القانون في قلب الإصلاح الاقتصادي لتعزيز التنافسية ومُواكبة التحوّلات
تشريعات كويتية مرنة... لجذب الاستثمار وبناء اقتصاد مُستدام
- علي المطيري: تحديث التشريعات ضرورة تنموية لا ترف تنظيمي
- القوانين الحديثة تُخفّض المخاطر وتُطلق ريادة الأعمال
- أحمد الطحيح: قانون الإفلاس خطوة عملية ضمن خطة إصلاح شاملة
- المحكمة الاقتصادية مطلب أساسي لبيئة أعمال مُتطوّرة
يقوم التحول الاقتصادي المؤسسي في البلاد على حزمة مرتكزات متكاملة، في مقدمتها تحديث المنظومة التشريعية، بما يستجيب للتحدّيات المتسارعة التي تفرضها التحوّلات العالمية في أنماط الإنتاج والاستثمار، والانتقال المتزايد نحو الاقتصاد الرقمي، إلى جانب احتدام المنافسة الإقليمية على استقطاب رؤوس الأموال.
وفي هذا السياق، تبرز الخطة الوطنية لتحديث الإطار التشريعي كأداة إصلاح هيكلي تهدف إلى مواءمة القوانين مع متطلبات التنمية المستدامة 2030 ورؤية «الكويت 2035».
وضمن هذا المسار، أقر مجلس الوزراء في نوفمبر الماضي، مشروع قانون تنظيم العمل بقطاع التجارة الرقمية، في خطوة محورية لدعم الابتكار وريادة الأعمال.
ويهيئ القانون بيئة حديثة لنمو نماذج الأعمال الرقمية، من خلال استحداث مفهوم «البيئة التنظيمية التجريبية» التي تتيح للشركات المبتكرة اختبار منتجاتها وخدماتها بشكل آمن قبل طرحها تجارياً.
كما يضع إطاراً متكاملاً لحماية المتعاملين، يشمل صون الخصوصية، ووضوح الشروط والأحكام، وتوفير آليات فعالة لحل المنازعات، بما يعزز الثقة في التعاملات الإلكترونية ويرسخ قطاع تجارة رقمية أكثر أماناً وشفافية.
ويمثل هذا التشريع محطة أساسية في تحديث الإطار القانوني، إذ يوازن بين حرية النشاط الاقتصادي ومتطلبات الرقابة التنظيمية، بما يعزز جاذبية البيئة الاستثمارية في الاقتصاد الرقمي ويدعم مسار التنمية المستدامة.
وأكّد مُتخصّصان كويتيان في العلوم الإدارية والاقتصاد، أن تحديث المنظومة التشريعية في البلاد لم يعد خياراً تنظيمياً، بل ركيزة حاسمة في تشكيل البيئة الاستثمارية وتوجيه السلوك الاقتصادي، لارتباطه الوثيق بمعدلات النمو وكفاءة تخصيص الموارد وقدرة الاقتصاد الوطني على التنويع ومواجهة التحولات العالمية المتسارعة.
و شدّد المتخصصان، في لقاءين متفرقين مع وكالة «كونا»، أمس الأحد، على أن المنظومة التشريعية تشكل الأساس الذي تُبنى عليه السياسات العامة والاقتصاد الوطني، لافتين إلى أن جودة القوانين ومرونتها تسهم في خفض تكاليف المعاملات، وتقليص التعقيدات الإدارية، وتحسين كفاءة الأسواق، وهي عوامل جوهرية لتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
في هذا السياق، قال عميد كلية العلوم الإدارية في جامعة الكويت الدكتور علي المطيري، إن إعادة النظر الشاملة في التشريعات السارية تهدف إلى إرساء بيئة قانونية عصرية منسجمة مع متطلبات التنمية الشاملة في البلاد، مؤكداً أن تحديث القوانين يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة داخل المؤسسات الحكومية، ويكرس العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون، بما يحقق استقراراً مستداماً.
النمو المستدام
وأوضح المطيري أن التطلعات الأكاديمية لهذه الخطة تتجه نحو تحقيق تنسيق حقيقي بين الجانبين القانوني والاقتصادي، من خلال ابتكار قوانين اقتصادية حديثة تدعم النمو المستدام، لا سيما في مجالات الاستثمار والتجارة والضرائب وسوق العمل والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. وأشار إلى أن هذه الخطوات من شأنها تقليل المخاطر القانونية والإجرائية على المستثمرين، وتعزيز ريادة الأعمال والابتكار، وتحسين كفاءة السوق عبر قوانين تُشجّع المنافسة العادلة وتحدّ من الاحتكار.
وأضاف أن الدراسات الأكاديمية في مجالي القانون والاقتصاد، تؤكد الحاجة المستمرة إلى تحديث التشريعات الاقتصادية لمواكبة التغيرات التكنولوجية والتحولات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والعولمة، معتبراً أن مراجعة القوانين الاقتصادية تمثل محفزاً رئيسياً للدورة الاقتصادية، لما لها من أثر إيجابي في رفع معدلات النمو، وخلق فرص العمل، وتحسين الإنتاجية.
إصلاح مؤسسي
من جانبه، أكّد نائب رئيس الجمعية الاقتصادية الكويتية أحمد الطحيح، أهمية تحديث البنية التشريعية بما يواكب التطورات الاقتصادية العالمية، معتبراً ذلك خطوة ضرورية لتعزيز كفاءة الإطار القانوني في البلاد.
وأوضح الطحيح أن هذا التوجه الحكومي يعكس بداية مرحلة جديدة من الإصلاح المؤسسي، تستهدف معالجة الثغرات القانونية التي تعيق نمو القطاعات الإنتاجية وتحدّ من تنافسية الاقتصاد الوطني، بما يتّسق مع متطلبات رؤية الكويت التنموية.
وأشار إلى أن توازن المحاور الاجتماعية والجنائية والاقتصادية في خطة تحديث المنظومة التشريعية يعكس رؤية شمولية للتنمية، تقوم على أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إصلاحات موازية في الجوانب الاجتماعية والعدلية، بما يضمن تحقيق العدالة والاستقرار، وهما شرط أساسي لبناء اقتصاد مستدام.
وفي ما يتعلق بالتحديثات الأخيرة على قانون الإفلاس، لا سيما إعادة نظام الضبط والإحضار وحبس المدين المتعنت عن السداد، اعتبر الطحيح أن هذه الخطوة تجسد ترجمة عملية لخطة وزارة العدل، مشيراً إلى تطلع الجمعية إلى إقرار تشريعات اقتصادية إضافية، في مقدمتها قانون إنشاء المحكمة الاقتصادية في الكويت.
وشدّد على أن تحديث التشريعات سيسهم في تحسين ترتيب الكويت في مؤشرات التنافسية العالمية وسهولة ممارسة الأعمال، بما يعزز تدفق الاستثمارات النوعية ويكرس مكانتها مركزاً اقتصادياً وتجارياً في المنطقة.
تحديث المنظومة
يذكر أن وزارة العدل كانت قد أعلنت في سبتمبر الماضي، عن الخطة الوطنية لتحديث المنظومة التشريعية، التي تستهدف مراجعة وتطوير 25 في المئة من القوانين السارية في البلاد بحلول ديسمبر 2026، عبر ثلاثة محاور رئيسية؛ تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والجنائية، بما يسهم في تبسيط الإجراءات وتعزيز بيئة الأعمال وترسيخ مكانة الكويت الدولية.
وكان وزير العدل المستشار ناصر السميط أعلن أن عدد القوانين السارية يبلغ 983 قانوناً، وتم إنجاز مراجعة 181 قانوناً، أي نحو 18 في المئة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025.
وأكّد السميط أن تحديث المنظومة التشريعية يشكل ركيزة أساسية في تسهيل حياة المواطنين والمقيمين ودعم بيئة الأعمال، فضلاً عن تعزيز التزامات دولة الكويت الدولية ومكانتها القانونية على الصعيد الدولي.
العدالة الضريبية
في يناير 2025، أصدرت وزارة المالية اللائحة التنفيذية لضريبة مجموعة الكيانات متعددة الجنسيات، لتعزيز العدالة الضريبية وتنويع الإيرادات وفق المعايير الدولية، مع توقعات بإيرادات سنوية تقارب 250 مليون دينار.
تجريم «الحوالة البديلة»
اكتمل المسار في ديسمبر 2025، بإقرار مشروع مرسوم يجرّم «الحوالة البديلة»، في خطوة نوعية لحماية الأمن المالي وتعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال.
تبسيط إجراءات تأسيس الشركات
توقّع الطحيح أن تشمل مراجعة التشريعات الاقتصادية عدداً من القوانين المحورية، من بينها قانون الشركات التجارية، وقانون تشجيع الاستثمار المباشر، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، باعتبارها الركائز الأساسية لبيئة الأعمال.
وشدّد على ضرورة تبسيط إجراءات تأسيس الشركات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتحديث قانون المنافسة ومنع الاحتكار لحماية المستهلكين وتشجيع الابتكار وتحسين جودة الخدمات.
وأكّد أهمية مراجعة القوانين المرتبطة بسوق العمل لمواءمة المهارات الوطنية مع احتياجات السوق، إلى جانب تحديث الأنظمة الضريبية والمالية لتوفير إيرادات مستدامة دون الإضرار بجاذبية الاقتصاد الوطني.
تعزيز الاستقرار المالي
صدر في مارس الماضي المرسوم بقانون رقم 60 لسنة 2025 في شأن التمويل والسيولة، حدّد سقف الدين العام بحد أقصى 30 مليار دينار، أو ما يعادله من العملات الأجنبية القابلة للتحويل، مع إتاحة إصدار أدوات مالية بآجال استحقاق تصل إلى 50 سنة، وسريان يمتد للفترة ذاتها.
يمنح القانون الدولة مرونة أكبر في إدارة السيولة من خلال التوجه إلى الأسواق المحلية والعالمية، بما يعزز الاستدامة المالية العامة.
ترسيخ الشفافية في المعاملات العقارية
أصدر وزير العدل المستشار ناصر السميط القرار رقم 194 لسنة 2025 بتنظيم سداد القيمة والمقابل النقدي في المحررات والعقود الرسمية الصادرة عن وزارة العدل، عبر التحويل المصرفي أو الشيك المصدق، بهدف مكافحة غسل الأموال والحد من المعاملات الصورية، وحماية السوق العقارية من التلاعب والاحتيال.
كما دخل في أغسطس الماضي المرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025، المعدل لقانون المطور العقاري، حيز التنفيذ، مانحاً المطورين مرونة أكبر في تنويع المنتجات السكنية بما يتناسب مع احتياجات وقدرات الأسر المختلفة.