الجيش يشجع جنوده على تبنّي أفكار المستوطنين... وربطهم عاطفياً وأيديولوجياً بالضفة
«في الطريق إلى يهودا»... مشروع عسكري إسرائيلي جديد
كشفت صحيفة «هآرتس»، تفاصيل مشروع دعائي وتوجيهي واسع النطاق يُنفذه الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، تحت مسمى «في الطريق إلى يهودا»، يهدف بشكل منهجي إلى تعزيز الرواية التوراتية والأيديولوجية الاستيطانية بين صفوف جنوده، وربطهم عاطفياً وأيديولوجياً بالأرض المحتلة، ما يحوّل المؤسسة العسكرية من أداة للاحتلال إلى أداة لخدمة أجندة سياسية استيطانية متطرفة.
المشروع، الذي يُدار عبر مجموعات على تطبيقي «واتساب» و«تلغرام» وقنوات على «إنستغرام» و«يوتيوب»، يقوم بدور «قناة دعائية للمستوطنين» داخل الجيش وخارجه.
ويستهدف تشجيع الجنود والجمهور الاستيطاني على اقتحام مواقع أثرية تُقدّم برواية توراتية أحادية وبؤر استيطانية عشوائية في عمق الضفة الغربية المحتلة، واقتحام المناطق المصنفة «A وB»، وتحت سيطرة السلطة الفلسطينية، في انتهاك صريح للاتفاقات.
ويتضمن المشروع مقاطع فيديو تحتوي على توصيات سياحية لزيارة مناطق متنوعة في الضفة، وإعلانات دعائية لمصالح تجارية خاصة للمستوطنين، ودعاية سياسية يمينية متطرفة تتبنى الرواية الدينية - التوراتية المحرفة، إضافة إلى سرديات تاريخية وأثرية «يفتقر قسم كبير منها إلى الأساس العلمي»، وفق التحقيق.
وأسس المشروع مستوطن يخدم في «لواء يهودا»، واستمر في قيادته خلال خدمته في قوات الاحتياط، «من خلال دعم كامل من جانب ضباط كبار في الجيش وأحزاب اليمين المتطرف»، ما يوضح الطبيعة المؤسسية والمنهجية للمشروع، وليس كونه مبادرة فردية.
وقالت قائدة الوحدة الإعلامية في القيادة الوسطى في مقطع فيديو، «أرى بعد الجولات كيف تتعزز العلاقة والقدرة على تنفيذ المهمة (طرد الفلسطينيين) من خلال إدراك واسع لهذا المكان»، في إشارة واضحة لربط الوعي الأيديولوجي بالكفاءة القتالية.
وأضاف ضابط آخر في نهاية نقطع «نحن هنا لأن هذه هي المعالم المجيدة لشعب إسرائيل»، مؤكداً الرابط بين الوجود العسكري والادعاءات التاريخية الدينية.
كما يظهر في مقاطع الفيديو الرسمية للمشروع قادة لواءي «يهودا» و«السامرة» شاحار بركاي وأريئيل غونين، ونوابهم، ما يمنحه غطاءً رسمياً وعسكرياً رفيع المستوى.
وبحسب الصحيفة، يستشهد قائد المنطقة الجنوبية في الجيش بمقطع للمستوطن نوعام أرنون (ناطق باسم مستوطني الخليل) الذي يروي للجنود قصة كيف أن «الاسم إسرائيل هو المصدر لكل التطورات التاريخية لشعب إسرائيل... وفي أيامنا لدولتنا ولجيشنا».
تزييف الحقائق الأثرية
ولا يقتصر المشروع على لواء واحد، فهناك قناة شقيقة باسم "في الطريق إلى السامرة"، تُدار بالآلية ذاتها، وتنشر مقاطع مثل الذي يزعم أن حمامات في قرية سوسيا الفلسطينية كانت «مغاطس لليهود»، في عملية تطهير تاريخي للمكان.
وأشارت التحقيقات إلى أن المشروع ازداد انتشاراً خلال الحرب على قطاع غزة، وأنه يُرسل برامج تربوية أسبوعية للجنود، الذين يُشجعون على الخروج لجولات في المنطقة أثناء خدمتهم.
واعتبرت ضابط احتياط في «لواء السامرة» أنه «يصعب وصف هذه الأنشطة بأنها تطبيع، لأن هذا عمى مطلق تجاه الأيديولوجية الموجودة خلف هذا المشروع ويُدفع الفلسطينيون في المنطقة ثمناً باهظاً».
وعلّقت منظمة «عمق شبيه» الإسرائيلية (الناشطة ضد تسييس الآثار)، موضحة أن «الربط بين الزي العسكري والأيديولوجيا الاستيطانية، معروف، والجديد هنا هو الشكل العلني والفظ الذي يستخدمه المستوطنون من أجل التأثير على الجمهور الأسير، أي جنود شبان».
وأضافت المنظمة تحذيراً شديد اللهجة أنه «على الجميع أن يعلم أن السيطرة اكتملت، وأن الجيش تحول إلى أداة في خدمة جمهور سياسي واحد ووحيد (أي المستوطنين). ومنذ الآن فصاعداً لا يتم إرسال أبناءكم لحراسة مواقع تاريخية... وإنما أيضاً من أجل أن يرتبطوا بأنفسهم بتلك المواقف».
تهديد خطير لمستقبل الصراع
ويُظهر مشروع «في الطريق إلى يهودا»، انتقالاً خطيراً في دور الجيش من مؤسسة أمنية (حسب روايته) إلى مؤسسة تغذية أيديولوجية واستيطانية. هذا التحول: يعمق الاحتلال بربطه بعقيدة دينية - قومية متزمته وعنصرية غير قابلة للتفاوض. ويُعسكر المجتمع الإسرائيلي بشكل أعمق ويغذيه بروايات مشبعة بالعداء والاستيلاء وامتلاك الأرض الفلسطينية بالكامل.
ويُنذر بتكريس نظام فصل عنصري (أبارتهايد) من خلال دمج الرواية الدينية التوراتية مع الممارسة العسكرية والسيطرة على الأرض.
وهذا المشروع هو تجسيد عملي لتحالف غير مسبوق بين المؤسسة العسكرية والمشروع الاستيطاني المتطرف، مما يضع عقبة كأداء أمام أي إمكانية مستقبلية للسلام القائم على حل الدولتين.