حديث / لوحة من القهوة التركية
لوحة للفنان شادن التويجري
| سوزان الطيب |
على المنضدة القريبة من الزجاج المزركش بقطرات المطر كانت تجلس كما اعتدت ان أراها في نفس المكان كل يوم، في نفس الوقت، تفعل نفس الشيء تطلب ذات الطلب، يحيط بها الحزن والغموض، أمامها أوراق مبعثرة ويبدو** ان خلفها أياما أكثر بعثرة تضع يدها تحت جبهتها وبين أصابع يدها الأخرى قلما ينزف فوق رقائقها، كنت قد أدمنت ان أراها ولا أعرف سبب ذلك!
لم أكن اجلس بعيدا عنها كنت قريبا بدرجة جعلتني استنشق عبير عطرها وأشعر بحركة أنفاسها، كانت ترفع رأسها من حين لآخر فتتأرجح عيناها يمينا ويسارا باحثة عن شيء ما، كانت لا ترى احدا، بل لا تشعر أصلا بوجود احد، مع أنها لا تخفى على احد، كانت مثل الملائكة، يشع منها النور ويحيط بها، يزيدها هدوؤها جمالا، يسكنها شجن وحزن دفين، حين تنظر نحوها ترى حولها زهورا وشموعا، ترى حولها شموسا ونجوما، ترى فيها الحياةَ كاملةَ، وفي ذاك اليوم كنت قد شرعت في رسم احدى لوحاتي، فتوقفت وظللت أترقبها، وهي غير مكترثة لأحد سوى أوراقها وقلمها، كانت تذهب بعيدا فتأتي بالأفكار ثم تلقيها على أوراقها، الى ان جاءها النادل وسألها ماذا تشرب، فنظرت له من تحت زجاجتين محظوظتين فشعرت بقلب الرجل سينخلع حين اجابته من هذا الثغر العذب ذي الجواهر قائلة: فنجان قهوة حينها لم اشعر بنفسي الا وأنا عند طاولتها قائلا: آتنا باثنين، ثم جلست كل ذلك بلا شعور لا أدري ما الذي حركني وأعطاني الجرأة، كان الذهول قد ملأ وجهها وشل لسانها فتلعثمت قائلة: من أنت وكيف؟، فلحقتها أنت من؟ من تكونين؟ هل أنت من عالم آخر، أتراك جنية، أم حورية، أم ماذا هل، تعتقدين اني مجنون؟ فليكن، لمدة خمس دقائق فقط، لم كل هذا الشجن، والوحدة، والشرود؟ ثم ما هذه الهالة النورانية من تكونين، وماذا تكتبين...؟ أتدرين، ان نصفك امرأة، والنصف الاخر حلم، لكن لم الحزن؟ وهل مثلك يحزن أأنت عروس بحر تبكي عند الشاطئ، كنت اطرح كل تساؤلاتي بسرعة دون انقطاع كي لا افقد جرأتي تصلبت مقلتاها وهي تسمعني وبعد لحظات من الصمت ابتسمت ثم قالت: أنا لست كل هذا رغم ما تراه أيها المجنون، وهل هذا بأيدينا ان هذا الحزن يغزونا فيعيشنا ونعيشه فيشكلنا ويغلفنا فيصبح جزءا منا، ومع الوقت نصبح جزءا منه دون ان نشعر، فنحن كالكتاب ذي الصفحات البيضاء يُخَط فيقرأه الآخرون ان حزني هو حزن الجميع فأنا لا احزن لأمر شخصي فقط وانما احزن لكل آلم ويائس وبائس في هذا العالم، إنني اهتم لأمر هؤلاء المرضى والعجزة استشعر ما يشعرونه وألمس ما يلمسونه تستطيع ان تقول انها هواية اعمل على المساعدة قدر ما استطيع، ولو يكون فقط بالمؤازرة والتعاطف، كنت انظر إليها وهي تتحدث وكأني اقرأ لوحة غامضة أحاول فك رموزها، أحاول فهمها، وكأني أغوص في بحر عميق، كانت كلماتها وحركاتها وسكناتها ونظراتها حلما جميلا والأكثر من ذلك ارتشافها للقهوة سعيدة الحظ، يا الله ما هذا وما شعور القهوة حين ترتشفها ما هذا التناغم والتواصل والرقي، كانت القهوة تتراقص فرحا داخل الفنجان ويتراقص معها قلبي، وحين انتهت وضعت الفنجان على المنضدة فكاد صوت التصادم ان يقتلني، لملمت أشياءها وقررت الرحيل وأنا لا املك حيلة أريد ان أجلسها بالقوة فلقد مزقني الحديث العذب، لكنها كانت كالرياح القوية، رحلت مسرعة، تاركة خلفها فقط باقي فنجان القهوة، لم يبق لي الا هو، وهل هو بالقليل، مددت يدي نحوه وأمسكت به ونظرت داخله الى الباقي الحزين مثلي، ثم حدثته أتظن أني تاركك تذهب سُدى كيف اترك ما تبقى من أسطورتي يفنى لن يحدث هذا سوف أجعلك تحيا في لوحاتي، وتسكنها، أمسكت بفرشتي ووضعتها داخله وبدأت ارسم أجمل لوحاتي ببقية قهوتها، ما أجمل ان ترسم وتبدع من خلال من تحب، وبقرب من تحب، عشت اصدق لحظات قرب امتزج فيها ما أحب بمن أحب، وشعرت حين انتهيت بأنها مازالت معي وستبقى معي الى الأبد.
على المنضدة القريبة من الزجاج المزركش بقطرات المطر كانت تجلس كما اعتدت ان أراها في نفس المكان كل يوم، في نفس الوقت، تفعل نفس الشيء تطلب ذات الطلب، يحيط بها الحزن والغموض، أمامها أوراق مبعثرة ويبدو** ان خلفها أياما أكثر بعثرة تضع يدها تحت جبهتها وبين أصابع يدها الأخرى قلما ينزف فوق رقائقها، كنت قد أدمنت ان أراها ولا أعرف سبب ذلك!
لم أكن اجلس بعيدا عنها كنت قريبا بدرجة جعلتني استنشق عبير عطرها وأشعر بحركة أنفاسها، كانت ترفع رأسها من حين لآخر فتتأرجح عيناها يمينا ويسارا باحثة عن شيء ما، كانت لا ترى احدا، بل لا تشعر أصلا بوجود احد، مع أنها لا تخفى على احد، كانت مثل الملائكة، يشع منها النور ويحيط بها، يزيدها هدوؤها جمالا، يسكنها شجن وحزن دفين، حين تنظر نحوها ترى حولها زهورا وشموعا، ترى حولها شموسا ونجوما، ترى فيها الحياةَ كاملةَ، وفي ذاك اليوم كنت قد شرعت في رسم احدى لوحاتي، فتوقفت وظللت أترقبها، وهي غير مكترثة لأحد سوى أوراقها وقلمها، كانت تذهب بعيدا فتأتي بالأفكار ثم تلقيها على أوراقها، الى ان جاءها النادل وسألها ماذا تشرب، فنظرت له من تحت زجاجتين محظوظتين فشعرت بقلب الرجل سينخلع حين اجابته من هذا الثغر العذب ذي الجواهر قائلة: فنجان قهوة حينها لم اشعر بنفسي الا وأنا عند طاولتها قائلا: آتنا باثنين، ثم جلست كل ذلك بلا شعور لا أدري ما الذي حركني وأعطاني الجرأة، كان الذهول قد ملأ وجهها وشل لسانها فتلعثمت قائلة: من أنت وكيف؟، فلحقتها أنت من؟ من تكونين؟ هل أنت من عالم آخر، أتراك جنية، أم حورية، أم ماذا هل، تعتقدين اني مجنون؟ فليكن، لمدة خمس دقائق فقط، لم كل هذا الشجن، والوحدة، والشرود؟ ثم ما هذه الهالة النورانية من تكونين، وماذا تكتبين...؟ أتدرين، ان نصفك امرأة، والنصف الاخر حلم، لكن لم الحزن؟ وهل مثلك يحزن أأنت عروس بحر تبكي عند الشاطئ، كنت اطرح كل تساؤلاتي بسرعة دون انقطاع كي لا افقد جرأتي تصلبت مقلتاها وهي تسمعني وبعد لحظات من الصمت ابتسمت ثم قالت: أنا لست كل هذا رغم ما تراه أيها المجنون، وهل هذا بأيدينا ان هذا الحزن يغزونا فيعيشنا ونعيشه فيشكلنا ويغلفنا فيصبح جزءا منا، ومع الوقت نصبح جزءا منه دون ان نشعر، فنحن كالكتاب ذي الصفحات البيضاء يُخَط فيقرأه الآخرون ان حزني هو حزن الجميع فأنا لا احزن لأمر شخصي فقط وانما احزن لكل آلم ويائس وبائس في هذا العالم، إنني اهتم لأمر هؤلاء المرضى والعجزة استشعر ما يشعرونه وألمس ما يلمسونه تستطيع ان تقول انها هواية اعمل على المساعدة قدر ما استطيع، ولو يكون فقط بالمؤازرة والتعاطف، كنت انظر إليها وهي تتحدث وكأني اقرأ لوحة غامضة أحاول فك رموزها، أحاول فهمها، وكأني أغوص في بحر عميق، كانت كلماتها وحركاتها وسكناتها ونظراتها حلما جميلا والأكثر من ذلك ارتشافها للقهوة سعيدة الحظ، يا الله ما هذا وما شعور القهوة حين ترتشفها ما هذا التناغم والتواصل والرقي، كانت القهوة تتراقص فرحا داخل الفنجان ويتراقص معها قلبي، وحين انتهت وضعت الفنجان على المنضدة فكاد صوت التصادم ان يقتلني، لملمت أشياءها وقررت الرحيل وأنا لا املك حيلة أريد ان أجلسها بالقوة فلقد مزقني الحديث العذب، لكنها كانت كالرياح القوية، رحلت مسرعة، تاركة خلفها فقط باقي فنجان القهوة، لم يبق لي الا هو، وهل هو بالقليل، مددت يدي نحوه وأمسكت به ونظرت داخله الى الباقي الحزين مثلي، ثم حدثته أتظن أني تاركك تذهب سُدى كيف اترك ما تبقى من أسطورتي يفنى لن يحدث هذا سوف أجعلك تحيا في لوحاتي، وتسكنها، أمسكت بفرشتي ووضعتها داخله وبدأت ارسم أجمل لوحاتي ببقية قهوتها، ما أجمل ان ترسم وتبدع من خلال من تحب، وبقرب من تحب، عشت اصدق لحظات قرب امتزج فيها ما أحب بمن أحب، وشعرت حين انتهيت بأنها مازالت معي وستبقى معي الى الأبد.