قال تعالى {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
في الذكرى السنوية الثانية لفراق ورحيل ولدي (مهدي)، من قد وصفه الله تعالى بزينة الحياة وجمالها والذي يعتبر قطعة من الفؤاد، رحمك الله يا من بقيت حياً في قلوبنا، أتنفس حبه وذكراه بأدعيتي كل صباح ومساء.
فلا أحد يشعر بمعنى الفراق إلا من سمع كلمة (عظم الله أجرك)، الموت يوجع القلوب ويفجعها فلا أقسى من الفقد أبداً، فرحم الله من عاش دون أحبته، فالعيش دون من نحب مؤلم.
وصدق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عندما سئل: أهناك أشد من الموت؟
قال: فراق الأحبة أشد من الموت!
فَكَمْ مِنْ صَحِيحِ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ
وَكَمْ مَنْ سَقِيمٍ عَاشُ حِينًا مِنْ الدَّهْرِ
وَكَمْ مِنْ فَتًى أَمْسَى وَأَصْبَحَ ضَاحِكًا
وَإِكْفَانِهِ فِي الْغَيْبِ تَنْسَجِ وَ هُوَ لا يَدْرِي
لم أكن أتوقع يا ولدي بأن يأتي ذلك اليوم الذي أبكيك فيه وأذرف الدموع لفراقك، ولا أنّ أتقبل فيك العزاء، بل كنت أنتظر أن تقوم انت بهذا التكليف وتذرف هذه الدموع على فراقي، وأن تأخذ العزاء بعد مماتي، فما أحرقها من دموع على فقدك و فراقك، ذهبت بعيداً عنا منتقلاً إلى حياة أخرى، ولكننا نجدك دوماً حاضراً معنا بروحك المرحة وقلبك الطيب وذكرياتك الجميلة، فأنت الغائب الحاضر، كانت لك أمنيات وأحلام تريد أن تحققها في المستقبل، ولكن الأجل كان سريعاً، ذهبت وغادرت هذه الدنيا الفانية وتركت لنا وجعاً لن ننساه، وقد جاء الوقت الذي أنعيك فيه يا فلذة كبدي يا (مهدي).
ففي مثل هذا اليوم من هذا العام صادفت الذكرى السنوية الثانية لرحيلك يا ولدي (مهدي) من هذه الدنيا الفانية وتزامنت مع يوم التخرج ونيلك الشهادة الجامعية والذي كنت انتظره طويلاً لنحتفل به معاً.
وبالرغم من أننا نؤمن بالقضاء والقدر إلا أن هناك من الذكريات التي تظل محفورة في قلوبنا والتي لن تُنسى، منها المفرح ومنها المحزن، وخاصةً الأحداث المؤلمة والتي نتذكر أدق تفاصيلها، وقد عادت بي الذكريات إلى سنوات مضت عندما تخرجت من الثانوية العامة، فكم فرحنا بتلك المناسبة، والفرحة كانت أكبر عندما شاهدت طموحك وتطلعك للمستقبل بدءاً من اختيارك لاستكمال دراستك الجامعية في البعثات الخارجية وأنت شاب في السابعة عشرة من العمر، وهنا كنا أنا ووالدتك رفيقين وصديقين لك بالسفر ففي السنة الأولى كنا معاً نتناوب على التواجد معك طوال السنة الأولى من دراستك، وكنت خائفاً عليك في الغربة إلا أنني كنت أكتشف فيك صفات الكبار يوماً بعد يوم، قد أجمع كل من عرفك صغيراً وكبيراً على حسن أخلاقك وطيبة قلبك وابتسامتك التي تبثّ التفاؤل في قلوب الآخرين، فسكنت مشاعرهم حيّاً فلم ينسوك ميّتاً.
ولدي مهدي... رحلت وتركت الأثر الطيب والذكرى الجميلة رغم صغر سنك ورحيلك السريع، وأنت في ريعان شبابك.
اتذكر اللحظات الأخيرة من لقاءاتنا في تلك الليلة، والتي لم نكن نعلم بأنها ستكون لحظات الفراق الأخيرة، بعثت لي رسائل عدة لا تزال تدوي في عقلي:
-لا تخف علي يا أبي.
- بالرغم من أني في الغربة فأنا أعرف ديني ومتمسك به وملتزم بالصلاة والدعاء لله.
- أوعدك بأني سأنال شهادة الدكتوراه وسترفع رأسك مفتخراً بي يا أبي.
هكذا هي الحياة والقضاء والقدر، لم تتحقق تلك الأحلام، وعزائي أني عندما أتذكر هذا الفراق الطويل الذي طال لمدة سنتين والذي أشعر كأنه حدث بالأمس القريب، وكأنك كنت معي طوال هذه المدة، أتواصل معك وتتواصل معي ولم تغب عن مشاعري لحظة واحدة بالرغم من رحيلك، فإني أحسُ خلال تلك الفترة بأنك قد نلت ما هو أفضل من الشهادة العلمية، فحزت على المحبة والذكر الطيب، محبة أسرتك وعائلتك وأصدقائك وأسرهم الكريمة بل شملت تلك المحبة الغرباء الذين لا يعرفونك وتلك (المحبة) هي أكبر من أي شيء في الدنيا، ومن عرفك فقد عرفك ومن لم يعرفك فقد سمع عنك.
-أنعم الله على أسرة صديقك (عيسى) بمولود (حفظه الله) بعد فقدك وسموه باسمك تيمناً بك ومحبةً ووفاءً لك من صديقك وأسرته الكريمة، وقد أبلغني بتلك البشارة قاصداً بث الفرحة في قلبي، وبالفعل فقد فرحت بتسميتهم المولود الجديد باسمك فكل الشكر للأسرة الكريمة.
قسماً بالله العظيم يا ولدي (مهدي) أنا أفتخر بك فأنت نلت ماهو أعظم مما وعدتي به وهي (محبة) الناس لك.
وأقول كلمة أختم بها كلامي، لله فيها رضا ولي ولكل أسرة كريمة عبرة، إن الأبناء نعمة من الله تبارك وتعالى وأمانات لا نعلم متى ستسترد، ويجب أن نصون هذه النعمة والأمانة، ولنا في رسول الرحمة صلى الله عليه وآله أسوة حسنة (و ربوا أبناءهم على الخير والصلاح واجعلوا بيوتهم مدرسة للدين والاخلاق وأغلقوا على الأبناء منافذ الشر وافتحوا منافذ الخير وصاحبوهم وعلموهم ودربوهم حتى يكون الولد مثل أبيه أو أفضل منه).
و ليكون مصداقاً للمثل المشهور:
( اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).
فلا شك بأننا ميتون عاجلاً أم آجلاً ولكن ما يبقى هو العمل الطيب، والسيرة الصالحة، والخلق الرفيع، فمن هذا يجب أن نعرف كيف نؤدي الأمانة ونصون النعمة.
يا مهدي... غادرت أسرتك الصغيرة، وذهبت إلى أرحم الراحمين، و تبقى إرادة الله فوق كل شيء، وليس لنا إلا التسليم بإرادة الله، بعدما استُرِدّت الأمانة، ونرجو من الله أن نكون قد وفّقنا في التربية الصالحة لولدنا الغالي (مهدي) رحمه الله بما يرضي الله.
أيدري القبر من فيهِ؟
فيهِ الفؤادُ ومن بالروح أفديهِ
لولا الإلهُ وإيمانٌ أدينُ بهِ
لكنتُ قُربكَ أشفي ما ألاقيهِ
لكنها سنةَ اللهِ التي سَلَفَتْ
إن الإلهَ لما قد شاءَ ممضيهِ
كم من فواجعٍ شتى قد بُليتُ بها
لكنّ موتكَ لا شي يداريه
( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )