فرق بين أن تبسط العميق من الفلسفات أو المفاهيم أو العلوم وبين أن تختزل العمق العلمي أو الثقافي بطريقة ساذجة ما يجعلك تقع في «التسفيه الثقافي» وهو البضاعة الرائجة اليوم في سوق الصحافة والفن والفكر والدين لذلك استكمالاً لمقالنا السابق «الصهيونية في جمعية الخريجين الكويتية» نقول: ما هو المغزى الثقافي أن تقوم فرقة موسيقى الانثروبولوجيا بتقديم أغنية باللغة العبرية في احتفال معلن في 27 فبراير الماضي، هل لأن العبرية مجرد لغة من اللغات العالمية كما يروج لها؟ وما علاقة اللغة والفن بالمجازات المعنوية للشعوب والسياسات؟
وهل يخلو توقيت الغناء بالعبرية من مضامين غير مباشرة في ظل هذا الاستكبار والاستهزاء الصهيوني بمقدسات المسلمين ودمائهم وأراضيهم وبالنظام الدولي الحقوقي الإنساني!!!
علينا أن نفرق بين اللغة العبرية الموغلة بالقدم، واللغة العبرية المعاصرة. فالأولى تعد من اللغات السامية من المجموعة الكنعانية، كان يتحدث بها الكنعانيون ثم اتخذها العبرانيون لغة لهم بعد استقرارهم في فلسطين أو أرض كنعان، وقد سميت هذه اللغة بالعبرية في وقت متأخر (انظر: عبدالوهاب المسيري، موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية).
أما الثانية، اللغة العبرية المعاصرة، فهي مسيّسة - وهذا بيت القصيد - لكون الكيان الصهيوني فشل في جعل التوراة الرباط المشترك بين يهود العالم. فالكتب الدينية لا يؤمن بها كثير من الاسرائيليين. لذلك عهدت الحكومة الصهيونية الى ان يكون الرباط اللغوي العبري هو الرباط القومي الوحيد وليس التوراة، كما ان اللغة العبرية تقوم على أسس (اسطورة بوتقة الصهرالإسرائيلية). لذلك جعلت الحكومة الصهيونية المشاركة في الأعمال ذات الأهمية والحساسية في الكيان السياسي مقصورة على من يُجيد اللغة العبرية المعاصرة مثل الجيش والموساد والخارجية ورئاسة الجامعات ومؤسسات البحث العلمي وفي مقدم ذلك الاعلام.
يهود أسبانيا كانوا يتحدثون باللادنيو، يهود شرق أوروبا يتحدثون باليديشية، البطل القومي اليهودي بركوخبا كان يتحدث بالآرامية، اليهودي مارتن بوبر كتب مؤلفاته بالألمانية، هرتزل كان لا يجيد التحدث إلا بالألمانية (في أحد المؤتمرات الصهيونية حاول أن يدخل السرور على قلب الحاخامات فنطق ببضع كلمات عبرية كتبت له بالابجدية اللاتينية).
وحسب إحصاءات 1970 فإن أكثر من (10) ملايين يهودي يتحدثون بالإنكليزية، و(3) ملايين يتحدثون باليديشية والروسية، وأكثر من (2) مليون يتحدثون الفرنسية والاسبانية ولا يتحدث العبرية المعاصرة إلا مليون ونصف المليون من الإسرائيليين وهم لا يتحدثونها طول الوقت!!
يضاف الى ذلك، إن اللغة العبرية المعاصرة تقوم على 80 في المئة من اللغة العربية و20 في المئة موزعة بين الانكليزية ولغات عالمية أخرى، والسبب في ذلك مجاورة لغة السفارد - اليهود الشرقيين للغة العربية واستفادتها منها بشكل كبير، واللغة العبرية التي يتعبد بها الاشكناز ليهود أوروبا أو الغرب تختلف عن اللغة العبرية التي يتعبد بها السفارد. لأن لغة السفارد التي تقوم على العربية المتألقة والمتفوقة اعتبرها الكيان الصهيوني منذ قيامه في العام 1948 على أرض فلسطين اللغة الرسمية له في التعليم والجامعات والاذاعة والتلفزيون والمسرح ولذلك راح ادباء الاشكناز يكتبون باللغة العبرية السفارد تعزيزاً لاسطورة (الدولة اليهودية الكبرى) وكل ذلك يجعل منها لغة مسيّسة ليس لها علاقة بالتراث اليهودي أو العالمي الذي يتوهمه أبناؤنا وبناتنا المنتمون لعالم الفن والموسيقى، ونوضح لهم لاحقاً لعبة المصطلحات والفرق بين العالمية والعولمية كما الفرق بين الدعوة للمساواة والتسوية، قلت في مقالي السابق أرجو ألا يكون هذا الحفل بداية اختراق ثقافي، انني ادعو فرقة موسيقى الانثروبولوجيا ان يقرأوا كتاب الحرب الباردة الثقافية (المخابرات الأميركية المركزية وعالم الفنون والآداب) للشابة البريطانية فرانتيس ستونر سوندرز ترجمة طلعت الشايب طبع المشروع القومي للترجمة الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر، فإن فيه من الوثائق المفرج عنها أخيراً الشيء المذهل لتوظيف الفنانين والفلاسفة والادباء في خدمة الأعداء والاستخبارات، وأقسى ما في الكتاب ما أسميه «المُغفّل المفيد» أي الذين جندوا لخدمة العدو من دون علم!!!
عجباً أن تحصل هذه الحفلة ذات الغناء العبري في الكويت التي كما تصفها الصحف الصهيونية (معاريف) و(هآرتس) بعاصمة ضد التطبيع، وكان أميرها الراحل الشيخ جابر - رحمه الله - صاحب مقولة الكويت آخر دولة يمكن أن تطبع، لأنه ما كان يدور بخلده أن يتفق الجميع على التطبيع، فكيف لو عاش ليرى ألحان العبرانيين تعزف بأنامل أبنائنا ولغتهم بحناجر بناتنا!!
ان رجالات الكويت رغم تباين مواقفهم واتجاهاتهم السياسية الا انهم يجمعون على كلمة لا للتطبيع... عبدالله النيباري، عبدالله النفيسي، أحمد الديين، أحمد الخطيب، ناصر الصانع، عدنان عبدالصمد... الخ. أرجو أن تكون غلطة فنية وقتية وتطوى. بقي أن نخبركم عن المعترضين من داخل «الخريجين» على ما حصل، وعلاقة ذلك بهاتف القناة الإسرائيلية الثالثة بطلب حوار معي في بلد محايد وأشياء أخرى.
محمد العوضي