قاطِعْ ولو منحوك الذهب

تصغير
تكبير

لو لم أرَ بعينيّ، لما صدقت. ثمة انتفاضة استهلاكية تشهدها الكويت تفاعلاً مع حملة مقاطعة الشركات المتعاطفة مع الكيان الصهيوني. ونجد البعض قد توسع في الحملة وبالغ حتى صارت تطول كل ما هو أجنبي حتى ولو لم يتبين دعمه للكيان الصهيوني، وهي خطوة تبين أن سخط الناس قد بلغ مداه.
في المقابل، نسمع أصواتاً تثبّط عن المقاطعة بحجج مختلفة أهمها الضرر الواقع على التاجر أو الوكيل المحلي. نعم، نعلم أن التاجر الكويتي هو من يتلقى الضربة الأولى، وهذا ضرر لا نوده لكننا نُضطر إليه. حينما يقاطع المستهلك فهو عملياً يلوي ذراع الوكيل المحلي، ليضغط بدوره على الشركة الأم التي ما حركتها إنسانيتها، لكن قد يحركها احتمال فقدانها لوكيلها المحلي وما يردها من أرباح منه. ما يحدث للتاجر المحلي «اضرار جانبية» إذا جاز التعبير، والتجارة نشاط محفوف بالمخاطرة، هذا ديدنه.

المقاطعة امتناع عن فعل اختياري. هي وسيلة سلمية راقية، والدعوة إليها حق أصيل للمستهلك الذي له مطلق الحق في أن ينفق ماله كما يهوى. يُقال «الزبون دائماً على حق». نعم، الزبون وليس التاجر. لكن لدينا قوم «ملكيون أكثر من الملك»!
ماذا لو قررتُ شن حملة ضد مطاعم الأغذية السريعة مثلاً؟ هل سأجد من يتهمني بالإضرار بتجار البلد؟ بل غالب الظن أن بعض هؤلاء سيشاركونني في الحملة! فصحتهم وصحة أبنائهم أهم من مصلحة التاجر المحلي. فلماذا يتغير الموقف جذرياً حينما يتعلق الأمر بفلسطين؟ يبدو أن الأغذية السريعة أخطر من الكيان الصهيوني!
سمعنا أيضاً مَن يفتي بعدم جواز المقاطعة دون موافقة ولي الأمر. وبعيداً عن الردود الوافية التي جاء بها أهل العلم الشرعي عليه، فلو سلمنا جدلاً بوجاهة هذه الفتوى، فسنجد أن الواقع يقول إن ولي الأمر قد سمح ضمنياً بالمقاطعة، وذلك من خلال الدستور والقوانين المعمول بها في الكويت، والتي ليس من بينها قانون يوجب الحصول على موافقة قبل البدء في حملات المقاطعة. مَن ينادي بمثل هذا الرأي يوقع نفسه في حرج الظهور بمظهر غير المدرك للنضوج التشريعي الذي وصلت إليه الكويت.
المقاطعة هي المنبر الوحيد والسلاح الأخير للشعوب للتعبير عن ألمها. والسهام الموجهة إليها مصادرةٌ لحق الشعوب في أن تشعر، وتجريد لها من صوتها. ويبدو أن البعض يتأذى حين يرى هذه الأمة حية تنبض، وتقدر على اتخاذ موقف، وتجسر على قول «لا».
تتزامن هذه الانتفاضة الاستهلاكية مع إعلان السويد عدم تجديد إقامة حارق القرآن الكريم، في إضاءة تبشر بأن المقاطعة مجدية، خاصة إذا تضافرت مع جهود رسمية في هذا الصدد. فأين الذين قللوا من شأن تلك المقاطعة؟
يقول البعض، «إذاً، قاطعوا وسائل التواصل الاجتماعي المنحازة إلى الكيان الصهيوني بخوارزمياتها الموجهة». وأقول إننا لا نقاطع هذه الوسائل لأنها أرض المعركة بالنسبة إلينا. نحن باقون فيها لأن بقاءنا أبلغ من مقاطعتنا. فنحن نريد «عنباً، لا رأس الناطور»، والمقاطعة وسيلة وليست غاية.
المقاطعة غيمة ماطرة منتظرة، ينصر بها الناس قضية يؤمنون بها من جهة، ويعيدون النظر في خياراتهم الاستهلاكية من جهة أخرى. بها يخرجون من ربقة أنماطهم الشرائية القديمة، ليصبحوا مستهلكين أوعى وأقوى.
وكما قال الشاعر أمل دنقل: «لا تصالح ولو منحوك الذهب»، نقول «قَاطِعْ ولو منحوك الذهب». قاطعْ لأن يدك هي العليا، قاطعْ لأنك على حق.
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي