قال صلى الله عليه وسلم: «ما عملَ ابنُ آدمَ شيئاً أفضلَ من الصلاةِ، وصلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه البيهقي وغيره.
الصلح هو ذلك الاتفاق الذي ينهي النزاع بين المتخاصمين خارج إطار التخاصم والتقاضي أمام المحاكم. ونتفق على أن وقوع النزاع بين الناس، وحدوث تصدعات بين المعارف والجيران والشركاء، من الأمور الطبيعية المعروفة والمألوفة، وذلك بسبب اختلاف الأفهام والأمزجة والنوايا والمصالح. وعلى الرغم من وجود القضاء والمحاكم إلا أن الكثير أدرك اليوم بوضوح أن هذا الطريق ليس هو الطريق الأفضل، وأن اللجوء إلى الصلح هو الطريق الأسلم، والأكثر اختصاراً.
إن تساءلنا لماذا الناس تلجأ إلى الصلح؟! لأن في الصلح يكون هناك دور لطرفي النزاع، ودور للمجتمع أيضاً، وهذه الأدوار تخدم الجميع لما فيها من قيم أخلاقية مثل العفو والتسامح والتنازل والتفاوض، كما أن للصلح دوراً كبيراً في الحفاظ على استمرار الأسرة وطمأنينتها وتماسكها، حيث إن الاختلاف بين الرجل والمرأة غالباً ما يؤدي إلى الخصومة والنزاع وذلك بسبب طبيعة كلاً من الرجل والمرأة، وإن فضّ النزاع بين الزوجين في المحاكم كثيراً ما يعني انفراط عقد الأسرة، حيث يصعب الاستمرار في الحياة الزوجية بعد دخول الزوجين إلى قاعة المحكمة، لهذا كان من الأفضل والأصلح أن يتدخل أهل الزوجين وأهل الجاه والفضل من الناس التدخل العاجل للإصلاح وإزالة أسباب الخصومة. وقد قال الله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً» (النساء 35).
إن القيام بدور إصلاحي بين الناس، من الأمور الصعبة والحساسة، لهذا كان على المتطوّع للإصلاح أن يسلك سلوك القاضي الرسمي في التزام النزاهة والحياد مع الحفاظ على كرامة المتخاصمين، وأن يكون له دراية بالأسباب التي تؤدي عادة إلى النزاع، وأن يقوم بحث كل واحد من المتخاصمين على احترام خصمه إلى جانب الالتزام بالصدق في حديثه عن وقائع الخصومة.
كثرت النزاعات والمشكلات بأنواعها في هذا الزمان، وسئمنا من كثرة الخصومات والخلافات التي تؤدي إلى عداوات بين المتخاصمين تارة، وقطع أرحام تارةً أخرى، لذا علينا بالعدالة التصالحية، ونشر ثقافة الصلح بين الناس، والتحلي بخلق الإنصاف والعدل، إلى جانب امتلاك المرونة الذهنية، وشيءٍ من الوعي بالطبيعة البشرية، للتقليل من النزاعات والمشكلات والانقسامات التي تصدع العلاقات وتفسدها.
mona_alwohaib@