظي لـ«التغيير» في إيران، والتحريض على تصعيد الاحتجاجات، ومحاولات إضفاء الشرعية على أعمال الشغب العنيفة، كلها دلائل على أن ساحة الصراع قد انتقلت من الميدان العسكري إلى ميدان الرأي العام والاستقرار الداخلي.
وفي هذا الإطار، تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى الساحة الرئيسية لحرب السرديات. إذ تسعى تغريدات ورسائل المسؤولين والمؤسسات المرتبطة بالولايات المتحدة والكيان الصهيوني، عبر خطاب موجّه، إلى تصوير هذه الاضطرابات على أنها «انتفاضة شعبية»، مع إخفاء دور العوامل الخارجية في الوقت نفسه.
ولم يكن هذا التدخل الإعلامي بدافع الحرص على الشعب الإيراني، بل في إطار إستراتيجية الضغط الأقصى واستنزاف القدرات الداخلية للبلاد.
إن ما يسعى إليه الغرب هو أن تكون إيران خاضعة للكيان الصهيوني، تتحرك ضمن مدار مصالحه. ويُظهر استعراض التاريخ المعاصر لإيران أن فرضية استبدال الجمهورية الإسلامية بنظام منسجم مع إسرائيل ليست سيناريو تجريدياً محضاً، بل سبق اختبارها خلال حقبة حكم الشاه.
ففي تلك المرحلة، كان نظام بهلوي أحد أقرب الحلفاء الإقليميين لإسرائيل. وقد قامت بين طهران وتل أبيب علاقات أمنية واستخباراتية واقتصادية واسعة، من التعاون المباشر بين جهاز السافاك والموساد، إلى تزويد إسرائيل بالنفط، وصولاً إلى دور إيران بوصفها حلقة محورية في الإستراتيجية «المحيطية» الإسرائيلية لمحاصرة العالم العربي.
ولم تكن نتيجة هذا التحالف تعزيز أمن المنطقة، بل تعميق انعدام الثقة، وتوسيع الفجوات الإقليمية، وتعزيز نفوذ إسرائيل في قلب الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى إضعاف موقع الدول العربية وزيادة الضغوط على القضية الفلسطينية.
إن العودة إلى نموذج شبيه بمرحلة بهلوي تعني إحياء ذلك النظام غير المتكافئ الذي يضع مصالح إسرائيل في المركز ويهمّش الأمن الجماعي للمنطقة؛ وهو نظام لا يخدم لا إيران ولا دول مجلس التعاون الخليجي.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن سياسة «فرّق تسد» كانت دوماً إحدى الأدوات الأساسية للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. وفي الظروف الراهنة، فإن صمود كل دولة على حدة مكلف وهشّ. والطريق الوحيد للمواجهة الفعالة مع الضغوط المتزايدة يتمثل في بناء تقارب حقيقي بين دول المنطقة، على أساس المصالح المشتركة، واحترام السيادة الوطنية، ورفض التدخل الخارجي.
ويمثل اليوم الثالث عشر رمزاً لمرحلة جديدة من الحرب ذاتها التي بدأت سابقاً بأدوات مختلفة، والتي لا تستهدف إيران وحدها، بل المنطقة بأسرها. واليوم، بات أوضح من أي وقت مضى أن زعزعة الاستقرار الداخلي تشكل جزءاً من مشروع أكبر لإعادة صياغة المعادلات الإقليمية. وقد أظهرت التجربة التاريخية أن تعزيز الحوار، والتقارب، والتعاون الإقليمي يشكّل المسار الأكثر فاعلية لصون المصالح الوطنية، والحفاظ على الاستقلال السياسي، وإرساء استقرار وأمن مستدامين لشعوب المنطقة، كما يمكنه أن يؤدي دوراً حاسماً في خفض التوترات وإدارة التحديات المشتركة.
*سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى البلاد