محمد صالح السبتي / هل للأشخاص طعم؟

تصغير
تكبير
كلنا يتذوق الطعام فيحس أن هذا الأكل حلو لذيذ وأن الآخر مالح، وقد يكون حامضاً أو قليل الملح. والحلاوة في اللسان - آلة التذوق - درجات فمن الأكل ما تكون حلاوته لذيذة رائعة، ومنه ما تكون حلاوته زائدة لدرجة الكره والرفض، وكذا الحال بالنسبة إلى الملوحة أو الحموضة أو غيرها من إحساسات الذوق.

والحال ذاته بالنسبة إلى النصوص الأدبية والشعرية أو الألحان، فلكل طعمه يحسه الإنسان ويتذوقه، كما يتذوق الأكل ويشعر بذائقته تخالج نفسه.

لكن هل للبشر والأشخاص طعم؟ وهل من الممكن أن يتذوق الإنسان صاحبه ليحس بطعمه وذائقته؟ أقول نعم للأشخاص طعم، وممن الممكن تذوق البشر والإحساس بمدى حلاوتهم أو ملوحتهم أو حتى حموضتهم.

فمن البشر من يكون طعمه حلواً لذيذاً تحب مجالسته وتستأنس بمسامرته وتشعر بسعادة وذائقة لذيذتين، حين تتحدث إليه وكأنما تأكل ما تحب من مأكل لذيذ، ومنهم من تكون حلاوته زائدة عن الحد حتى تكره فيه هذا الطعم الحلو، وهو من يتكلف الأمور الحسنة ويصطنعها حتى تزيد عن حدها، ظناً منه أن مثل ذلك أفضل، وكأنه قطعة الحلوى التي زادت حلاوتها عن الحد المقبول، فكرهتها الألسن لشدة حلاوتها. ولذا يكره مثل ذلك من يجالسه لشدة تكلفه واصطناعه الأمور، فقد نجد شخصاً مثلاً يصطنع التأدب أو احترام الآخرين الى حد التملق، وهو المقصود والمعني بمن زادت حلاته الى حد الكره.

ومن البشر مالح الطعم، وهم نوعان فالأول فيه من الملح ما يصلح طعمه ويجعلك تحب مجالسته حتى مع ملوحته لكونها تصلح الحديث معه وتمنعه من التكلف وتشعرك بشيء من الفكاهة والأنس بمسامرته. أما الثاني فذلك الذي يكون مالح الطعم الى حد المقت أو الكراهة.

والحامض من الناس من تتغير معالم وجهك حين مقابلته، أو اللقاء به، كما يتغير معالم وجهك حين تذوق الحامض من الأكل وكلاهما القليل منه مقبول، وقد يكون مستساغاً والكثير منه يفسده.

وقد تشتهي نفسك أحياناً الحلو من الطعام، كما تشتهي الحلو من الأشخاص، ومرات أخرى تشتهي المالح أو الحامض، حسب رغبتك وشعورك وظروفك أكلاً وأشخاصاً.

وقد يصلح الحلو لوقت أو لشخص ولا يصلح لوقت أو شخص آخر، وكذا بقية البشر حسب طعمهم وظروف مجالستهم.

ولو تشيح بنظرك إلى الذين هم حولك من الأصدقاء أو ممن تعاشرهم لوجدتهم كالطعام، ذائقه منهم حلو المطعم ولذيذ، ومنهم مالح ومنهم حامض وقد تزيد هذه الصفات في بعضهم وقد تنقص .

ولهذا فلا يصلح أكل بلا حلاوة أحياناً أو بلا ملح أو حامض أحياناً أخرى، ولكل أكلة أصول لطبخها وتؤكل في أوقات ولا تؤكل في أوقات أخرى.

والمعنى أن البشر والأشخاص كالأكل قد تصلح فيهم الحلاة أحياناً، وقد تحتاج الى الملوحة أو الحموضة في أحيان أخرى، وقد يصلح الحلو من البشر في مواقف، لكنك تحتاج إلى الملوحة أو الحموضة في مواقف أخرى.

والأخلاق كهذه المذاقات لها حد يجب أن نقف عنده، فالكرم جميل وإن زاد عن حده أصبح إسرافاً مذموماً، والشجاعة ممدوحة فإن زادت عن حدها أصبحت تهوراً، والحرص مطلوب فإن زاد عن حده أصبح بخلاً ذميماً، وسعة الصدر خصلة جميلة فإن طغت أصبحت تهاوناً، والغضب إن قل أو كثر كان وبالاً، فهذه الصفات كلها مطلوبة وممدوحة، لكن في أوقاتها وبحد معين إن نقص أو زاد أصبح مذموماً.

أمعن التفكير في أكلك تجد الصفات والأشخاص، ولنا بذلك عبرة.





محمد صالح السبتي

كاتب كويتي

[email protected]
الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي