الواقعي والمتخيل في رواية طالب الرفاعي «دوخي ... تقاسيم الصَبا»
تُعد رواية «دوخي... تقاسيم الصَبا» للكاتب الكويتي طالب الرفاعي عملاً استثنائياً في مجال رواية السيرة الغيريّة، كما أنها من الروايات العربية النادرة جداً التي تتخذ من الموسيقى موضوعاً للنص الروائي. إذ لا تكتفي بسرد وقائع حياة المطرب والمُلحّن الكويتي عوض دوخي بطريقة تقليدية، بل تقدم بناءً فنياً مركباً يقوم على جدلية خلّاقة بين الواقع والخيال. وتكمن براعة الرفاعي في قدرته على تجاوز حدود التوثيق الجاف، ليقدم ما يمكن تسميته بتخييل الحياة، وهو ما يمنح العمل عمقه الإنساني وتأثيره الوجداني العميق.
ينطلق البناء الروائي من أساس واقعي صلب وموثّق، حيث يستند الرفاعي إلى سيرة الفنان عوض دوخي الحقيقية بكل تفاصيلها، منذ نشأته في بيئة بحرية وعمله كمطرب ونهام على السفن الشراعية، إلى انتقاله لعالم الإذاعة وتسجيل الأغاني وشهرته كأيقونة للطرب الخليجي. هذا الإطار الواقعي ليس مجرد خلفية للأحداث، بل يمثل المرساة التي تشدّ السرد إلى أرض الحقيقة وتمنح القارئ إحساساً بالأصالة والمصداقية والتشويق. بل يأتي ضمن استحضار الأماكن والأحداث والتواريخ والأغاني والشخصيات الحقيقية، مُشكّلاً الهيكل الذي لا يمكن للرواية أن تقوم من دونه.
لكن إذا كان الواقع هو الجسد، فإن التخييل الفني هو الروح التي يبثّها الرفاعي في هذا الجسد. ويتجلى هذا التخييل في البنية السردية المزدوجة التي تتناوب بين زمنين متباعدين، الحاضر الذي يصور الساعات الأخيرة في حياة دوخي (ثلاث ساعات ونصف)، والماضي الذي يستعيد كامل ذكريات حياته وتجاربه لمدة (سبعة وأربعين عاماً). هذا الانتقال ليس مجرد تقنية سردية، بل فعل درامي يخلق توتراً وحواراً مستمراً بين النهاية والبدايات، بين الضعف والقوة، بين الواقع والخيال، ما يضفي على الذكريات طابعاً مأسوياً وشاعرياً في آن واحد.
من أبرز التجليات الإبداعية في الرواية شخصية «الصاحب» الغامضة التي ترافق دوخي منذ ولادته. هذه الشخصية المتخيلة تمثل أداة درامية محورية، إذ تجسّد روح الفن والموسيقى وعيش الواقع، وتصبح صوت الموهبة ورفيق الوحدة والشاهد الداخلي على رحلة الفنان. ومن خلال توظيفها فنّياً ينجح الرفاعي في تحويل الصراع الداخلي من فكرة مجردة إلى حوار درامي ملموس، يكشف عن أعماق التجربة الإنسانية والفنية.
كذلك، يكسر الرفاعي أحادية صوت الراوي، ويقدم شبكة من الأصوات المتعددة؛ للأم والأخ والزوجة والأصدقاء، لكن الأهم هو منحه صوتاً أساسياً ومؤثّراً لدوخي نفسه عبر تقنيات الاستبطان والمونولوج الداخلي. هذا الصوت المتخيل يملأ الفجوات التي يعجز التوثيق عن الوصول إليها، كاشفاً عن هواجس الفنان وأحلامه ومخاوفه وتأملاته في الفن والحياة والموت.
يكمن نجاح الرفاعي في أنه لا يفصل بين الواقعي والمتخيل، بل يجعلهما يتفاعلان عضوياً، فالواقعي يمنح المتخيل شرعيته، والمتخيل يمنح الواقعي عمقه ومعناه. ولذا، فإن لحظة الاحتضار، التي تقوم عليها الرواية، تصبح أكثر حضوراً وتأثيراً بسبب الحوارات المتخيلة، والمسيرة الفنية الموثقة تصبح شوط عيشٍ موجع، وهي أكثر إنسانية من خلال استبطان المشاعر والتطلعات على لسان بطلها عوض دوخي.
بهذا المعنى، لا يقدم الرفاعي رواية سيرة غيريّة للفنان عوض دوخي كما كانت فحسب، بل كما يمكن أن تُروى، محولاً التاريخ الشخصي الموسيقي إلى أسطورة فنية، والسيرة الفردية إلى شهادة جماعية عن علاقة الفنان بمجتمعه وزمنه، مثبتاً أن رواية السيرة الذاتية الغيريّة في أسمى صورها ليست مجرد نقل للواقع، بل إعادة خلق له، ومنحه حياة جديدة تتجاوز حدود الزمان والمكان. فالقارئ يتتبّع محطّات حياة الفنان عوض دوخي، مثلما يرى أهم المنعطفات الاجتماعية والاقتصادية في حياة المجتمع الكويتي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب وباحث في الدراما من دولة قطر