درس هيكل

صالح الدويخ
صالح الدويخ
تصغير
تكبير

حين عرض الرئيس الأسبق أنور السادات على محمد حسنين هيكل الوزارة ثلاث مرات في فترات متباعدة، كان يظن أن هيكل سيخضع لإغراء السلطة، وأن لقب «معالي الوزير» سيضيف إلى مكانته الإعلامية، لكن هيكل الذي عاش عمره ممسكاً بالقلم، أدرك أن قوة الصحافة أوسع من جدران المكاتب الوزارية، وأن كرامة الكلمة أثقل من كرسي الوزارة، فاختار أن يبقى صحافياً، وأن يظل أميناً لمهنته التي صنعت منه اسماً لم يكن عابراً كالآخرين.

إلا أن هيكل وافق بحكم علاقته بالسادات، خصوصاً أنه كان يتولى منصب نائب رئيس الجمهورية، وكانت الموافقة هذه المرة بشروط واضحة ولأجل محدد لا يتجاوز عاماً واحداً. غير أنّ القدر كان له رأي آخر، فقبل أن تنقضي الأشهر الأخيرة من السنة، رحل الرئيس جمال عبدالناصر، فاعتبر هيكل أن اللحظة مؤاتية ليغلق صفحة الوزارة بهدوء، ويعود إلى عرشه في بلاط الصحافة حيث يجد ذاته.

هذه الوقفة تفتح لنا باباً أوسع للحديث عن قيمة احترام التخصص، فالفن والإعلام مثلاً ليسا مجرد أضواء أو شهرة، بل هما منظومة دقيقة لا تتطور إلا عندما يعرف كل شخص مكانه، الكاتب مثلاً ليس مخرجاً، والمذيع ليس ممثلاً، والممثل ليس ناقداً، والناقد ليس بالضرورة إدارياً ناجحاً، وكل محاولة للقفز على التخصصات بدافع الوجاهة أو لجني مدخول جديد، أو بدافع الطموح غير المدروس، لا تثمر إلا عن ارتباك وفقدان هوية، إن لم يجد في نفسه القدرة في الانتقال إلى تجربة تستحق المغامرة.

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك نماذج نجحت في الانتقال من الفن أو الإعلام إلى مواقع القرار، مثل الممثل الأميركي رونالد ريغان الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة، لكن هذه الحالات تظل استثناء، لأن النجاح فيها كان مرتبطاً بظروف استثنائية، وبشخصيات امتلكت أدوات ومؤهلات أبعد من مجرد الشهرة، وبالتالي لا يمكن أن تُتخذ ذريعة لتبرير كل انتقال عشوائي غير محسوب.

نقول ذلك، لأن اليوم كثُر الخلط بين الأدوار حتى بات المشهد الفني والإعلامي مزدحماً بأسماء تحاول أن تكون كل شيء، وشيئاً من لا شيء، لكنها في النهاية لا تترك أثراً حقيقياً، بينما الذين التزموا بتخصصهم وأخلصوا له وصبروا على أدواته، هم الذين بنوا تجارب راسخة وتحولوا إلى علامات مضيئة.

في النهاية، تبقى قصة محمد حسنين هيكل درساً خالداً بأن النجاح لا يُقاس بعدد المناصب التي عُرضت عليك، بل بعدد المرات التي اخترت فيها أن تبقى وفياً للمكان الذي يليق بك.

آخر المطاف: الوفاء للمجال الذي تبدع فيه أعظم من كل الألقاب.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي