الحكومة أقرّت مشروع موازنة 2022 وانتقاداتٌ لخلوّها من بنود إصلاحية
هوكشتاين حَسَم رقعة النزاع البحري ولبنان أمام حسْم خياراته
- الوسيط الأميركي رسّم حدود التسوية وإطارها «لن يحصل لبنان وإسرائيل من خلالها على 100 في المئة مما يريدانه»
- أهالي ضحايا المرفأ صعّدوا تحركاتهم واقتحموا قصر العدل احتجاجاً على «تجميد سياسي» لتحقيقات بيطار
قدّم الوسيط الأميركي للمفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل آموس هوكشتاين، اقتراحاته للتوصل إلى تسويةٍ أكد أن «ساعتَها دقّت» في هذا الملف «المُزْمِن»، قبل أن يغادر تاركاً لبيروت وضْع ما عَرَضَه في «الغربال» وتحديد الموقف النهائي مما بدا «آخر طلقة» تَفاوضية لوّحت معها واشنطن بسلاح الانكفاء من الوساطة.
وإذا كان ما حَمَله هوكشتاين كـ «عرض أخير» لم يأتِ بشكل حاسم على طريقة take it or leave it، غير أن قابلية الأخذ والردّ حيال الاقتراح الذي قدّمه باتت بالتأكيد محكومةً بأن يسلّم لبنان الرسمي بأن وقت «تحسين الشروط التفاوضية» ورفْع السقوف في هذا الإطار (عبر رسائل إلى الأمم المتحدة أو غيرها) انتهى وأن «النقطة الفعلية التي يدور حولها النزاع هي المساحة الممتدة بين الخط 1 (تصرّ عليه إسرائيل) والخط 23 (اعتمده لبنان وموثّق لدى الأمم المتحدة)» أي 860 كيلومتراً مربّعاً يقع ضمنها قسم من البلوك رقم 9 اللبناني (ما يُعرف بحقل قانا) وتالياً القفز فوق محاولة بيروت التفاوض بخطيْن، الـ 23 والـ 29 (يوسع الحدود البحرية للبنان جنوب الخط 23 بنحو 1400 كلم مربع إضافية) بهدف الحصول على كامل المنطقة «الأصلية» المتنازَع عليها.
ورغم أن الطرح الذي عرضه هوكشتاين على الطاولة بقي طي الكتمان، إلا أن كلاماً أطلقه الوسيط الأميركي أعطى مؤشراتٍ واضحة إلى سقوط تلقائي لسيناريواتٍ سبقت زيارته لبيروت وبينها حلُّ «الحقل (قانا) مقابل حقل (كاريش الواقع في جزء منه ضمن الخط 29)»، وذلك من خلال تأكيده أن السعي هو لتسوية بين الخط 1 والخط 23 «لن يحصل الطرفان من خلالها على 100 في المئة مما يريدانه»، وذلك بعدما كان وصف هذا الطرح كما الكلام عن صندوق مشترك توضع فيه عائدات موارد تستخرجها شركةٌ (طرف ثالث) ويتم تقسيمها بين لبنان واسرائيل بأنها «من خيال التغطية الإعلامية لهذا الملف على مدى الأعوام العشرة الماضية» موضحاً أن هذا الاقتراح كما «الحقل مقابل حقل» لم تكن يوماً «من قواعد المفاوضات».
ولم تقلّ دلالةً إشارة لافتة أطلقها هوكشتاين (عبر تلفزيون LBCI) رداً على سؤال حول «هل هناك موقف لبناني موحّد أم ما زلنا أمام فريقيْن واحد يدفع نحو اعتماد الخط 23 وآخَر 29» حيث أكد «في رأيي أن الجميع يعتقدون أنه الوقت المُناسب للابتعاد عن التشتت نتيجة الضغوط الخارجية»، مع «تثبيت» ما سبق أن أبلغه الى الجانبين اللبناني والاسرائيلي (في نوفمبر) لجهة أنه ما لم يتوصلا الى تسوية فسيضع حداً لدوره في مفاوضات الترسيم وأنه لا يخطط لاستئناف المحادثات المشتركة بوساطة أميركية وبرعاية أممية في مقر اليونيفيل في الناقورة بل «سيعقد لقاءات مع الطرفين بشكل مستقلّ ثم يقدّم اقتراحاً وسطياً».
واستخلصت أوساط متابعة في بيروت في ضوء «الكلام المشفّر» لهوكشتاين، الذي أعلن «أننا في لحظة سدّ الفجوات للتوصل إلى صفقة»، أن التسوية بين الخطين 1 و 23 تعني عملياً محاولة تدوير زوايا «خط هوف» الذي قضى بحصول لبنان على 55 في المئة من منطقة الـ 860 كيلومتراً مقابل 45 في المئة لإسرائيل، كما أنها تعني طي رهانات لبنانية على إمكان الحصول على كامل هذه المنطقة وحقل قانا، وأن أي تقسيم لهذه الرقعة (وفق خط هوف) ولو من دون تقاسُم صريح لمواردها (ترفضه أطراف وازنة لبنانية خشية شبهة التطبيع) سيُبقي الباب مفتوحاً أمام إمكان تشارُك موارد محتملة في مكامن مشتركة محتملة وفق ما قالت خبيرة النفط والغاز لوري هايتيان.
وفي موازاة تقارير تحدّثت عن أن من بين الأفكار التي حملها هوكشتاين توزيع الحقول بين لبنان واسرائيل في منطقة النزاع، على طريقة الترسيم تحت المياه الذي ينعكس ترسيماً تلقائياً للخط البحري، شكّلت زيارة الوسيط الأميركي محور لقاءات ونقاشات داخلية أبرزها بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والوزير السابق الياس بو صعب، وهو مستشار رئيس الجمهورية للملف الحدودي.
وأكد بوصعب «أننا ناقشنا نتائج زيارة الوسيط الأميركي وقمنا بتقييم للاجتماعات التي تمت، وأين مصلحة لبنان، وماهية الخطوات المقبلة لهذه الزيارة»، معتبراً «أن هناك خطوة للأمام في ما قدمه الوسيط، ولكن لا شيء نهائياً بعد، وسنرى كيف ستكون نتائجها، هناك أمور يجب أن تُستكمل داخلياً، كما أن هناك أموراً سيقدمها هوكشتاين لاحقاً».
وجاء تحرك ملف الترسيم، فيما تَمْضي الحكومة اللبنانية في محاولة بدء مسار إصلاحاتٍ شَرْطية لبلوغ اتفاق مع صندوق النقد الدولي، كان يفترض أن تكون خطواتها السبّاقة عبر مشروع موازنة 2022 الذي أقره مجلس الوزراء أمس وسيحال على البرلمان، إلى جانب خطة النهوض التي تستكمل الحكومة وضْعها وسط ملاحظات «جوهرية» عليها من صندوق النقد الذي يواكبها عبر المحادثات عن بُعد.
وأتى إقرار مشروع الموازنة أمس على وهج انتقادات كبرى «هشّمته» في ضوء اعتبار أنه خلا من أي أبعاد إصلاحية حقيقية واستسهل اعتماد زيادات ضريبة ولو تحت عنوان «التصحيح الضريبي» (مثل الدولار الجمركي الذي سيتم تسعيره وفق منصة صيرفة اي نحو 20 ألف ليرة عوض 1500 ليرة حالياً) الذي سيترك تأثيرات تضخمية كبرى، رغم كل التطمينات الرسمية التي خففت من وطأة هذه الزيادات بحجة إعفاءاتٍ ضريبية للمواد غذائية والأدوية وسلع أساسية.
وأكد ميقاتي خلال جلسة إقرار الموازنة «أنها المرة الأولى التي تكون فيها الإيرادات والنفقات متقاربة في الموازنة إلى هذا الحدّ».
واشار إلى أنه «بعد إقرار الموازنة سيصار الى عقد جلسات متخصصة لدرس قطاعات محددة أهمها الكهرباء والاتصالات والنفايات، على أن تكون خطة التعافي الاقتصادي قد أنجزت، لعرضها على مجلس الوزراء، وبعد إقرارها ستُعرض لنقاش واسع من مختلف الجهات المعنية».
وإذ أوضح أن «أي عمل إنقاذي، يتطلب تضحيات وتعاون الجميع، وهذا ما نأمله بعيداً عن السلبية والشعبوية»، لفت بعد انتهاء الجلسة إلى «أن لدينا تعثراً بالقدرة على التمويل وعلينا الحصول على توقيع صندوق النقد الدولي لتسهيل الحصول على تمويل المشاريع».
وشدد على أنه «لم يعد لدينا أي قدرة على إعطاء ماء وكهرباء مجاناً ويجب أن نقطع هذه المرحلة الصعبة والطارئة جداً»، ومشيراً الى أن «خطة التعافي ليست سهلة على الإطلاق وكل ما نُشر عنها غير صحيح ونعتبر أنها عملية صعبة جداً لكن نسعى لإنقاذ الاقتصاد والبلد».
وكشف أنه «في الموازنة كان مبلغ 5000 مليار ليرة موجوداً كسلفة للكهرباء ولكن نتيجة البحث مع كل الوزراء تم الاتفاق على أن نعقد الثلاثاء المقبل في قصر بعبدا جلسة لمناقشة خطة الكهرباء للاتفاق على الهيئة الناظمة وموضوع التعرفة».
في موازاة ذلك، شهدت العاصمة اللبنانية اعتصاماً لأهالي الشهداء والجرحى والمتضررين من انفجار المرفأ أمام قصر العدل في بيروت حيث رفعوا لافتات وأعلاما لبنانية وصور الضحايا وأقفلوا مداخل قصر العدل، وذلك احتجاجاً على ما اعتبروه مماطلة في بت طلبات ردّ (تقدّم بها مدعى عليهم من السياسيين) لقضاة جُمِّد معها عملياً التحقيق الذي يقوده القاضي طارق البيطار وسط مخاوف من مقايضات سياسية «على رأس» الأخير ومجمل الملف.
ونَجَحَ المتظاهرون في اقتحام قصر العدل وافترشوا أرضه معلنين «أننا باقون هنا الى أن نأخذ الجواب المناسب»، بعد تدافع حصل مع عناصر قوى الأمن الذين حاولوا منعهم من الدخول قبل أن يلتقوا رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.