زيارات الرؤساء الأميركيين تعكس مناطق النفوذ في السياسة الخارجية
باريس - أ ف ب - على مدى عقود، شكلت وجهات الزيارات الرسمية للرؤساء الأميركيين معياراً لدراسة التطورات والتغييرات التي تطرأ على مناطق النفوذ وأولويات السياسية الخارجية للولايات المتحدة.
بعد زيارة قصيرة إلى الفاتيكان أواخر أبريل، للمشاركة في جناة البابا فرنسيس، يبدأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب جولة في شبه الجزيرة العربية، الثلاثاء، في أول رحلة خارجية كبرى له خلال ولايته الثانية.
ومنذ العام 1900، قام رؤساء الولايات المتحدة بـ834 رحلة إلى 116 دولة ومنطقة، وفق إحصاء أجرته «فرانس برس» يستند بشكل أساسي إلى بيانات وزارة الخارجية الأميركية.
أميركا اللاتينية مهملة
قبل الحرب العالمية الثانية، عندما كان السفر يعتمد في المقام الأول على السكك الحديدية أو السفن، كانت أميركا اللاتينية غالباً الوجهة الأولى للرؤساء الأميركيين.
وبين العامين 1900 و1939، قاموا بـ23 من أصل 47 رحلة إلى هناك، غالبيتها أجراها هربرت هوفر (1929 - 1933) وفرانكلين روزفلت (1933 - 1945).
ولم يكن ذلك مرده حصراً الى القرب الجغرافي، بل أيضاً لأن أميركا اللاتينية كانت في حينه منطقة نفوذ أساسية بالنسبة للولايات المتحدة.
وأدى الرؤساء الأميركيون في حينه دور الشرطي في الأميركيتين، وعملوا وفق مبدأ «العصا الغليظة» في عهد ثيودور روزفلت، قبل التحول الى سياسة «حسن الجوار» في عهد فرانكلين روزفلت.
ورغم أن أهمية أميركا اللاتينية بالنسبة للولايات المتحدة تراجعت لصالح أوروبا في خمسينات وسبعينات القرن الماضي، إلا أنّها ظلّت وجهة شعبية للرؤساء الأميركيين حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
خلال ولايته الأولى (2017 - 2021)، قام دونالد ترامب بزيارة وحيدة إلى أميركا اللاتينية، حيث شارك في قمة مجموعة العشرين في بوينس آيرس عام 2018، بينما خصّص جو بايدن لها ثلاث من بين 37 رحلة إلى الخارج بين 2021 و2025.
أوروبا بعد الحرب
بعد الحرب، تحوّلت القارة العجوز إلى وجهة مفضّلة للرؤساء الأميركيين.
وقادت الولايات المتحدة عملية إعادة إعمار القارة بعد حرب مدمّرة استمرت ستة أعوام، من خلال ضخّ مليارات الدولارات في إطار «خطة مارشال».
وخصّ كل من دوايت إيزنهاور (1953 - 1961) وجون إف. كينيدي (1961 - 1963) وريتشارد نيكسون (1969 - 1974)، أوروبا بـ41 في المئة و69 في المئة
و62 في المئة على التوالي من رحلاتهم الخارجية، خصوصاً الى غرب القارة. وكانت لندن وجهتهم الأولى.
ولم يبدأ الرؤساء الأميركيون السفر إلى أوروبا الشرقية بشكل منتظم، إلا في مطلع السبعينات. وفي مايو 1972، كان نيكسون أول رئيس أميركي يزور الاتحاد السوفياتي لتوقيع معاهدة SALT-1 للحد من الأسلحة الاستراتيجية مع الزعيم ليونيد بريجنيف.
وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أصبحت أوروبا الشرقية الوجهة الثالثة لرحلات بيل كلينتون (1993 - 2001)، والأولى لجورج دبليو بوش (2001 - 2008).
من جانبه، كان كلينتون الذي تخللت رئاسته الحروب في يوغوسلافيا السابقة، الرئيس الذي سافر أكثر من غيره إلى البلقان (سبع رحلات، بما في ذلك ثلاث إلى البوسنة).
زيارات متزايدة إلى الشرق الأوسط
قبل سبعينات القرن الماضي، لم يزر أي رئيس أميركي الشرق الأوسط. وكان نيكسون هو أول من قام بذلك، عندما زار السعودية وسوريا وإسرائيل والأردن في يونيو 1974.
ومنذ عهد كلينتون، بدأ الشرق الأوسط في اكتساب أهمية كوجهة لرحلات رؤساء الولايات المتحدة، الذين حاولوا عبثا حل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، بينما انخرطوا في حروب أخرى.
وفي مؤشر على أهمية هذه المنطقة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أصبحت إسرائيل وجهة غالبية رحلات وزراء الخارجية الأميركيين منذ سبعينات القرن العشرين. وخلال 55 عاما، أجروا 169 زيارة إليها، أكثر من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى مجتمعة.
آسيا والمحيط الهادئ مرغوبة
أصبحت منطقة شرق وجنوب شرقي آسيا في الآونة الأخيرة وجهة مرغوبة بالنسبة إلى الرؤساء الأميركيين. وخصّص لها باراك أوباما (2009 - 2017) نحو ربع رحلاته الرسمية إلى الخارج، كما فعل دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، حتى أنّ هذا الأخير التقى عام 2019، الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، على الحدود بين الكوريتين.
خلال فترة رئاسة أوباما، بادرت الولايات المتحدة إلى تطبيق سياسة «إعادة التوازن» لأولوياتها الإستراتيجية تجاه منطقة آسيا والمحيط الهادئ في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة.
وفي هذا الصدد، اعتمدت على حلفائها التقليديين، مثل اليابان التي كانت الوجهة الثانية لأوباما وترامب.