محمد العوضي / خواطر قلم / جمعية الخريجين... والتلوث الفني!!

تصغير
تكبير
بعد نشري للمقالين السابقين «الصهيونية» - و«العبرية» في جمعية الخريجين الكويتية جاءتني عدة تعليقات أكاديمية واعية أبرزها ما كتبه الدكتور نادر القنّة وننشره بكامله:

(إيما، عزيزة، بتسوفنا، و... و...) أسماء متعددة لشخصية واحدة ظهرت في الحياة الفنية في الكويت منذ قرابة عقد من الزمن، تمكنت من الانتشار والصعود بفضل ما تتمتع به من موهبة في الغناء والموسيقى والتمثيل والصحافة وحس جمالي في التشكيل، بالاضافة إلى مشاركاتها، المتعددة في المهرجانات المسرحية التي تنظم في الكويت. كما تتمتع بحمّى اندفاع شبابي باتجاه ممارسة الفن وعشقه، وتقديم ألوان فنية غير سائدة في مشهدنا الفني والثقافي، الأمر الذي قادها منذ عامين إلى تأسيس (فرقة انثروبولوجي للفنون)، من عدد من الشبيبة المؤمنين بالديموقراطية والتفكير الليبرالي، وذلك بغرض الانفتاح الفني على ثقافات غير نمطية. ولكن من غير ان تمتلك الفرقة برنامجاً أو منهجاً أو رؤية فلسفية. فقط حماساً واندفاعاً شبابياً مرهوناً بعشق الفن.

المهم، بدأت الفرقة انتاجها الفني بمسرحة كتاب النبي لجبران في دعوة صريحة منها للسمو بالقيم الإنسانية التي تقوم على الفضيلة. وقد شرفت بالمشاركة النقدية مع الدكتور علي الزعبي في مناقشة هذه التجربة في ندوة فكرية اعقبت العرض.

بعد ذلك واصلت الفرقة نشاطها بخطى بطيئة جداً، محكومة في ذلك إلى تواضع امكاناتها الإنتاجية، وعدم توافر مكان يجمع الأعضاء، لينتهي بها المطاف إلى حفل السابع والعشرين والثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي بتقديم عرضها الموسيقي الغنائي (لا يمكننا الكتابة على صفحة سوداء) على مسرح جمعية الخريجين تضمن برنامج العرض أغنية باللغة العبرية للفرنسي المتصهين (انريكو ماسياس Enrico macias) مستوحاة من التراث اليهودي الديني المحمل بروامز الصهيونية العنصرية والملغم بفكرة سادية العرق اليهودي.

بعيداً - موقتاً - عن موضوع اللغة العبرية الذي شكل حاجزاً مادياً، ومعنوياً بين الفرقة والمتلقي، وأدى إلى فقدان التواصل مع المادة المطروحة. وبعيداً عن مضمون الأغنية. فإن انريكو هذا معروف بعدائه المفرط للحقوق العربية، وبمناهضته المستمرة للقضية الفلسطينية، وبدعمه اللوجيستي للأيديولوجية الصهيونية، ولعدوانية الكيان الصهيوني على المقدسات الإسلامية والأراضي العربية. فهو صاحب تاريخ أسود، ومؤمن حتى النخاع بفكرة (البارتهايد) ما ذاع صيته سياسياً في الأوساط الإعلامية، بوصفه بوقاً دعائياً للصهيونية أكثر ما يذاع فنياً في ذات الأوساط. فصار في الحسبة الثقافية خارج الشهرة الفنية العالمية. ونجماً من نجوم الإعلام الصهيوني.

إذاً نجوميته مستمدة من معتقداته السياسية الصهيونية، وليست من تجربته الفنية. وهذه مسألة في غاية الأهمية تقودنا إلى السؤال المركزي: ما قيمة ان نستحضر المنتج الفني لهذا المتصهين ونغنيه في الكويت؟ كيف يحدث ذلك في دولة ترفع علانية شعار مناهضة التطبيع، وترفض - حقيقة تكريس حضوره بأي صورة من الصور، بل اتخذت من نفسها عاصمة قومية وإسلامية لمناهضته وكبح جماحه؟

أضف الآن إلى ما تقدم: موضوع اللغة، ومضمون الأغنية لنجد أنفسنا امام سلسلة اسئلة متوالدة معقدة. وأمام قضية مركبة. فإذا كانت (ايما) قد انزلقت في اختياراتها الغنائية إلى منطقة وعرة غير مأمونة بفعل اندفاعها غير المدروس مع اعضاء فرقة انثروبولوجي. وهنا افترض لها حسن النية. فمن العجب والمستغرب ان ينزلق قلم إعلامي - وبقصد هنا - في الدفاع عن تجربة الغناء باللغة العبرية في الكويت، من باب لا حرج في ذلك، كون اللغة العبرية تعود مع لغتنا العربية إلى مرجعية سامية واحدة دون الدخول في تفاصيل أكاديمية حول اللغة العبرية، نشأتها وتطورها واقترابها من العربية بحكم المرجعية السامية. فقد تلمس الشيخ محمد العوضي بعض جوانب هذا الموضوع بعلمية شديدة مقرونة بالنماذج التاريخية. فإن الذي يعنينا في هذه المسألة ان اللغة العبرية محملة اليوم برمزية (سلطة الاحتلال). بعد ان فقدت طابعها الديني، مثلها بالضبط مثل النجمة السداسية المعروفة باسم (ماجن دافيد) أي (درع داود) التي فقدت طابعها الديني والتاريخي بوصفها (ختم سليمان)، واكتسبت في القرن التاسع عشر طابعاً سياسياً عندما تم اعتمادها رمزاً لحلم الدولة الصهيونية في فلسطين.

وهنا نقول: لأن الفن برمته يقوم على القصدية والانتقاء والاختيار، فلا عفوية ولا عشوائية في ممارسته، هل يتغنى احد متسلطناً بلسان ومفردات وأدوات عدوه؟ وهل يدافع قلم عن سلوك فني غير صحيح؟ حينما يتم ذلك فإنما نكرس في حياتنا الثقافية صور الاحتلال ومظاهره.

هذه المسألة تعيدنا بالذاكرة دون تفاصيل تاريخية إلى موجة غناء (الفرانكو آراب) التي حاولت ان تجتاح الحياة الفنية والثقافية والمسرحية العربية منذ مطلع القرن العشرين، مقابل سيادة المسرح الغنائي العربي، فكان مصيرها الفشل. كونها تحمل في احشائها أحد مظاهر التأثر بالاحتلال والمحتل للأقطار العربية، وللحداثة الغربية الزائفة. فالفن لا يتطور الا من عجينته ومحليته. فالقضية لم تعد قضية (ايما) بل بالأقلام التي تدافع عن (ايما). وهذا ما يدفعنا للمضي إلى تبني وجهة نظر الدكتور فهد الهاجري أستاذ التمثيل والاخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت بقوله: «علينا ان نفتش عن اللاعبين الحقيقيين وراء هذه اللعبة، فهم يحملون بلا شك شهادة غير بريئة لتلويث صورة الكويت المقاومة للتطبيع. فإيما قد تكون بريئة. لكن من يدعمها معنوياً وإعلامياً غير بريء».

فإذا كانت النار بدايتها جمرة... فإن هدم الحضارات، وتشويه القيم، وتزييف التاريخ بدايتها فكرة. وأول طريق التطبيع كلمة وآخره نقمة. فمن يتباهون بثقافة محتلهم فهم مفلسون وقد عبر عنهم الرئيس الراحل هواري بومدين بالقول: «هؤلاء المشتاقون إلى الاستعمار» في حربه ضد فرنسة اللسان الجزائري، وهو ذو الأصول الأمازيغية. غير انه انتصر للمكونات الثقافية الإسلامية والعربية للجزائر، رافضاً سيادة اللسان الفرنسي في أروقة الدولة.

الغناء بالعبرية ليس من باب الثقافة والعالمية. وليس من باب تحسين مستوى الفن العربي، وليس من باب سد ما ينقص لغتنا وموسيقانا. بل هو تكريس وتدعيم لصورة المحتل الصهيوني لفلسطين ولأحلامه التوسعية وليس أولى من ذلك الا ان ادعوكم لقراءة مقاليّ الشيخ محمد العوضي فلعلكم تدركون ما بين السطور من طروحات. ولإيما أقول: دعيها تكون النهاية وليست البداية. لأن معركتنا الثقافية مع الذين دافعوا عن الباطل.

الدكتور نادر القنة

أستاذ الدراما والنقد المسرحي

شكراً لك دكتور نادر على هذه الروح الواعية، وكلماتك هي الحس الطبيعي لكل إنسان لديه حد ادنى من الغيرة والنباهة تجاه الحق والتاريخ. وأنا افترض حسن الظن بمن وقع في فخ الفن الملوث، وهنا استذكر حكمة أحمد شوقي: «العامة أذوق لحكمة الألحان، والخاصة أذوق لحكمة البيان»... أي العوام الذين صفقوا في الحفل للغناء العبري دون معرفة معاني كلماته هم قوم مع الطرب والصوت لكن المشكلة ان يسقط الخاصة من المثقفين في ذات المستنقع الصوتي بلا وعي ولا حكمة... وللحديث بقية.





محمد العوضي
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي