مشاهدات

ثلاجات الخير... بذل أم تقتير؟

تصغير
تكبير

{لن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيم}.

إن هذه الآية الكريمة تلفت انتباهنا إلى أن التصدّق يكون بأحسن الأشياء التي نحبها، على سبيل المثال هناك البعض يتصدّق بملابسه القديمة البالية!

وآخر يتصدّق بالأواني المنزلية المكسورة والملاعق غير الصالحة والأثاث والبطانيات القديمة!

ومنهم مَنْ ينفق القليل من الأموال، ولو أردْنا أن نتصدَّقَ بطعام، جمعْنا ما عافتْهُ معدتنا، وملَّت منه أنفسنا، ومضى عليهِ أيَّام، وتصدقنا به لوجه الله؟

وهنا يخاطبنا المولى عز وجل لن تدركوا البر {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.

أيْ مما تحبها أنفسنا من أموال وأمتعة ومقتنيات وأطعمة...

فإنَّنا إن قدَّمنا (محبَّة الله) على (محبَّة الأموال والمقتنيات) وبذلناها في مرضاتِه، دل ذلك على إيماننا الصادق، وحبنا لعمل الخير والإحسان إلى الناس

لله الحمد والمنّة، فالكويتيون منذ القدم جبلوا على عمل الخير والإسهام في التكافل الاجتماعي لمساعدة المحتاجين والمساكين والمنكوبين بغض النظر عن الدين أو اللون، فالهدف التقرّب إلى الله عز وجل ومنها إطعام الطعام.

في السنوات الأخيرة تسابق المحسنون لتقديم الفائض من الطعام إلى المحتاجين يومياً عبر حفظه في البرادات المنتشرة في كل مناطق الكويت.

وهناك بعض المتبرعين يضعون أطعمة لم تمس وتكون طازجة، مما يسبّب حالة من التفاعل الإيجابي من المحتاجين، بالاضافة إلى حفظه فى علب خاصة وبطريقة جميلة بحيث يُقبل عليها المحتاج بكل رحابة (العين تأكل قبل الفم).

فهل هذا ينطبق على الآية الكريمة:

(وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

فأين نحن من هذا الإيثار؟!

إيثار الشيء واختياره وتقديمه لغيره، والخصاصة تعني الفقر والحاجة، فهؤلاء يعيشون روحية العطاء في أجواء الحرمان الذي يصيب بعض الفئات الاجتماعية المحرومة الخاضعة لبعض الظروف الضاغطة عليهم، فيقدمون لهم الطعام في لمسة تعبيرية رائعة.

كل الوسائل الإعلامية والمدارس والأسرة والمجتمع المدني له تأثير مباشر على بناء شخصية الإنسان المُحسن، من خلال تسليط الضوء على هذه الشعيرة الحسنة، ويعتقد البعض خاطئاً بان المسلم قد يكون أكثر من غيره من الشعوب الأخرى إنفاقا ومساعدة المحتاجين والمنكوبين، وهذا منافٍ للحقيقة، فهناك الكثيرون ممَنْ هم ليسوا بمسلمين يتسابقون لعمل الخير ومد يد المساعدة للفقراء والمحتاجين والمنكوبين وينافسون المسلمين في هذا المجال الإنساني، فهي قضية إنسانية وإخلاقية بالدرجة الأولى، فعلى سبيل المثال حاتم الطائي، لم يكون مسلماً ومع هذا ضُرب به المثل في الأخلاق والكرم والانسانية ومد يد العون للآخرين، فلذلك عندما أسرت ابنته (سفانه) أكرمها النبي وقال لها «إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق».

يُعاني مجتمعنا من عدم فهم ثقافة الإنفاق، فلهذا نجد فيها الكثير من المثالب والعيوب، والأسباب الرئيسية لهذا الأمر هو الابتعاد عن المبادئ الأخلاقية والدينية السمحة وعدم فهمها بطريقة صحيحة، فهناك مَنْ ينفق مما لايحب وهذا يتعارض مع الآية الكريمة (حتى تنفقوا مما تحبون).

هناك مشاهد سلبية عدة نلاحظها في هذا الأمر، سواء من المتبرع أو المتلقي نذكر منها:

1/ المتبرع

- وضع الطعام بطريقة غير لائقة فى الأكياس.

- الطعام مضى عليه أيام.

- خلط أنواع متعددة من الأطعمة في وعاء واحد.

- وضع المرق والشوربة بعلب غير محكمة الإغلاق مما يؤدي إلى انسكابه بالثلاجة.

- المياه المعدنية والعصائر والمشروبات الغازية تضع في ثلاجة الأطعمة ذاتها.

2/ المتلقي

- فتح علب الاطعمة بالثلاجة وأخذ ما يريد، وإلقاء ما لا يريد بطريقة غير منظمة مما يؤدي إلى تناثر الأطعمة بالثلاجة.

- قيام شخص واحد بأخذ جميع الأطعمة والمشروبات والعصائر والماء، وعدم الاكتفاء بأخذ حاجته فقط وعدم ترك المتبقي لغيره.

فما الحل لهذه المشكلات؟

1/ الاعتماد على اللجان الخيرية والفرق التطوعية لأخذ هذه الأطعمة وتوزيعها مباشرة إلى المحتاجين الحقيقيين الذين هم بحاجة للطعام.

2/ اقامة موائد الغذاء والعشاء في المساجد أو الخيم الرمضانية لإطعام المحتاجين على مدار السنة.

3/ الاعتماد على برادات الماء (ماء سبيل) بدلاً من تلك الثلاجات (فالمحتاج هنا يأخذ حاجته فقط).

4/ فكرة الثلاجة جيدة ان توافرت الثقافة الصحيحة في كيفية أخذ ما نحتاج إليه فقط وإفساح المجال للآخرين.

5/ يجب على المتبرع متابعة صيانة الثلاجات بطريقة دورية لتفادي الأعطال والقيام بعملية النظافة.

(مشاهدات سيئة)

1/ للأسف هناك البعض من المواطنين والوافدين يقومون بإلقاء بواقي الطعام بجانب تلك الثلاجات لإطعام القطط والكلاب السائبة والطيور، بحيث أصبحت تتجمع بجانب الثلاجات، مما يؤدي إلى انبعاث روائح غير طيبة، وهذا يتسبّب في نفور بعض المتبرعين من الاقتراب من الثلاجة وشعورهم بالاشمئزاز من هذه المناظر السيئة، ناهيك عن الخوف الذي قد ينتاب بعض أخواتنا المتبرعات من الاقتراب من الثلاجة لوضع ما تجود به أياديهن.

2/ انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي في شهر رمضان المبارك تسجيل لأحد شبابنا المتطوعين في عمل الخير لإطعام الصائم وقد جانبه الصواب عندما قام بالتدقيق على هوية المحتاجين للتأكد بأنه مسلم؟ وكان تصرفاً عفوياً لا اعتقد أنه مقصود، إنما هو تصرف عفوي بريء لاعتقاده أن هذا الطعام هو فقط للصائمين المسلمين وأن غير المسلمين لا حظ لهم فيه ولم يكن قصده التفرقة بين المحتاجين ومع هذا كان تعامله معهم إنسانياً.

فإطعام الطعام في الأماكن السكنية العامة هو للجميع ولا تحدد لفئة دون الأخرى، قال تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينا ًوَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا».

وكذلك تصوير المحتاجين والتشهير بهم في وسائل التواصل لا يجوز شرعاً، فالعطاء يجب أن يكون بالسر لا بالعلن، وان كان هناك مَنْ يود إطعام فئة معينة فعليه التوجه إلى أماكن سكنهم أو يدعوهم إلى منزله الخاص أو يتم توزيع الطعام عليهم بالمساجد.

ختاماً:

نحتاج إلى نشر الوعي لنحافظ على النعمة والحد من مشكلة هدر الطعام من خلال تبيان أهمية تنظيم واستهلاك الطعام في منازلنا.

إِنّي لَتُـطرِبُـنـي الخِـلالُ كَـريمَـةً --- طَرَبَ الغَريـبِ بِأَوبَـةٍ وَتَـلاقٍ

وَتَهُزُّني ذِكرى المُـروءَةِ وَالنَـدى --- بَينَ الشَمـائِـلِ هِــزَّةَ المُشتـاقِ

فَـالـنـاسُ هَــذا حَـظُّـهُ مــالٌ وَذا --- عِـلـمٌ وَذاكَ مَـكــارِمُ الأَخـلاقِ

اللهم أحفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمدلله رب العالمين.

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي