لقد تحدثنا في مقالة سابقة عن إيجابيات المصفاة الرابعة ومحاسنها، مبينين للقراء الأعزاء ضرورة تغيير الطريقة التي يتبعها القطاع النفطي في تعديه على البيئة في الكويت بشكل مباشر، وما تعانيه من جراء ذلك منطقة أم الهيمان من بيئة سيئة للغاية وأخطار قاتلة، فضاحية علي صباح السالم تعاني من تلوث بيئي وأمراض لا يعلمها إلا الله، والمواطنون الساكنون الذين يبلغ عددهم 45 ألف نسمة هم الذين يدفعون ثمن هذا الاهمال الحكومي... واليوم يأتيني الكثير من الرسائل الإلكترونية تدعوني الى الكتابة عن هذا الموضوع الكارثي، وكان آخرها من الأخ المهندس أحمد الشريع وهو من اللجنة البيئية التطوعية بضاحية علي صباح السالم «أم الهيمان» والذي ذكر في رسالته الكثير من النقاط المهمة التي تعاني منها هذه المنطقة المنكوبة منذ أعوام، اذ تقع منطقة أم الهيمان في جنوب محافظة الأحمدي وتضم ما يقارب الخمسة آلاف وحدة سكنية مع وجود مرافق خدماتية تابعة لها، ورغم جمال المنطقة إلا أنها تحيط بها خطوط الضغط العالي للكهرباء بقوة 300 ك ف تكاد تلامس مساكن الضاحية حيث تبدو هذه الخطوط من بعيد وكأنها تطوّق المنطقة بسلاسل عنكبوتية!! والمشكلة هنا تقع في موقعها السيئ والقريب من منطقة الشعيبة الشرقية والغربية، فهناك مصاف لتكرير البترول في ميناء عبدالله ومصانع صناعية أخرى، والمردم، وحقل نفط، ومركز لتجميع النفط في برقان والمقوع، وحقول نفط في منطقة الوفرة، وحقول نفط أم قدير...
كلها مصادر تلوث تساهم في تشويه البيئة في كل يوم، والأهالي القاطنون في أم الهيمان يستنشقون هواءً ضاراً لأن المنطقة تعاني من تلوث «هوائي - كهرومغناطيسي» وهو ما يتسبب في ضرر كبير على صحة الإنسان أولاً وعلى صحة البيئة ثانياً، وهناك حالات كثيرة متضررة من جميع الأعمار، كالإصابة بمرض السرطان، وحالات الربو، والحساسية التي أكدها التقرير الصادر من وزارة الصحة، اذ تبيّن ان أكثر المناطق السكنية تعرضاً للأمراض المتعلقة بالتلوث ومنها الاصابة بمرض الحساسية والربو هي منطقة «أم الهيمان»، ونتائج الإحصائيات لعام 2009 تفيد بأن العدد قد وصل الى 8074 حالة إصابة، واحصائية أخرى من مركز أم الهيمان الصحي تفيد بأن حالات الربو والحساسية قد بلغ عددها 1399 حالة وهي بالتأكيد تعتبر النسبة الأعلى من حيث الخطورة خلافاً لبقية سكان الكويت، ناهيك عن الضرر الذي يصيب أطفال السكان من ظهور بقع دم حمراء على الجلد، وحبوب في الجسم وسقوط شعر وغيرها من الأمراض الغريبة على الإنسان، والسؤال هنا: الى متى ستستمر تلك الجرعات السمومية أمام أهالي أم الهيمان؟ والى متى ستظل المعاناة المأسوية أمام صمت الجهات الحكومية المسؤولة مثل الهيئة العامة للصناعة، والهيئة العامة للبيئة، والهيئة العامة للرعاية السكنية؟ ففي الواقع لم تتحرك تلك الجهات الا قبل أيام حينما أقدمت على غلق 12 مصنعاً مخالفاً لقوانين البيئة من منطقة الشعيبة الغربية وكذلك الحال لأم الهيمان حيث من المقرر ان توصد فيها أبواب 11 مصنعاً مخالفاً خلال الأيام المقبلة، وهذا يعني ان التحرك البرلماني الجاد تجاه ملف تلوث أم الهيمان بدأ يتفاعل بشكل ايجابي، والايام المقبلة سنرى فيها العديد من المفاجآت.
إن تقرير لجنة شؤون البيئة في مجلس الأمة يحمّل الحكومة كامل المسؤولية ممثلة بالهيئة العامة للصناعة والهيئة العامة للبيئة على انها تتستر على كارثة التلوث البيئي لأم الهيمان، وبالتالي نرى ان الحكومة لا خيار أمامها سوى ازالة المنطقة عن بكرة أبيها أو ازالة جميع المصانع القريبة منها، وفي حال عدم رغبة الحكومة في ذلك، فليس أمامها سوى المساءلة السياسية. والسؤال هنا: لماذا لا تتقدم الحكومة بحلول بديلة تنقذها من هذه المشكلة التي أصبحت «عقيمة»، والحل الأمثل يتمثل بتثمين المنطقة، وترحيل الأهالي جميعهم الى منطقة أخرى جديدة تكون بعيدة عن هذه السموم القاتلة حتى يعيش أهالي أم الهيمان في أحسن حال... فهل هذا بعيد المنال؟ «حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه».
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي كويتي
[email protected]