رؤية ورأي

خديعة المحكمة الدستورية

حتى لا تتجدّد حالة الإحباط لدى الشعب، بل حتى لا تستفحل الحالة، بعد مرور شهور قليلة على الانتخابات المرتقبة وتشكيل مجلس 2023؛ ينبغي أن نستحضر هذه الأيّام، قبل يوم الانتخابات، الأسباب والعوامل التي أدّت إلى إحباط الشعب. ثم نحسن الاختيار والتصويت في يوم الانتخاب، وفق مواقع ومواقف النوّاب السابقين تجاه تلك الأسباب والعوامل، ووفق رؤى المرشحين حول كيفية تفادي تكرارها في المجلس المقبل.

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو نجاح مجاميع نوّاب الفشل والشلل النيابي في المجلسين الأخيرين، 2020 والمبطل الثالث، في تضليل الرأي العام عبر خديعة اختزال أسباب حالة الإحباط في سبب واحد فقط، وهو حكم المحكمة الدستورية الذي أبطل بموجبه مجلس 2022.

صحيح أن حكم الإبطال أحد أسباب الإحباط الجمعي، إلا أنه ليس السبب الوحيد ولا الأبرز. فأسباب الاحباط متعدّدة، وأبرزها نقض ونكث نوّاب الأغلبية وعودهم الانتخابية، وارتدادهم وانقلابهم على مبادئهم المعلنة، التي بها خدعوا الناخبين وتكسّبوا أصواتهم.

فبعد طول انتظار، صُدم الشعب بفشل المعارضة في مجلس 2020 لانشغالها بترحيل الرئيسين الغانم والخالد، على حساب أولويات الشعب ومشاريع الإصلاح والتنمية التي تبنّتها في حملاتها الانتخابية. ثم صُعق الشعب بالعجز وحالة الشلل السياسي اللتين عانت منهما المعارضة في مجلس 2022.

وبعد ذلك، احتار وبُهت الشعب عندما شاهد وسمع أبطال المعارضة العاجزين وهم يحاولون تبرير شللهم السياسي بالادعاء أن الحكومة وحدها المسؤولة عن تحريك عجلة التشريع ومشاريع الإصلاح والتنمية، بذريعة أنها هي التي تمتلك المعلومات والإمكانات وتحتضن الخبراء والمستشارين، متناسين مئات الاقتراحات بالقوانين التي أقرّتها المجالس السابقة رغم معارضة الحكومة عند تقديمها.

هناك أسباب أخرى لاستشراء الإحباط واليأس من مجلس الأمّة، من بينها قصر أعمار مجالس الأمة، سواء كان ذلك بسبب أحكام إبطال ناتجة عن أخطاء حكومية أو كان بسبب مراسيم حل لاستشراء الفساد أو الغوغائية في المجلس، وأيضاً من الأسباب تكرار حملات الطعن والتشكيك في سلامة قرارات المحكمة الدستورية التي لا تتبعها تشريعات لتعزيز معايير الحياديّة والنزاهة في المحكمة الدستورية، وكذلك من الأسباب تزايد شبهات وشواهد تزوير نتائج الانتخابات من دون تشكيل لجان تحقيق برلمانية للتحقق من نزاهتها.

سأكتفي هنا بالإشارة إلى آليّة لتفادي أو تقليل احتمال تجدّد السبب الرئيس للإحباط الجمعي، ألا هو الشلل السياسي. تتمحور هذه الآلية حول تقييم دور كل نائب سابق في أزمة الشلل السياسي، التي أدّت إلى تفشي مشاعر اليأس والإحباط لدى شريحة واسعة من الناخبين. وتستوجب هذه الآلية استنطاق المرشحين في شأن مرئيّاتهم ومقترحاتهم لمنع تجدّد الشلل.

ينبغي مطالبة المرشحين الإعلان – في لقاءات متلفزة وندوات انتخابية – عن مواقفهم في حال تكرار واحد أو أكثر من مقدّمات ومشاهد الشلل السياسي في المجلس المقبل، وذلك حتى يتمكن الناخب من قياس قوة مناعتهم من الإصابة بالشلل النيابي والسياسي.

عليهم التصريح عن دورهم في حال انعقاد جلسة افتتاحية بقوة المادة (87) من الدستور – كتلك التي عقدت مبتورة في المجلس المبطل الثالث – ثم بيان موقفهم تجاه من يغيب عن تلك الجلسة الدستورية ومن يتبنّى حضور الحكومة كشرط لصحة انعقاد الجلسات، هل سوف ينتخبونه لشغل منصب رئيس المجلس أو نائبه؟ وقبل كل ما سبق عليهم التعهّد علناً بتفعيل أدوات المراقبة والمحاسبة الدستورية بحق سمو رئيس الحكومة إذا غابت الحكومة عن ثلاث جلسات متتالية أو خمس جلسات منفصلة خلال الفصل التشريعي.

تغييب الدور المعيب للنوّاب السابقين، عبر خديعة اختزال أسباب الإحباط في حكم المحكمة الدستورية، عزّز كثيراً فرص عودتهم إلى المجلس، ولكن مؤدّاه المرجّح أزمة إحباط أوسع وأخطر... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».

abdnakhi@yahoo.com

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي