قلّب مع «الراي» صفحات مؤلَّفه الجديد بعد غياب عقد كامل عن الظهور الإعلامي (1-2)

إسماعيل الشطي يصدم المخزون الفكري العربي التقليدي: الحضارة المعاصرة فاقدة الرشد رغم تقدمها العلمي

تصغير
تكبير

- أخطأ سيد قطب في وصف المجتمعات المعاصرة بالجاهلية
- كتاب «جذور الثقافة» يهدف إلى بناء صورة ذهنية صحيحة لإنسان المنطقة العربية ولثقافته
- علم الآثار واحد من الأدلة على وقوع الحدث تاريخياً والاقتصار عليه وحده لا يؤكد وقوع الحدث
- لا علاقة للأوروبيين المعاصرين بحضارة الإغريق والرومان... هم امتداد للقبائل البربرية المتوحشة من آكلي لحوم البشر
- أكبر المخاطر على الإنسان أن يتحول إلى همجي لذلك تشبعت ثقافة المشرقيين القدماء بالنزعة الإنسانية
- لا يوجد في القرآن ما يؤكد إسقاط قصة موسى على التاريخ المصري القديم ولا ما يوحي بأن فرعون هو حاكم مصر
- المصريون القدماء هم أكثر شعوب المنطقة تديناً وإيماناً بالله الواحد الأحد هكذا تشير آثارهم ومتونهم التي تركوها لنا
- تراث الديانات الإبراهيمية حوّل الرسالة إلى شريعة وقسّم البشرية إلى ملل واستبدل ثنائية الإنسي والوحشي بثنائية المؤمن والكافر
- التراث الإسلامي تبنّى ثنائية المؤمن والكافر وصار المؤمن له حقوق إنسان كاملة وغيره له حقوق إنسان منقوصة
- تاريخ ما قبل الإسلام كان ضحية المضريين والشعوبيين الذين كرسوا صورة ذهنية عن العربي مستمدة من بداوة الأعراب
- كيف نصدق أن العرب أمة تجهل الكتابة والقراءة والحساب في الوقت الذي يشهد القرآن والتاريخ والآثار بغير ذلك؟
- لم يصف القرآن عرب ما قبل الإسلام بالجاهلية ولم يستخدم اللفظ لوصف مشركي قريش بل استخدمه بالمدينة لوصف انحرافات المسلمين
- للمستشرقين معايير مزدوجة فهم يعتبرون مرويات عصر التدوين مصدراً مشكوكاً فيه وفي نفس الوقت يستخدمونه للتشكيك بالقرآن
- نعم أعتبر الذاكرة الجمعية مصدراً معرفياً فهي نقلت اللغات قبل تدوينها ونقلت تراث الشعوب قبل توثيقه
- كلمة «السنة» تعني عرفاً متداولاً عند معظم أفراد المجتمع وهذا لا ينطبق على حديث الآحاد
- القرآن تميّز عن بقية الكتب الدينية بالنقل الشفهي الجماعي المستمر على مدى الأجيال

يحاول الدكتور إسماعيل الشطي في مؤلَّفه «جذور الثقافة في المنطقة العربية»، اكتشاف ثقافة سكان المنطقة العربية منذ آلاف السنين، وهي مسافة زمنية متنائية ومعتمة، ما يجبر الباحث على التوقف والسبر في كثير من العصور. ولما كانت كلمة ثقافة واسعة وفضفاضة فإن ذلك يلزم المؤلف، البحث عن التصورات والأفكار والقيم والفنون والآداب وأنماط المعيشة.

ويرى الشطي أن الأدبيات المدونة منذ القرن الثالث الهجري، تعبر عن عقل صناع المعرفة الإسلامية وليس العقل العربي العام، في حين أن عمر ثقافة الإنسان العربي، لا يبدأ من اللحظة التي أطلق عليه عربياً بل يمتد آلاف السنين قبل تسميته، ليمضي إلى استنتاج أن إطلاق لفظ وثنيين على أهل المنطقة القدماء، أكذوبة يهودية مسيحية، أما القرآن فلم يستخدم كلمة وثني على غير المسلمين. كما يعتبر أن الإنسان في هذه المنطقة صاحب رسالة منذ تواجده عليها هي بناء علاقة متوازنة مع الله والكون والحياة، فالإسلام يستطيع إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان وربه وكونه والحياة فيه، في حين أن المخزون الثقافي للمنطقة يملك تصورات متزنة ونزعة إنسانية بالغة الرقي، قادر أن يعيد البشرية إلى رشدها.

الشطي في كتابه، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في أربعة أجزاء، يصدم المخزون الفكري العربي التقليدي. وبعد غياب عقد كامل من الظهور الإعلامي يتحدث الدكتور إسماعيل الشطي لـ «الراي» عن مؤلَّفه الجديد، لماذا الآن؟ وما الهدف؟ وما هي الاستنتاجات التي خلص إليها في أبحاثه؟ ولماذا ابتعد عن الحياة السياسية؟

• دكتور، كأنك في الفصل التمهيدي لكتابك تحاول التشكيك في حجية نتائج علم الآثار والأنثروبولوجيا؟

- الأمر ليس بهذه الصورة، لعلم الآثار الفضل الأول في كشف التاريخ القديم، وللآثاريين اليد الناصعة في استنطاق تلك اللقى الصامتة بعد آلاف السنين، ولكني حاولت أن أضع الأمور في نصابها، في ظل الشطط والغلو في حجية علم الآثار، إذ نشأت مدارس في كتابة التاريخ تزدري المؤلفات التاريخية القديمة، منذ هيرودوت إلى العصور التاريخية المتأخرة، وألغت قيمتها في الكتابة التاريخية، واعتبرت أن أي حدث لا يدعمه علم الآثار فهو لم يحدث، وهذا تطرف مرفوض، خصوصاً أن علم الآثار من العلوم التحليلية التي تعتمد على اجتهاد الآثاريين في تطبيق معارفهم المتعددة على المادة الاثارية، والاجتهاد يصيب ويخطئ، ويتأثر بثقافة المتخصصين الآثاريين ونوازعهم، ولهذا نضع علم الآثار كإحدى الأدلة على وقوع الحدث، بجانب الكتابات التاريخية القديمة والذاكرة الجمعية.

• ماذا تقصد بالذاكرة الجمعية؟

- هي ذاكرة الشعوب، فليس من حق أحد أن يقول موقع روما أو الإسكندرية الحاليين، هما ليسا موقعهما التاريخي، فالذاكرة الجمعية هي التي نقلت لنا ذلك جيلاً بعد جيل، كما ليس من حق أحد أن يخرج لنا برأي، ليقرر أن موقع مكة الحالي هو ليس موقعها التاريخي، فالذاكرة الجمعية هي التي نقلت لنا ذلك، وليس من حق أحد أن يشكك في أن موقع شهر رمضان هو ليس التاسع بين شهور السنة الهجرية، فهو التاسع كما نقلته الذاكرة الجمعية، إن الذاكرة الجمعية تنقل لنا أسماء القبائل والشعوب والمواقع الجغرافية، والأحداث التاريخية المهمة، لكنها لا تنقل التفاصيل، وهي تختلف عن النقل الشفهي للشعوب، فهي رواية جيل عن جيل، وفي كتابي ناقشت شروط حجيتها.

• في كتابك عارضت مقولات تاريخية راسخة، خالفت مقولة إن الإسكندر الأكبر كان أوروبياً، وخالفت مقولة إن الحضارة اليونانية مبدعة وأصيلة، كما خالفت مقولة إن الحضارة لم تدخل شبه الجزيرة العربية، إلا بالألفية الثانية قبل الميلاد، وهذه مقولات معتمدة في الإطار الأكاديمي ولدى المتاحف العالمية ومؤلفي الموسوعات التاريخية، ألا ترى في ذلك جرأة منك، رغم أن تخصصك الأكاديمي لا يمت إلى الكتابة التاريخية بصلة؟

- يهدف كتاب (جذور الثقافة في المنطقة العربية) لبناء صورة ذهنية صحيحة لإنسان المنطقة العربية ولثقافته، لذا فهو كتاب في مجال الفكر، ليس في مجال التاريخ أو الدين أو الفلسفة، والأدوات التي يحتاجها تأليف مثل هذا الكتاب هي القراءة الرحيبة العميقة في التاريخ والدين والآداب والفلسفة، بمصادر واسعة متنوعة، وإتقان مهارات التفكير النقدي، وهي أدوات متوافرة لكل أكاديمي، ومجال تخصصي هو بحوث المستقبليات، الذي يعتمد بدرجة أساسية على هذه الأدوات، وهناك الكثيرون ممن ملكوا هذه المهارات كتبوا أهم كتب التاريخ، مثل إدوارد غيبون، صاحب كتاب (اضمحلال الامبراطورية الرومانية وسقوطها)، فهو سياسي كتب واحداً من أهم مراجع التاريخ الروماني، وعلى العموم، الحكم على أي نتاج ثقافي أو فني يتم من خلال فحص المضمون قبل كل شيء، فحص سلامة منهجية البحث والالتزام بها، والمصادر واستخدامها، وقدرة الباحث التنافسية على الإقناع، في ظل المقولات الأخرى. والمقولات التي ذكرتها ناقشتها بالتفصيل في الكتاب، يمكن لمن يريد الاستفادة أن يرجع للكتاب نفسه.

• أنت تقول إن ما تركته لنا اليونان من مؤلفات ما هو إلا ترجمة لنتاج الشعوب المشرقية القديمة؟

- أنا لم أقل ذلك، أنا قلت إن هناك اعتقاداً بذلك كان شائعاً لدى الإغريق أنفسهم، ولقد استقيته من تردد ذلك على ألسنة المثقفين، في حوار دار بينهم قبل التاريخ الميلادي بمئة سنة، وهو ما كشفته المعارك الفكرية بين الإغريق والفلسطينيين والمصريين والرومان من جانب، واليهود من جانب آخر، وللأسف أدبيات هذه المعركة اختفت، ولم يتبق منها إلا رد المؤرخ يوسيفوس ضد أبيون في كتابه (آثار اليهود القديمة)، الذي كان يرد على خصومه بهذه المقولة، وهي مقولة قمت بتحليلها في ظل المعلومات التاريخية ورجحت صحتها، وهو رأي مفتوح للنقاش.

• وتقول إن الامبراطورية الرومانية كانت ذات ثقافة مشرقية؟

- يصعب تصديق ذلك، في ظل إغراق الساحة المعاصرة بسيل من النتاج الأكاديمي والأدبي والمسرحي والسينمائي، يصور الرومان والإغريق كامتداد للأوروبيين المعاصرين، الأوروبيون المعاصرون هم امتداد للقبائل البربرية المتوحشة، من آكلي لحوم البشر، وهم في ذاك الوقت أصحاب ثقافة بربرية مغايرة لا تصلح للإنسان المتحضر، وهم الذين أسقطوا الدولة الرومانية، وطردوا سكانها من الإغريق والرومان، الذين كانوا امتداداً لسكان المشرق، والذين جاؤوا إلى أوروبا الجنوبية ضمن هجراتهم وتجوالهم وخطوط تجارتهم، لقد كانت روما تدين بديانات المشرقيين منذ نشأتها حتى اليوم، وكانت قيمها الاجتماعية مشرقية، ونمط المعيشة فيها مشرقياً، وعندما بدأت الثقافة البربرية تزحف على المجتمع الروماني نتيجة التماس المستمر، وكثرة العبيد البرابرة فيها، أصدر الامبراطور أوغسطس مجموعة قوانين لحماية تلك الثقافة، ولقد حكم روما أباطرة عرب، مثل فيليب العربي وأباطرة الأسرة السيفيرية، ولقد نقل الامبراطور قسطنطين عاصمته من روما إلى القسطنطينية بسبب الغزو الثقافي البربري، وقسطنطين أمه هيلانة عربية، من سلالة ملوك الأباجرة حكام الرها، نعم الإمبراطورية الرومانية ذات ثقافة مشرقية، وكانت الحضارة في الغرب في ذلك الوقت لا تعبر إلا عن جهة في غرب المشرق تملك حضارة مشرقية.

• في مشروعه «العقل العربي» حاول الدكتور محمد عابد الجابري، أن يضع تصوراً للثقافة العربية في كتابيه، التكوين والبنية، فما الجديد الذي جاء به كتابك؟

- على أهمية ما كتب الدكتور الجابري، لكنني اتبعت منهجية مختلفة في البحث، فلقد اعتبر الجابري عصر التدوين هو بداية تكوين العقل العربي، وكل أدبيات ذلك العصر وما تلاه انعكاس لذلك العقل، ولذلك حصر بحثه في كتب التراث، وكأنه اعتبر مفهومه للعقل العربي محصوراً بالأدبيات المدونة منذ القرن الثالث الهجري، وهذا يخالف منهجي، فأنا أعتبر هذه الأدبيات تعبر عن عقل صناع المعرفة الإسلامية، وليس العقل العربي العام، ومن الخطأ أن أفصل بين إنسان وتراثه المتراكم آلاف السنين، لمجرد أن الدولة الرومانية فرضت عليه اعتناق ديانة ما في القرن الرابع الميلادي، وكذلك من الخطأ أن أفعل ذلك مرة أخرى، بسبب اعتناق هذا الإنسان ديانة جديدة في القرن السادس الميلادي، كما أنه من الخطأ أن افصل بين إنسان وتراثه المتراكم لمجرد تغيير مواقعه الجغرافية، خصوصاً وأنه اتبع استراتيجية منذ وجوده على هذه الأرض، هي التنقل والتجوال والترحال لزيادة العمران ونشر الحضارة، إن عمر ثقافة الإنسان العربي لا يبدأ من اللحظة التي أطلق عليه عربي، ان عمر ثقافته يمتد آلافاً من السنين قبل تسميته بالعربي، إن الفترة التي تناولها الجابري كعمر للعقل العربي، تشبه رأس جبل جليد في محيط، والحكم على جبل بأكمله من خلال دراسة الجزء البارز فيه يؤدي إلى نتائج مغلوطة، ولهذا جاءت المنهجية التي اتبعتها مختلفة عن منهجية الجابري، فقد حددت مفهوم الثقافة بالتصورات والأفكار والقيم وموازين الخطأ والصواب والفنون والآداب والذوق العام والعلوم والتكنولوجيا، وتلك المكونات هي التي كنت أتتبعها وأبحث عنها، وحصرت بحثي عنها في المنطقة التي يطلق عليها اليوم الأرض العربية، منطلقاً من أقدم العصور، وجعلت نقطة البداية للثقافة هي أقدم ما وصل إليه الاركيولوجيون والمؤرخون من معرفة، وهو ما جعلني أطلق على الكتاب جذور الثقافة، تلميحاً للعمق الزمني، واخترت لمنهجيتي كل الأدوات الممكنة التي تتيح لي الوصول إلى جذور الثقافة، بدءاً بنتائج علم الآثار ومروراً بكتب الدين والتاريخ الكلاسيكية القديمة، وانتهاء بالأدبيات التاريخية المعاصرة.

• وهل وجدت سمات مشتركة بين سكان المنطقة العربية على مر آلاف السنين؟

- نعم، وهو ما أطلقت عليه مقومات العقل المشرقي، فاستناداً إلى الكتب الدينية أو نتائج علماء الآثار، فإن سكان المنطقة كانوا يعتقدون بعالم آخر غير مشهود، بجانب عالمهم المشهود، وهو ما نطلق عليه الإيمان بالغيب، وتفاوتت تصوراتهم لهذا العالم على مر آلاف السنين، لكنهم يجمعون أن القوة التي خلقتهم تنتمي لعالم الغيب، وأنها منحتهم تصورات يقينية حول الخالق والكون والحياة والإنسان، وأنها وضعت في ذهنهم مسطرة للخطأ والصواب، وهي ما توارثوها من أبيهم الأول، وهي المؤشر الذي يحكم بالخطأ والصواب على مشاعرهم وقراراتهم وسلوكهم، وهو ما نطلق عليه اليوم تحكيم الضمير، أو يطلق عليه المسلمون التقوى، ويرى المشرقيون أنهم ينتمون إلى عالم الإنسان، الذي يجب أن ينزه نفسه عن عالم الحيوان والوحشان، وهو ما يدفعه لتكريس كل ما يؤكد إنسانيته، وينفي وحشيته، وهو ما نعني به الأنسنة، تلك التي تدفعه لبناء الأواصر الاجتماعية، وبناء الأسرة والمجتمع والمدينة، وتضع له قوانين تحكمه، كما يؤمن المشرقيون أن عالمهم المشهود هو مجال سعيهم، وهو عالم تحكمه قوانين ذات علاقات سببية، يمكن ملاحظتها من خلال الخبرة اليومية واكتشاف قوانينها الفيزيائية، ولذلك يعتقد المشرقيون أن عقلهم هو صانع عالمهم المشهود، هذه المقومات الأربعة، الإيمان بالغيب، وتحكيم الضمير، والأنسنة والسببية، هي مقومات العقل العربي اليوم، ومقومات العقل البابلي بالأمس، ومقومات العقل المصري بالأمس القديم.

• لكن الآثار التي بين أيدينا تدل على أن القدماء المصريين والسومريين وثنيون، لا يعرفون الله الخالق، بل عبدوا فرعون كما تشير النصوص الدينية؟

- إطلاق لفظ وثنيين على أهل المنطقة القدماء هو أكذوبة يهودية ـ مسيحية، أما القرآن فلم يستخدم كلمة وثني على غير المسلمين، كان يستخدم لفظ مشرك، وهو لفظ يدل على أن حامله يشرك مع الله الخالق آلهة أخرى، إن إطلاق لفظ وثني في الوعي المعاصر يكاد ينصرف إلى البدائيين الذين يعيشون حياة متوحشة، ويؤمنون بالطوطم والوثن، أما المصريون القدماء فهم أكثر شعوب المنطقة تديناً وإيماناً بالله الواحد الأحد، هكذا تشير آثارهم ومتونهم التي تركوها لنا، وهذا ما اكتشفه علماء الآثار قبل بروز النزعة الآرية والمركزية الأوروبية في الثقافة الغربية، وهي نزعة جعلت من جاء بعدهم يعيد قراءة الآثار بشكل يدعم القول بوثنية المشرقيين القدماء عموماً، أما اسقاط قصة موسى على التاريخ المصري القديم، والإيحاء بأن فرعون هو حاكم مصر، فإن القرآن لا يقرر ذلك، الذين قرروا ذلك هم المفسرون تحت ضغط الإسرائيليات، وهي قراءة جمعت بين أهداف كولونالية وتوراتية.

• هل معنى ذلك أنك تؤيد نظرية كمال صليبي التي تعتبر التوراة جاءت من جزيرة العرب، فهي النظرية الأخرى التي ترفض اسقاط قصة موسى على التاريخ المصري؟

- نظرية كمال صليبي لا تكفي للسباحة ضد التيار، فما قررته الرواية التوراتية عن المسرح الجغرافي لقصص الأنبياء يكاد يكون سائداً ومهيمناً منذ زمن، لكن نظريته كانت أحد دوافعي للبحث في الموضوع، ووجدت أن تلك الرواية السائدة اليوم كانت مرفوضة ومستهجنة عند المؤرخين والمفكرين ومدوني السجلات التاريخية، بمن فيهم بعض مفكري اليهود أنفسهم، واستمر ذلك حتى القرن الرابع الميلادي، ولقد تصدى لهذه الرواية كل المثقفين في العالم المتحضر وكذبوها منذ القرن الأخير قبل الميلاد، خصوصاً مؤرخي قدماء المصريين، وظهرت مؤلفات كثيرة تعارض هذه المقولة وتنفيها، كما شهدت المحاكم الرومانية في تلك الفترة ادعاءات كثيرة لليهود بأراضٍ في فلسطين ومصر، تم الحكم فيها ضد الرواية اليهودية، وعلى أساسها طرد اليهود من بعض الأراضي لصالح سكانها الأصليين، هذا المشهد الحاصل منذ أكثر من ألفي سنة مغيب عن حوار اليوم حول الرواية التوراتية.

وهو مشهد لم يتغير إلا بعد اعتناق الإمبراطورية الرومانية الدين المسيحي، التي جعلت الرواية التوراتية جزءاً من الكتاب المقدس، وألزمت رعاياها بالدين الجديد من دون تسامح، ومنذ تلك اللحظة صارت الرواية التوراتية عن مسرح الأنبياء الجغرافي معتمدة وسائدة، فقد عين الإمبراطور قسطنطين الأسقف يوسابيوس القيصري، ليكتب له التاريخ السياسي والديني، الذي لم يكتفِ بكتابة التاريخ وفق النسق التوراتي، بل شكل تياراً سعى لحرق كل السجلات التي تحتفظ بتاريخ الشعوب حتى ذلك الوقت، وحرق كل المؤلفات التي تعارض الرواية التوراتية، وتحطيم كل الآثار التي لا تتفق مع الرواية التوراتية، وقتل كل المثقفين والعلماء والكتّاب الذين يكتبون خارج الإطار التوراتي، وهي عملية إبادة للذاكرة الجمعية، واستبدالها بذاكرة جديدة، وزيادة على ذلك قام بتأليف كتاب مخصوص يؤكد مواقع المسرح الجغرافي لقصص الأنبياء وفق الرواية التوراتية، ولقد ظلت هذه الرواية سائدة حتى مجيء الإسلام، الذي لم يتعرض كتابه المقدس لذكر المواقع الجغرافية.

لكنه أشار إلى أن اليهود زوروا المواضع الجغرافية في التوراة، ليغمروا الساحة الثقافية بالإسرائيليات التي تؤكد الرواية التوراتية، ولما كانوا هم يشكلون الأغلبية السكانية الكاسحة في عصر التدوين، استطاعت تلك الرواية أن تقتحم الثقافة الإسلامية وتصبح مادة لتفاسير القرآن، غير أن ذلك التاريخ المغيب لم يكن وحده المستند الوحيد الذي اعتمدت عليه في رفض إسقاط الرواية التوراتية على مصر، بل جاءت نتائج علم الآثار تؤكد خلو فلسطين من أي آثار تعود لعصور الأنبياء التوراتيين، كما جاءت نتائج علم الآثار تؤكد خلو مصر من أي آثار تؤكد الرواية التوراتية تقريباً، وجاءت نظرية صليبي لتقدم فكرة جديدة، وهي أنه إذا كان علم الآثار لم يكتشف حتى الآن ما يؤكد الرواية التوراتية، فلا يعني ذلك أنها رواية مزيفة، بل يعني أن الموقع الجغرافي الذي أجري به التنقيب هو خطأ، ورغم أن محاولته تعرضت لنقد كثير، لكنه يكفيه شرف المبادرة، وهناك محاولات جادة أخرى، مثل محاولة فاضل الربيعي، الذي قارن بين المواقع الجغرافية التوراتية والمواقع الجغرافية في صفة جزيرة العرب للهمداني.

• عودة إلى الكتاب، لماذا اعتبرت الديانات الإبراهيمية مسؤولة عن القطيعة مع التاريخ القديم الذي سبق وجودها؟

- أنا لم أقل الديانات، أنا قلت تراث الديانات الإبراهيمية، ذلك أن الديانات السماوية جاءت برسالة واحدة تؤكد مفاهيم الأنسنة، الانفتاح على الإنسان الآخر، والاعتقاد بأننا إخوة من رحم واحد عتيق، ومشاركة الحياة معه، وتبادل المشاعر الإنسانية والأفكار معه، ومساعدته إن احتاج، وإغاثته إن نزلت به نازلة، وهي ثقافة المنطقة منذ بدء الحضارات، وكان عدو الإنسان هو الهمجي المتوحش، وأكبر المخاطر على الإنسان أن يتحول إلى همجي، لذلك تشبعت ثقافة المشرقيين القدماء بالنزعة الإنسانية، وكرست كل ما يميزها عن عالم البهيمية.

غير أن تراث الديانات الإبراهيمية حوّل الرسالة إلى شريعة، وقسم البشرية إلى ملل، واستبدل ثنائية الإنسي والوحشي، بثنائية المؤمن والكافر، ولعل تراث اليهودية هو من بدأ ذلك، إذ اعتبر غير اليهودي كائناً منقوص الآدمية والحقوق، وترتب على ذلك اعتبار الخارج من الملة وثنياً مستباحاً، يتصف بالنجاسة، ورغم خطورة هذه النزعة، إلا أنها كانت محدودة بمجموعة دينية صغيرة، لكن بعد اعتناق الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية ذات الخلفية التوراتية، تغير الأمر، إذ لجأت تلك الديانة إلى تقليد اليهودية بتحويل الرسالة إلى شريعة، وتقسيم البشرية إلى مؤمن وكافر، ووصمت تاريخ المشرق الموغل بالقدم بالوثنية، ما دفعها إلى تدمير المعابد، وحرق الكتب، وإغلاق المدارس والكليات الجامعية، والتبرؤ من ثقافة وتاريخ ما قبل المسيحية، وإجبار مواطنيها على اعتناق المسيحية، وللمرة الاولى في تاريخ المنطقة تصبح العقيدة الدينية غير اختيارية، بل اجبارية، وهو ما انتهى بالقطيعة الكاملة مع التاريخ القديم.

• وهل الإسلام فعل كما الأديان السابقة من حيث التعامل مع التاريخ القديم؟

- الإسلام ككل الديانات السماوية جاءت رسالته بمفاهيم الأنسنة، لكنه خضع لنفس الآليات التي حولت الديانات السماوية السابقة إلى ملة، فمع نهاية القرن الثالث الهجري اكتملت شريعة الملة الإسلامية باعتماد المذاهب الأربعة، وأصبح التقليد الوسيلة الوحيدة للتدين، وترسخ مبدأ الداخل والخارج بتأسيس فكرة دار الإسلام ودار الحرب، وصار المؤمن بالداخل، والكافر بالخارج، يطلق عليه حربي، مستباح المال والدم والعرض، وحتى مواطنو الداخل، المؤمن منهم له حقوق إنسان كاملة، والكافر له حقوق إنسان منقوصة، وأصبحت النظرة إلى غير المسلمين وثقافتهم نظرة سلبية، كما أن هناك عاملين آخرين ساهما بالقطيعة مع الماضي، الصراع السياسي على السلطة، والشعوبية.

فلقد كان الملوك القرشيون ينزعجون من فخر القحطانيين بتاريخهم الزاهر، والموغل بالعراقة، في السياسة والحكم والإدارة والحضارة، بدءاً من ممالك اليمن وحضرموت والجنوب العربي، وانتهاء بممالك المناذرة والغساسنة بالعراق والشام، وهو ما يقوي مزاعمهم بالأحقية في الحكم، مقارنة بضحالة تاريخ القرشيين خصوصاً، وتاريخ المصريين عموما، لهذا تعمد الملوك القرشيون التعتيم على هذا التاريخ الثري، وشجعوا على كتابة تاريخ مشوه للعرب قبل الإسلام، أطلقوا عليه العصر الجاهلي، وكرسوا صورة ذهنية عن العربي مستمدة من بداوة الأعراب، مليئة بالجهل والأمية والوحشية والحماقة والجلافة والقذارة، يتقاتل فيها العرب على أسباب تافهة لمدة ثلاثين عاماً، والتأكيد على أن نهضة العرب لم تتم إلا بفضل القرشيين، وأعطوا لأدواتهم الثقافية الضوء الأخضر لترويج هذه الصورة.

فكان الإخباريون من رجال الدين يكرسون هذه الصورة بدعوى كشف عظمة الإسلام، الذي صنع من الهمج أصحاب رسالة عالمية، وكان الفقهاء يساهمون بازدراء تاريخ الأمم القديمة باعتبارها وثنية، وينددون بالمؤرخين الذين يحاولون التنقيب عنها، وحصر تاريخ ما قبل الإسلام بقصص الأنبياء، كما لقي ذلك هوى في نفوس الشعوبيين بالعصر الأموي، من الإخباريين والمؤرخين والأدباء والشعراء والنحاة، الذين كانوا يعانون من غطرسة القبائل العربية، فساهموا بقوة في تكريس هذه الصورة النمطية، وهذا كله أدى إلى القطيعة مع تاريخ ما قبل الإسلام.

• ولكن القرآن وصم العرب بالأمية، ووصفهم بالجاهلية كذلك!!

- نعم جاء وصف العرب بالأميين في القرآن الكريم، ولكن القرآن لم يمنح لفظ الأمي معنى الجهل بالقراءة والكتابة، ولم يرد في شعر ما قبل الإسلام أو صدره استخدام هذا اللفظ بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، والقواميس التي تبنت هذا المعنى احتجت بحديث آحاد من عصر التدوين منح اللفظ هذا المعنى، وهو خلاف القواعد التي سار عليها اللغويون، وهي اعتماد معاني الألفاظ وفق ما جاء بشعر ما قبل الإسلام، كما أنه خلاف القواعد التي سار عليها اللغويون باعتماد قاعدة الجذر اللغوي، فلم يذكر أحد منهم جذر الفعل الذي جاء منه اللفظ، بحيث يعطي معنى الجهل بالقراءة والكتابة.

وجاء في بعض القواميس وعند بعض المفسرين، أن لفظ أمي تعني غير كتابي، أو أممي، وهو الأقرب لفهم الآيات، إذ إن أجواء القرآن ممتلئة بمفردات الكتابة والقراءة والقراطيس والسجلات والكتب والمسطورات والمداد والتجارة والحساب والعد والقياس، وهي أجواء قريش المعروفة بالتجارة والاحتكاك بالشعوب المحيطة والسفر والترحال، مما لا يوحي بالجهل بالقراءة والكتابة، أما أجواء يثرب فمعروف أن نصف سكانها من عرب أهل الكتاب، لهم مدارسهم التي يتعلم فيها أبناؤهم وأبناء الأنصار الكتابة والقراءة والحساب، هذا على مستوى عرب الحجاز، أما غيرهم من العرب، فقد عرفوا الكتابة منذ أقدم العصور، النبطية والصفائية بالشمال، والمسماري بالشرق، والمسند والزبور باليمن والجنوب، واللحياني والثمودي في الغرب، والسينائية في صحراء مصر.

ولهذا تعتبر أرض شبه الجزيرة العربية متحفاً مفتوحاً لمئات الآلاف من النقوش والكتابات على الصخور، كما كانت الحيرة في عصر ما قبل الإسلام المركز الثقافي لمنطقة تمتد من العراق إلى الحجاز، وكانت قريش تبعاً ثقافياً وسياسياً لها، وكان للحيرة مكاتباتها بالعربية والفارسية مع دول العالم، ولديها ديوان للسجلات، قسم منه تكتب فيه الأشعار والقصائد والمعلقات، وكذلك الغساسنة في الشمال، فكيف يمكن تصديق أن العرب أمة تجهل الكتابة والقراءة.

• ماذا عن الجاهلية؟

- لم يستخدم القرآن لفظ الجاهلية في مكة، ولا ضد مشركي قريش، ولم يصف غير المسلمين بالجاهليين، كما لم يصفهم بالوثنيين، لقد اقتصر على لفظ المشركين في وصف عمومهم، ولفظ الكفار في وصف الذين يحاربونه، أما لفظ الجاهلية فجاء استخدامه فقط بالقرآن المدني، أربع مرات، ليعبر عن الخفة والتسرع في السلوك والقرار، واستخدمه القرآن لوصف حالة الخفة والتسرع والاندفاع عند المسلمين، فقيل حمية الجاهلية، وظن الجاهلية، وحكم الجاهلية، وتبرج الجاهلية، وهو معنى ما زلنا نستخدمه بالخليج لنصف الشخص الخفيف بالجاهل.

ولم يوصف عصر ما قبل الإسلام بالجاهلية إلا في القرن الثاني، استخدمه الأدباء للتفريق بين شعراء الجاهلية وشعراء صدر الإسلام، بينما كان الفقهاء يصفون شعوب ما قبل الإسلام بأهل الفترة.

• بالمناسبة، هل ترى أن سيد قطب أخطأ في وصف المجتمعات المعاصرة بالمجتمعات الجاهلية؟

- بلا شك أخطأ، ففي ظل المفهوم المغلوط للفظ الجاهلية، نشا جدل أدى إلى تكفير المجتمعات، ما زال مستمراً حتى اليوم، لكن سيد لم يكن أول من قال بذلك، إنما محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية الذي ألف كتاباً في مسائل جاهلية، ليثبت فيه أن المجتمعات المعاصرة أكثر جاهلية من مجتمعات ما قبل الإسلام، وجاء المفكر الباكستاني أبو الأعلى المودودي ليتبنى الفكرة ويكررها في كتبه، ولقد استقاها سيد من كتب أبي الأعلى.

• لكن هناك حديث شريف يقول إن الأمية هي الجهل بالقراءة والكتابة، أليس هذا دليلاً على عدم معرفة العرب الكتابة والقراءة؟

- أكثر رواة الحديث النبوي لم يتقيدوا بألفاظ النبي (ص)، إنما رويت الأحاديث بمعانيها، ولو ثبت أنها رويت بألفاظ النبي (ص) لكانت حجة كافية، ولهذا لم يحتج كثير من اللغويين بالحديث الشريف إلا إذا ثبت أن ألفاظه هي ألفاظ النبي (ص)، والحديث المذكور حديث آحاد، إذا تعارض مضمونه مع ما هو أصح منه ترك العمل به، حتى لو كان صحيح الإسناد، وهذا الحديث يزعم أن الأمة العربية كانت تجهل القراءة والكتابة في زمنه، وهذا خلاف الأجواء الثقافية التي يتحدث عنها القرآن في مكة والمدينة، وخلاف الطبيعة التجارية المنفتحة على الخارج للقرشيين، وخلاف التاريخ والآثار واللقى التاريخية.

• يلاحظ أن منهجك في نقد مصادر الإسلام كان أقل صرامة مما فعلته في نقد مصادر الدين اليهودي والدين المسيحي، فما رأيك بذلك؟

- أظن أن منهج النقد والتحليل كان واحداً، لم يضعف أمام مصادر الإسلام، باعتباره ديانة المؤلف، ولذلك تعاملت مع مصادر عصر التدوين حول تاريخ بداية الإسلام بمبدأ الشك، واقتصرت تقريباً على المصدر القرآني والذاكرة الجمعية، اللذين أعتبرهما مصادر صحيحة.

• ولكن هناك مزاعم ونقد حول مدى سلامة القرآن من التبديل والتحريف، نقد يتكرر في كتابات المستشرقين، لِم لمْ تأخذه بالاعتبار!!

-يعتمد المستشرقون على مجموعة روايات من عصر التدوين تتحدث عن سقوط آيات أو نسخ بعضها، لكن نفس المستشرقين يرون ضرورة تطبيق مبدأ الشك على كل روايات عصر التدوين لمعرفة السقيم من السليم، وكان الأولى أن يطبقوا هذا المبدأ على تلك الروايات، وليس المسارعة لتبنيها دون فحصها، فسلوك كهذا يبعث على الريبة، ولا يكشف عن جدية الباحث، وفي بحثي حول القرآن اعتبرته هو المصدر الأساسي الذي يتكلم عن نفسه، فناقشت مجموعة مقولات مغلوطة، منها أمية العرب، وأمية النبي (ص)، وثقافة الكتابة والتدوين عند أهل مكة والمدينة خصوصاً، والعرب عموماً.

وأثبت أن ثقافة التدوين كانت سائدة منذ العصور الأولى، وأن النبي (ص) تحمل عبء جمع وتدوين القرآن منذ اللحظات الأولى في مكة، وكان التدوين على قراطيس وليس على جريد النخيل وأكتاف العظام، وأنه خلف وراءه مصحفاً في قراطيس يضم القرآن بين دفتيه قبل موته، وأنه استعان على ذلك بحفظ عدد من صحابته للكتاب كله، ذلك أن الحرف العربي في ذلك الوقت لم يكن منقطاً، مما يلتبس على من يقرأه أول مرة، فكان التدوين لحماية القرآن من الضياع، وكان الحفظ الشفهي لحماية القرآن من اللبس، وكان هذا المصحف هو المعتمد عند كل المسلمين في كل العصور، ورفضت كل الروايات التي تقول إن واحداً من أتباعه قام بجمع القرآن، لأنها تتعارض مع رواية القرآن، ولقد تميز القرآن عن بقية الكتب الدينية بالنقل الشفهي الجماعي المستمر على مدى الأجيال، إذ إن عملية تناقله عبر الأجيال وجدت دعماً مجتمعياً واسعاً لم يفتر في كل العصور، وهو دعم لم يشهد أي انقطاع، كما تميز القرآن بأنه الكتاب الديني الوحيد الذي لم يختلف أتباعه على آياته وسوره وبنائه وتكوينه، لقد تقاتلوا وانقسموا شيعاً ومذاهب واختلفوا حول أمور كثيرة، لم يكن القرآن من بينها، وهو ما يؤكد صحته، وبطلان روايات عصر التدوين التشكيكية.

• أشرت إلى أن السنة النبوية نقلت بالذاكرة الجمعية، فهل تعني أن كتب الحديث النبوي التي بين يدينا جزء من الذاكرة الجمعية؟

- لا، لا أعني ذلك، فكتب الحديث التي بين أيدينا هي من نتاج عصر التدوين، وليس من نتاج عصر الخلفاء، وهي تمثل ذاكرة أحادية وليس جمعية، ولذلك تسمى أحاديثها أحاديث آحاد.

• ما الفرق بين السنة النبوية وحديث الآحاد؟

- كلمة سنة تعني عرفاً ثابتاً ومتداولاً عند معظم أفراد المجتمع، وهذا لا ينطبق على حديث الآحاد، وقصد بها الهدي المتداول للنبي (ص) في تطبيق الشعائر، إذ إن القرآن لم يقدم تفاصيل كيفية أداء معظم شعائره، مثل المواقيت والأذان والصلاة والصيام والحج، باستثناء الوضوء، وترك ذلك للنبي (ص) يعلمهم من خلال التطبيق العملي والممارسة والمشاهدة، ومن هذا المنطلق اعتبر القرآن طاعة النبي (ص) من طاعة الله، طالما أن هناك أموراً لا تتم ممارستها إلا بالتطبيق العملي، وليس من خلال دفتر إرشادات، فتعلم المسلمون الشعائر من ممارسات النبي، وهو ما أطلق عليه الهدي النبوي.

وظل المسلمون يتوارثون هذا الهدي جيلاً بعد جيل دون أن يكون مدوناً، تنقله لهم الذاكرة الجمعية، وأول من فكر في تدوين هذا الهدي المتداول هو عمر بن عبدالعزيز في نهاية القرن الهجري الأول، ورغم ذلك ظل الناس يعتمدون على نقله بالذاكرة الجمعية وليس عن طريق مدونات، وخلال القرنين الثاني والثالث الهجريين كانت هناك معركة فكرية بين الفقهاء المجتهدين وأهل الحديث، فالفقهاء غير مقتنعين بالآلية التي يستخدمها المحدثون للوصول لأحاديث النبي (ص)، ولذلك رفضوا استبدال الاجتهاد بحديث الآحاد، غير أن السلطة السياسية من بعد القرن الأول ساندت أهل الحديث ودعمتهم بكل قوة، إلى أن تم القضاء على الفقهاء تدريجياً، وبسيادة أهل الحديث صارت السنة هي حديث الآحاد.

• ولكنك هنا تتصادم مع المقررات الثابتة في أصول الفقه الإسلامي، وهي أن حديث الآحاد هو السنة النبوية.

- أنا لا أتصادم مع أحد، أنا أسرد سرداً تاريخياً للأفكار، ومن لديه سرد مغاير فليقدم أدلته، السنة هي الهدي النبوي المتداول والمتوارث جيلاً بعد جيل، بينما حديث الآحاد هو رواية واحد من المسلمين، سمعها بمفرده عن النبي (ص)، وتم تناقلها عبر العصور، من المؤكد هناك فرق بين النقل الجماعي المتداول والمعروف بين الناس، والنقل الأحادي غير المتداول والمجهول عند الناس.

• ولكن الذي ينقل لنا حالياً هدي النبي (ص) أو سنته هو مدونات الحديث، وليس الذاكرة الجمعية، أليس كذلك؟ ثم ألا ترى أن تهميش حديث الآحاد تهميش للمصدر الثاني في الإسلام وهو السنة النبوية؟

- لا أرى ذلك، لأن السنة النبوية ليست حديث الآحاد، السنة نقلت لنا بالذاكرة الجمعية المتواترة، وهي بذلك أقوى مما اصطلح عليه بالحديث المتواتر، نقلت تطبيقات وكيفية أداء أركان الإسلام وفرائضه الرئيسية، نقلتها لنا بالممارسة والمشاهدة والتكرار، جيلاً بعد جيل، نقلت لنا عدد الصلوات، وعدد الركعات، وكيفية الركوع والسجود والتشهد، وكيفية أداء مناسك الحج العمرة، ونقلت لنا موقع شهر رمضان من بين شهور السنة، ولم ينقل لنا هذا كله بنص موصول السند من عصر التدوين.

لقد ظل المسلمون خلال القرنين الأولين من الهجرة يمارسون شعائرهم دون تدوين لطريقة أدائها، لقد سمعوا الأذان يصدح في ثلاثين مسجداً بالمدينة المنورة أثناء حياة النبي أكثر من نصف مليون مرة، وظل يصدح فيها وحدها طوال عهد الخلفاء أكثر من مليون ونصف مرة، فهل هذا التكرار على مسمع الآلاف يحتاج إلى نص مدون؟ ولقد صلى أهل المدينة مع النبي أكثر من 18 ألف فرض، ومع الخلفاء أكثر من خمسين ألف فرض، فهل هذا التكرار اليومي أمام آلاف من الناس يحتاج نصاً يدون كيفية أداء الصلاة؟ ولقد صام المسلمون رمضان مع النبي تسع مرات، ومع الخلفاء الراشدين ثلاثين مرة، فهل هذا التكرار يحتاج نصاً توضيحياً لكيفية الصيام؟ وظلوا يخرجون زكواتهم مع النبي تسعة أعوام، ومع الخلفاء ثلاثين عاماً، فهل هذا التكرار يحتاج نصاً توضيحياً لكيفية اخراج الزكاة؟

وهذا الجيل الشاهد، يسمى شاهد عيان، ونقلت شهادته عبر جيل الأبناء، وفق ما سمعوه فوق مآذنهم، وشاهدوه في مساجدهم، ومارسوه من صيام وزكاة، وجيل الأبناء ناقل بالتواتر، وظلت الأجيال لمدة مئتي عام تتناقل بالتواتر ما تشاهده دون حاجة لتدوينه، ولقد ظلت الشعائر الأساسية مستقرة في المجتمعات الإسلامية، يتم تناقلها عبر القرون حتى اليوم، بل إن الذاكرة الجمعية نقلت لنا الزمان والمكان المرتبطين بالدين، موقع مكة والمدينة وغيرها من المواقع، كما نقلت لنا الفصحى ومفرداتها، ونقلت لنا أسماء الشهور والأيام، ووفق هذه الذاكرة القديمة نحسب تقويمنا اليوم، ونقلت لنا أسماء الصحابة، وأسماء زوجات النبي (ص)، وقريش وبيوتاتهم، والأنصار وبيوتاتهم، ومغازي النبي (ص) الرئيسية، وأسماء الخلفاء الراشدين، والخطوط الرئيسية لتاريخهم.

إن التدوين في القرن الثالث لم يضف إلى موثوقيتها شيئاً، وهذا هو الدستور البريطاني، غير مكتوب، ويعتمد على قرارات قديمة في تاريخ المملكة المتحدة، ولو تمت كتابة هذه القرارات في شكل دستور فسيظل البريطانيون يعتمدون على ذاكرتهم الجمعية التاريخية.

هل هناك دليل على أن كلمة «أكو» تعني يوجد؟

في رده على سؤال عن عدم كفاية استخدام الذاكرة الجمعية كحجة في ظل غياب الأدلة الاركيولوجية، اعتبر الشطي أن «هذا تعسفاً لا يقبله منطق، الذاكرة الجمعية تنقل لنا اللغة قبل تدوينها، ومعاني الألفاظ قبل تدوينها، والعادات والتقاليد قبل تدوينها، والفولكلور قبل توثيقه».

وقال: هل هناك دليل على أن الكويتيين مثلا يتكلمون باللهجة الكويتية قبل مئتي عام؟ لا دليل سوى الذاكرة الجمعية، هل هناك دليل على أن كلمة (أكو) تعني يوجد؟ ومن أين تلقت أمهاتنا طبخ الوجبات الكويتية؟ ومن نقل لنا ألحان السامري والصوت والعرضة؟ كل ذلك لم يكن مدوناً منذ مئات السنين، وحافظت عليه الذاكرة الجمعية، ولكن الاحتجاج بالذاكرة الجمعية يتم بشروط تحدثت عنها في كتابي، فهي ليست دليلاً مفتوحاً وبلا شروط«.

واضاف: «هذه الشروط تنطبق على نقل القرآن والسنة النبوية، ومع ذلك فإن ثبوت سلامة القرآن من التحريف لا يقوم على النقل الجمعي المتواتر منذ وفاة النبي (ص)، ولا على اجتماع المسلمين عليه خلال 1500 عام دون خلاف، إنما كذلك على الأدلة الأركيولوجية، فرغم ما تعرضت له المدينة المنورة من حرق وتدمير أيام يزيد بن معاوية، وما تعرضت له مكة أيام عبدالملك بن مروان، أدى إلى احتراق النسخ القرآنية الأصلية فيه، ورغم التدمير وحرق المكتبات التي تعرضت له مكتبات بغداد وبقية العالم الإسلامي أيام الغزو التتاري، رغم كل ذلك، عثر على مخطوطات قرآنية تنتمي إلى القرن الهجري الأول، منها ينتمي إلى عصر الخلفاء الراشدين، وبعض آخر ينتمي إلى القرون التالية، وهي كلها تثبت تاريخية القرآن اركيولوجياً، والاختلاف بينها وفق دراسة المحقق محمد مصطفى الأعظمي أقل من 5 في المئة، وتأتي الاختلافات بسبب أخطاء النساخ، ونظام التنقيط، ولذلك احتاط النبي (ص) بجعل الحفظ الشفهي معياراً للحفظ التدويني، وكلنا يعلم أن المجتمعات الإسلامية منذ عهد النبوة حتى اليوم حرصت على تخريج أرتال من حفظة القرآن دون توقف، وهذه مسألة يصعب فهمها عند الأوروبيين، نتيجة حداثة تحولهم من البربرية إلى المدنية والحضارة».

الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي