في أحدث تقارير سلسلة «قيادة الفكر»

«الوطني للثروات»: المحافظ المثلى مزيج من المنطق الكمي وفهم السلوك الإنساني

تصغير
تكبير

- السلوك الاستثماري يتأثر بالعاطفة والانطباعات الشخصية والذاكرة والتوجهات النفسية
- للتجارب المبكرة المرتبطة بخسائر حادة أثر طويل الأمد على الاستعداد لتقبّل المخاطر
- التحيزات السلوكية أكثر المخاطر إساءة للتقدير في إدارة الثروات
- التعامل الفعّال مع التحيزات يتطلّب موازنة دقيقة بين التوعية والتكيّف

ذكرت شركة «الوطني للثروات» في أحدث تقاريرها حول قيادة الفكر، أن النظريات المالية التقليدية تقوم على افتراض أن المستثمرين يتّخذون قرارات عقلانية بغرض رفع العائد المتوقع إلى الحد الأقصى. إلا أن الواقع يروي قصة مختلفة تماماً، فالسلوك الاستثماري يتأثر في معظم الأحيان بالعاطفة والانطباعات الشخصية والذاكرة والتوجهات النفسية التي تشكّل طريقة فهمنا للمخاطر وعدم اليقين.

وأشار التقرير إلى أن علم التمويل السلوكي يهدف إلى تفسير هذه التباينات من خلال تحليل العوامل النفسية المؤثرة في عملية صنع القرار. حيث يصنف التحيز السلوكي (Behavioral Bias) الذي يوجه قرارات المستثمرين، كأنماط منهجية وليست مجرد حالات فردية، ما يؤثر في كيفية قراءة الأسواق، وتقييم الفرص، والاستجابة للتقلبات. وتمثّل هذه التحيزات في كثير من الأحيان عائقاً هيكلياً أمام تحقيق بناء ثروة مستدامة على المدى الطويل.

استيعاب التحيزات

وشدد التقرير على أن استيعاب هذه التحيزات يمثل ركيزة أساسية لإدارة الثروات بفعالية. فقد أصبح دور المستشار الاستثماري اليوم يتجاوز مجرد تصميم المحافظ الاستثمارية، ليشمل مرافقة العملاء خلال فترات الشك وعدم اليقين، والحد من القرارات العاطفية، وضمان اتساق التوجهات قصيرة الأجل مع الأهداف الإستراتيجية طويلة الأجل.

التحيزات واتخاذ القرار

وأشار إلى أن سلوك المستثمرين يتشكل عبر مزيج من تجارب النشأة والخبرات الحياتية والتعليم والبيئة الاجتماعية، إضافة إلى تأثير الأزمات المالية التي مروا بها. قد تترك التجارب المبكرة خصوصاً تلك المرتبطة بالخسائر الحادة، أثراً طويل الأمد على استعداد المستثمرين لتقبّل المخاطر، حتى عندما تتغير ظروف السوق وتتطور بنية وهيكلية المحافظ.

كما يعتمد معظم المستثمرين على اختصارات ذهنية لتبسيط اتخاذ قرارات أسرع في مواقف معقدة. ورغم أن هذه الآلية توفر قدراً من الكفاءة، إلا أنها قد تقود إلى نتائج أقل مثالية. فهذه الاختصارات هي البيئة التي تنشأ منها التحيزات السلوكية، والتي بدورها تؤثر في كيفية توزيع رأس المال، وتقييم الأداء، ومدى الالتزام بالإستراتيجية الاستثمارية.

أبرز 3 تحيزات سلوكية

واعتبر التقرير أنه رغم أن جميع التحيزات تؤثر في سلوك المستثمر، إلا أن هناك 3 تحيزات تترك تأثيراً كبيراً على الممارسات الحديثة في إدارة الثروات:

1 - تجنب تحقيق الخسارة (ْloss aversion): حيث إن تجنب تحقيق الخسائر يجعل المستثمرين يخشون الخسائر بدرجة تفوق تقديرهم للمكاسب، ما قد يؤدي إلى التسرع في جني الأرباح والتردد في بيع الأصول ذات الأداء الضعيف أملاً في تجنب الخسائر المحققة، ما يخلّ بانضباط المحفظة الاستثمارية ويضعف أثر التراكم على المدى الطويل. خلال فترات التقلبات، تصاعد الاستجابات الانفعالية يحفّز سلوكيات استثمارية متحفظة من الممكن أن تعوق تحقيق عوائد مجزية على المدى الطويل.

2 - المحاسبة الذهنية (mental accounting): قد تؤدي إلى التفكير المجزأ، حيث يتم النظر إلى الأصول بمعزل عن المحفظة ككل. ميل المستثمرين، على سبيل المثال، إلى الفصل بين المحافظ المخصصة للدخل وتلك الموجهة للنمو أو المضاربة، دون النظر إلى مستوى المخاطر الإجمالي للمحفظة. ورغم أن هذا النهج يمنح شعوراً بالارتياح النفسي، إلا أنه يُضعف كفاءة توزيع الأصول ويُنتج مستويات متباينة من المخاطر. ومع مرور الوقت، يتآكل مستوى التنويع وتنخفض العوائد المعدلة حسب المخاطر.

3 - التحيز نحو المعلومات المؤكِدة (confirmation bias): يميل المستثمرون بفعل الانحياز نحو المعلومات المؤكِدة إلى انتقاء المعلومات التي تتماشى مع آرائهم المسبقة، متجاهلين الأدلة المناقضة لها. هذا يشوّه عملية اتخاذ القرار، ويُرسّخ إستراتيجيات غير فعّالة، ويؤخر اتخاذ الإجراءات التصحيحية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى خسائر كان من الممكن تجنبها.

الإدارة العملية للتحيزات

وذكر التقرير أن التحيزات السلوكية تمثل أحد أكثر المخاطر التي يُساء تقديرها في مجال إدارة الثروات. فهي تؤثر بشكل مباشر على كيفية استجابة المستثمرين لحالات عدم اليقين، وعلى مدى التزامهم بالإستراتيجيات الطويلة المدى. وتعترف الأطر الحديثة لإدارة الثروات بأن المحافظ المثلى يجب أن تعكس مزيجاً من المنطق الكمي وفهم السلوك الإنساني. فالمستشارون الذين يوظفون البصيرة السلوكية لا يديرون رأس المال فحسب، بل يساهمون في مساعدة عملاءهم في الحفاظ على الانضباط والتوافق وتحقيق نتائج مستدامة على المدى الطويل.

ويعتبر التقرير أن التعامل الفعّال مع التحيزات السلوكية يتطلب موازنة دقيقة بين التوعية والتكيّف. إذ يمكن التخفيف من التحيزات المعرفية عبر الإرشاد المنهجي وتطبيق التفكير الموضوعي، بينما تحتاج التحيزات العاطفية غالباً إلى تصميم محفظة مدروس وتواصل واضح، يهدف إلى امتصاص تأثير ردود الفعل الانفعالية.

دور المستشارين

ويخلص التقرير إلى أنه يمكن للمستشارين الاستثماريين دعم العملاء من خلال تعزيز الرؤية طويلة المدى، ووضع التقلبات قصيرة الأجل في سياقها الصحيح، والحد من المراقبة المفرطة للمحفظة.

ويساهم التواصل الشفاف وصياغة الرسائل بعناية في الحفاظ على الانضباط، خصوصاً خلال فترات الضغوط. وفي بعض الحالات، قد يكون من المناسب السماح بقدر محدود من الانحراف عن التوزيع الأمثل للأصول لضمان استدامة السلوك الاستثماري على المدى الطويل.

تصنيف التحيزات السلوكية

تنقسم التحيزات السلوكية عموماً إلى فئتين رئيسيتين:

1 - التحيزات المعرفية الناتجة عن أخطاء في التفكير ومعالجة المعلومات.

2 - التحيزات العاطفية التي تنشأ من ردود فعل غريزية وانفعالية.

وتمثل التفرقة بين الفئتين عنصراً حاسماً في إدارة الثروات، لأنها تحدد إذا كان من الممكن تعديل السلوك عبر التوعية، أو ما إذا كان يجب التعامل معه من خلال تصميم وهيكلة المحافظ الاستثمارية.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي