pdf
رئيس التحرير وليد جاسم الجاسم

ربيع الكلمات

الشجاعة في التسامح

«لأن أندم على العفو عشرين مرة، أحب إليّ من أندم على العقوبة مرة واحدة». الإمام جعفر الصادق

شكّل أعضاء المقاومة في «بيت القرين»، رحمهم الله، أجمل صورة من صور التلاحم والتعاضد في حب سبيل الوطن والدفاع عنه، وأزالوا كل الفوارق التي كانت بينهم، مجسّدين ومصوّرين عزيمة الشباب في أجمل تمثيل، والذي اختلط فيه دم جميع شرائح المجتمع، مبتعدين عن جميع أشكال الطائفية الممجوجة والتعصب الأعمى. إنه التسامح الذي نفتقده هذه الأيام.

ما حدث في «بيت القرين» سيبقى ويقف شامخاً في وجه كل من يريد أن يعبث بوحدتنا الوطنية كائناً مَن كان، وهي ذكرى طيّبة تستحق أن نتذكّرها كل عام لنأخذ منها العِبرة، وهو أجمل موقع ومتحف موجود على تراب هذا الوطن الحبيب، وبعد 32 سنة من الغزو العراقي على الكويت.

نحتاج ونحن نستذكر مواقف أبطال المقاومة إلى نشر بذور التسامح التي كانوا يعيشون عليها، خصوصاً في هذا العصر، عصر الكراهية والتعصب والتطرف والانتقام، ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر بعض المواقف الشاذة التي تتحدّث عن التعصب والانتقام.

البعض مع الأسف تفنّن في غرس الكراهية بيننا لدرجة أن أبناءنا أصبحوا وتربّوا على كراهية الآخر، والنظر إليه بنظرة فيها انتقاص وتقليل من القيمة للآخرين الذين نعيش معهم معظم الأوقات، وأصبحت أطروحاتهم متعصبة متشنجة، بدل أن نشحنهم بالطاقة الإيجابية وقبول وحب الطرف الآخر، أصبحنا معاول هدم لا بناء، كيف لطفل صغير يعرف تفاصيل الطائفية والتعصب؟! مَن الذي علّمه غير الأسرة التي تربّى ونشأ فيها؟

من الواضح أنّ أكثر الذين يتعصّبون لآرائهم هم أشخاص يريدون أن يستفيدوا منها لأسباب خاصة جداً وشخصية بالدرجة الأولى، وللاستفادة منها إما في الانتخابات وكسب تعاطف أكثر عدد من البسطاء والعزف على مشاعرهم البسيطة، أو حتى أنه يريد منصباً معيناً له ولمن حوله، وقد تكون معاملة خاصة يريد تمريرها أو أجندات أخرى، وهم قلة قليلة ولله الحمد والمنّة، ويجب ألا ننسى بأن هناك جهوداً مُخلصة تريد نشر الوعي الصحيح، وتلاحظ ذلك من خلال حديثهم وما يخرج من قولهم في مختلف وسائل الإعلام. وهم أقوياء وليسوا ضعفاء، وكما يقول نيلسون مانديلا: «الشجعان لا يخشون من أجل السلام».

ومن نافلة القول، أقول إنه لو توافر لدينا مجموعة من قادة الرأي المختلفين في تخصصاتهم، وكانوا على مستوى عالٍ من المسؤولية والوعي والفهم، إضافة إلى كتل سياسية عاقلة وناضجة وحكومة تضع الشخص المناسب في المكان المناسب دون مجاملات، وميزانها في هذه الكفاءة والمواطنة فقط لا غير، لتغيّر حالنا للأفضل، ولزاد وعينا في قبول بعضنا...

إن النواة الحقيقية لغرس قِيم التسامح هي الأسرة التي يتربّى بها الأبناء خصوصاً من الأبوين، حيث نقوم بتربيتهم على هذه الخِصلة الحميدة، وأن يتسامحوا مع أصدقائهم وجيرانهم، والمدرسة أيضاً لها دور كبير جداً حيث يقضي الشاب سنوات من حياته فيها، إضافة إلى الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لما لها من دور كبير في المجتمع.

ويقول مايكل بيري، في كتابه عن علاج الأمراض السرطانية «إن فقدان القدرة على المسامحة هو في حد ذاته ظاهرة مرضية تؤثر سلباً على الصحة، خصوصاً إذا كان المرء مصاباً بأحد الأمراض المزمنة، إنه من المثبت علمياً أن التوتر العصبي نتيجة عدم المسامحة يضر بالجهاز الهضمي والأوعية الدموية والشرايين ونظام المناعة في الجسم».

أتمنّى أن نعي ذلك جيداً، وأن يتقبّل بعضنا بعضا أكثر، من أجل مستقبل زاهر لنا ولأبنائنا وحتى يتعايشوا بتسامح مع بعضهم البعض... وصدق مَن قال: «في العفو لذّة لا نجدها في الانتقام».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي