الأماكن / مداخل الروح
كل بيت مصري قديم كون مصغر، قائم بذاته، مفتوح على الداخل، لكن كل عناصر الخارج مائلة... حاضرة فيه، ليست الظاهرة فقط، ولكن تلك العوامل الكامنة، والعناصر الكامنة المتصلة بالموروث أو العقيدة، ولكل مرجعيته، فلا ينشأ شيء من فراغ، ومرجعية البيت المصري... العقيدة الدينية والطبيعة والمجتمع.
بداية نقول، إن سائر الفنون الإسلامية من بناء وزخرفة وخط لا يمكن فهمها من دون الوعي بعلاقتها بالقرآن الكريم. كيف؟
للفن الإسلامي خصوصية تجعله مميزا، يتعرف إليه الإنسان بمجرد النظر، وهذا ما يحقق التفرد أو الخصوصية، وما كنا نراه في المسافر خانة من زخارف أو خطاً أو تكوينات معمارية... إنما كان يمثل مجمعا صغيرا لهذه الرؤى، لنتوقف أمام المرجعية الأولى، المرجعية العظمى، أعني القرآن الكريم.
يتكون القرآن الكريم من فاتحة، وسور، والسور تتكون من آيات... في البداية ذكر الله العلي القدير... بسم الله الرحمن الرحيم:
إنه التمهيد. المفتتح، ومن الأسماء التسعة والتسعين حوت «البسملة» صفتين، الرحمن والرحيم، إنهما المفتتح المؤدي دائما إلى سور القرآن الكريم، وهكذا جرى إبداع الفنان المسلم، في البناء، سوف نجد المدخل، البوابة، في معظم البوابات سوف تطالعنا جملة من القرآن الكريم، «ادخلوها بسلام آمنين» أو دعاء: «يا مفتح الأبواب... افتح لنا خير باب».
أو أبيات شعر تحوي ترحيبا وطمأنة للقادم، الضيف، الغريب، إنها دعوة إنسانية فيها الرحمة والألفة.
هذا ما يميز الأبواب العربية الإسلامية من أقصى المغرب إلى أواسط آسيا، إن الباب لا يصد، لكنه يدعو... وهذا بعكس الأبواب التي رأيتها في أعرق المدن الأوروبية وأقدمها، حيث نجد المقابض قد صيغت على هيئة أفاعي تنفث نارا، أو رأس التنين أو عبد أسود يطلق تهديدا، أو إبليس، هناك المدخل يُنفر، يُبعد ولا يُقرب، يهدد ويتوعد، يتوقع الشر قادما مع كل آت، لذلك يبالغ في إبراز معالم التحصين والصد.
في العمارة الإسلامية التي تتخذ من القرآن الكريم مثالا ومرجعية أولى، تعتبر المدخل موازيا، مقتديا بالبسملة التي تضفي سكينة وراحة على روح الإنسان، ثم نتطلع إلى مصراعي الباب نفسه، سنجد النقوش تغطيه.
نعم إن الأبواب متينة في كل الأحوال، من خشب، وربما تغطيها رقائق النحاس، ولكن في الأصل للصد والمنع، لكن المصمم المسلم أبرز الوظيفة الأخرى وهي الدخول والترحيب وطمأنة الغريب.
كانت المداخل كلها مزدوجة، متعامدة... هكذا كان مدخل المسافر خانة ـ القصر العثماني القديم الذي كنت أسكن في مواجهته بحارة درب الطبلاوي، واحترق منذ سنوات في حادث مأساوي ـ الذي اعتدنا الدخول منه ناحية حارة درب الطبلاوي، باب رئيسي يجتازه الداخل ثم يتجه إلى اليسار... حيث باب آخر يؤدي إلى فراغات القصر، هكذا الوضع في كل بيوت القاهرة القديمة وقصورها.
إن الانتقال بين البابين يشبه تلك الوقفة الفاصلة ما بين قراءة البسملة، وبدء تلاوة الآيات البينات، كل باب عبور، كل باب مدخل، كل باب تمهيد لتلاوة الفن والحض على فهم المعاني، والجمال البيّن، لذلك كان الباب في المعمار الإسلامي من أجمل الأجزاء، إنه معروض للناظرين، للعابرين، ولذلك كان الجمال يبث للكافة، يعبق به الفراغ.
أما الزخارف، سواء كانت حفرا على الخشب، أو رقائق نحاس تغطي مساحات الخشب، تبلغ الذروة في حالات كثيرة، ويحضرني الآن باب جميل، كان يفصل الجناح القبلي ـ حيث قاعة المجد ـ عن فناء المسافر خانة الرئيسي، باب مغطى بالخشب المنتظم في أشكال رائعة، متفرقة... متلاقية، متصلة... منفصلة، وفي هذا اقتداء آخر بالقرآن الكريم، يقتضي تفصيلا وإمعانا.
إذن، يستوحي المعماري المسلم موقع البسملة في القرآن الكريم في تصميمه للأبواب، هذا ما كنا نراه في المسافر خانة وسائر نماذج العمارة الإسلامية، سواء كانت بيتا لتاجر متوسط الحال، أو قصرا منيفا، أو منشأة عامة كالخان أو السبيل أو الحمام، وفي القاهرة القديمة العديد من تلك المنشآت التي لاتزال ماثلة، وبعضها يدخل حتى الآن في النسيج اليومي لحياة البشر، وأولها على الإطلاق تلك المساجد.
ولما كانت البسملة معبرة عن الرحمة «الرحمن الرحيم»... فإذن لابد أن يكون المدخل داعيا وليس منفرا، مطمئنا وليس منفرا، اقتدى المعماري المسلم، المصمم، بتلك البداية الداعية إلى الرحمة، التي تتكرر في بداية كل سورة، هذا مضمون الباب وشكله وسر صياغته مهما اختلفت الوظائف.
للأبواب معان عديدة، ووظائف شتى، وهذا ما حوته المسافر خانة، بدءا من الباب الرئيسي في درب المسمط، أو درب الطبلاوي، باب ضخم يحمي ويحجب، لكنه بالآيات القرآنية «أدخلوها بسلام آمنين» يطمئن ويدعو ويعرض الجمال.
حتى إذا اجتزنا الباب الرئيسي من ناحية درب المسمط... سيؤدي بنا إلى قاعة توصل إلى صحن كبير، فناء مكشوف، يصل البناء بالسماء، ويقيم العلاقة بالشمس والفراغ واتجاهات الرياح.
إن الصحن الكبير الذي يطالعنا يحفظ التوازن المعماري والتكوين للعمارة، لكنه ليس الجزء الأول الذي تتم من خلاله الصلة بالسماء، ثمة أجزاء أخرى في البناء تتصل مباشرة بالمدى اللانهائي، وكان الداخل من ناحية درب الطبلاوي ـ وهو المبنى الأصلي للأثر ـ يمر بجزء مغطى قبل بلوغه قاعة المجد، لكن يتخلل السقف فراغ مربع، إذا رفعنا البصر سوف نرى زرقة السماء وأبديتها، نعم... إنه منفذ للضوء، وتنظيم لمسارات الرياح الآتية من البعد القصيّ لكنه يتضمن معنى أيضا وفلسفة، فثمة تذكير دائما بالصلة بين الأرض والسماء، بين السفل والعلو، بين الإنسان وخالقه، بين حضوره العابر، ومصيره اللانهائي.
أما الأبواب، فتطالعنا بجمالها، وتنوعها، أحيانا ظاهرة، واضحة، سافرة كأبواب المداخل الرئيسية، أو متوارية إلى حد ما، مثل هذا الباب الجميل الذي كان مغطى بالحشوات الخشبية الهندسية المتعانقة، المتراصة، وأحيانا يطالعنا باب سري لا يعلن عن نفسه، وأذكر في القاعة الرئيسية الشرقية بابين صغيرين، لابد عند فتحهما أن يجتازهما الإنسان منحنيا، كان كل منهما يبدو بزخارفه جزءا من التكوين العام للجدار، لكن أحدهما كان حين يفتح يؤدي إلى سلم من الحجر يفضي إلى الفراغ الخلفي المؤدي إلى مكان الساقية التي كانت تمد أهل القصر بالمياه الجوفية، وعلى مقربة منها مأوى الحيوان المخصص لإدارتها، بغل كان أو جاموسا.
كانت المياه الجوفية نقية في ذلك الحين، ولم يكن يخلو بيت قاهري متوسط أو كبير من ساقية للمياه، ومطحنة للغلال، بقدر الإمكان يجري الحرص على قضاء الحاجات الضرورية داخل البيت، هكذا أحتوت المسافر خانة على أماكن لتخزين الأرز والقمح والمواد الضرورية لأهل البيت.
هذا الباب الخفي، الظاهر في القاعة الشرقية، يذكرني بأبواب أخرى ذات حضور قديم في العمارة المصرية القديمة، أعني الباب الوهمي الذي يطالعنا في المقابر المصرية القديمة والتي وصلتنا سالمة أو شبه سالمة في سقارة وطيبة وسائر أنحاء مصر.
أبواب محفورة في الجدران، مزخرفة، عليها كتابات مقدسة، ورسوم تتصل بالعقيدة وصاحب المقبرة، إنه الباب الفلسفي إذا جاز التعبير، الباب الرمزي، الباب الذي يقول كل شيء، ولا يفصح عن شيء.
الباب الذي لا يمكننا اجتيازه إلا بالخيال فقط، استمر الباب الوهمي في العمارة المصرية بأشكال مختلفة، وانتقل إلى العمارة، في حضارات أخرى، ولأن المعماري المصري كان يمرر دائما رسالة روحية من خلال العمارة، فقد حرص على ربطها باللانهائي.
وهكذا استوحى من القرآن الكريم موضع البسملة ومغزاها، واقتدى بها في كل ما هو مدخل، سواء كان بابا لمبنى، أو مطلعا لقصيدة، أو صفحات أولى في كتاب، وإذ أسترجع أبواب المسافر خانة بالخيال القاصر مهما أوتي من قوة، فألوذ بالمعنى الكلي، بعد أن فقدنا التفاصيل وأسرار الجمال إلى الأبد.