قصة تأسيس «شركة نفط الكويت» كما يرويها جوناثان فراير

هكذا لعب أحمد الجابر بأعصاب المتنافسين على الامتياز

تصغير
تكبير
بين بدء التنقيب عن النفط في الكويت قبل 75 عاماً وبدئه على الضفة الأخرى من الخليج العربي في إيران عام 1901، نحو ثلاثة عقود ونصف العقد، تخللتها حرب عالمية وتغيرات جذرية في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، واختفت خلالها الامبراطورية الأكثر حضوراً في المنطقة، الامبراطورية العثمانية.

خلال تلك العقود لم يكن الاعتقاد بوجود نفط في الجهة العربية من الخليج مؤكداً، ومع ذلك فإن الكثير من المناورات أجريت بين الامبراطوريات الكبرى للفوز بامتيازات التنقيب.

يروي جوناثان فراير في كتابه «النفط والتنمية في الكويت: القصة الكاملة لشركة نفط الكويت» (مراجعة أ. د. عبد المالك التميمي)، كيف برع حاكم الكويت الراحل المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح، الذي حكم الكويت بين العامين 1921 و1950، في «اللعب في أعصاب المتنافسين على الامتياز النفطي، الذي كان التنافس عليه بشكل رئيسي بين البريطانيين والأميركيين».

كانت شركة النفط الإنجلو- فارسية «آبوك» (تحول اسمها لاحقاً إلى «بريتش بتروليوم» الذائعة الصيت عالمياً) أول من بدأ التفاوض مع الشيخ أحمد الجابر في العام 1923، لكن رائداً نيوزيلندياً حذقاً اسمه فرانك هولمز دخل لعبة الكبار سعياً لشراء امتياز التنقيب وبيعه إلى شريك عالمي كبير، ليضمن حصته من الكعكة. ذلك الشريك الكبير لم يكن إلا شركة نفط الخليج في بنسلفانيا (تحول اسمها لاحقاً إلى «شيفرون»)، التي كانت تشكل ذراعاً أميركية طويلة لواشنطن الساعية إلى الحصول على موطئ قدم حيثما تشتم رائحة نفط.

طيلة عشر سنوات من الدسائس والمكائد بين الشركتين المتنافستين، ظل الشيخ أحمد الجابر متمسكاً بطول نفسه في التفاوض واللعب على التناقضات لاستدراج عروض أفضل.

ومع اكتشاف النفط في البحرين عام 1931، ارتفعت سخونة التنافس، إلى أن اتفقت الشركتين في 4 ديسمبر 1933، بموافقة حكومية بريطانية على تقاسم النفوذ من خلال تأسيس شركة بالمناصفة بينهما تحمل اسم «شركة نفط الكويت المحدودة»، لتفاوض الشيخ أحمد.

لكن المفاوض الكويتي لعب على تنافس جديد بين الشركة الجديدة من جهة ومجموعة من رجال الاعمال البريطانيين الذين أسسوا شركة أسموها «ترادرز ليمتد»، ولم يصدق التحالف البريطاني- الأميركي يلوح الشيخ أحمد بوجود منافس جديد إلا حين لمس ذلك بنفسه. ومارست الحكومة البريطانية ضغوطاً عليه لإبقاء المفاوضات مع «شركة نفط الكويت» في مسارها، متسلحة بموافقة من سلفه الشيخ سالم المبارك (حكم بين العامين 1917 و1921) على عدم التفاوض مع أي طرف لا تجيزه الحكومة البريطانية.

لكن الشيخ أحمد استفاد من وجود المنافس إلى النهاية، وتمكن من تحسين شروطه بعد عام كامل من الاتفاق الأميركي- البريطاني، وفرض تعيين ممثل محلي له لدى الشركة في الكويت، وممثل آخر في لندن.

وفي 23 ديسمبر من العام 1934 منحت الكويت أول امتياز للتنقيب عن النفط على أراضيها، لتمهد الطريق إلى اليوم التاريخي الذي اكتشف به النفط في 22 فبراير 1938 في حقل برقان.

في ما يلي مقتطفات من كتاب «النفط والتنمية في الكويت»، تحكي تلك الحكاية.



كانت شركة النفط الإنجلو- فارسية (آبوك) تسعى للحصول على امتياز للنفط في الكويت، ولو انها بذلت الجهود بصورة متقطعة لبلوغ ذلك الهدف.

وفي مايو 1918، اتصلت (آبوك) بوزارة الخارجية في لندن طالبة توسيع رقعة التغطية لامتيازات النفط التي تشمل أراضي خاضعة للحكم البريطاني في بلاد ما بين النهرين بعد الحرب، بحيث تشمل ايضا منطقة الكويت، بيد أن محادثات السلام وتداعيات انهيار الامبراطورية العثمانية استغرقت حينذاك وقتا طويلا جدا لدرجة استحالت معها الاستجابة لرغبة شركة النفط وفي مايو 1921، ذكرت شركة النفط الإنجلو - فارسية وزارة الخارجية بطلبها السابق الرامي إلى تكليف المندوب السياسي البريطاني المقيم في الخليج بتقديم طلب للشيخ احمد للحصول على رخصة تنقيب حصرية، وفي ديسمبر من ذلك العام، أبلغت وزارة المستعمرات البريطانية (التي تسلمت مسؤولية شؤون الكويت من الوزارة الهندية) شركة النفط الإنجلو- فارسية موافقتها على بدء مفاوضات كهذه شرط أن تتم عن طريق المندوب السياسي المقيم، وانقضت عشرة أشهر اضافية قبل أن تؤكد وزارة المستعمرات بأن المندوب السياسي المقيم قد تلقى تعليمات بمساعدة مندوبي الشركة في التفاوض مع الشيخ أحمد لابرام اتفاقية، وفي يناير عام 1923، افتتح المعتمد السياسي في الكويت رسميا مفاوضات شركة النفط الإنجلو - فارسية مع الحاكم، لكن تدل المراسلات والمستندات الأخرى ذات الصلة، إلى أن أياً من شركة النفط الإنجلو- فارسية والحكومة البريطانية لم تتعامل مع تلك المسألة بالاهتمام والمثابرة اللذين تقتضيهما معالجة قضية مستعجلة، على رغم ان كلتيهما اعتقدت أنه قد يكون من المفيد التوصل إلى اتفاقية قبل أن يحاول شخص آخر الدخول على خط الصفقة، ومما لا يدعو للاستغراب أن ذلك الشخص الآخر كان النيوزيلندي فرانك هولمز إياه الذي أرسل برقية إلى الشيخ احمد في مايو 1923 يحثه فيها على عدم منح أي امتياز نفطي إلى أي شركة حتى تسنح له الفرصة بدراسة الشروط التي تعرضها «الهيئة الشرقية والعامة». وقال في برقيته تلك «سيجلب مندوبنا في الباخرة القادمة الرسائل والشروط ليعرضها على سعادتكم»، مضيفا «يسرني إبلاغكم بأنني ضمنت موافقة صاحب السمو عبدالعزيز آل سعود على شركتنا، وأمنت استبعاد الامتيازات عن كل الشركات الأخرى التي تفاوضت مع سموه الكريم».

وفي الشهر التالي، قدمت شركة النفط الإنجلو- فارسية مسودة شروطها الخاصة باتفاقية امتياز مع الكويت، وبفضل الصداقة المتينة التي كان السير آرنولد ويلسون المدير العام للشركة في عبدان، قد أقامها مع الشيخ أحمد، فإنها كانت واثقة تماما من ان شروطها ستحظى بالموافقة، غير ان الوقائع أثبتت لاحقا ان هذا التفاؤل بالنجاح لم يكن في محله، لا سيما ان هولمز كان قد عرض شروطا افضل، الأمر الذي دفع الشيخ أحمد إلى رفض شروط شركة النفط الإنجلو- فارسية داعيا إياها لتقديم عرض افضل، وهكذا بدأ طرح سلسلة من العروض والعروض المضادة فيما تواصلت المفاوضات وحيكت المكائد والدسائس وراء الكواليس وذلك لعشر سنوات قبل تسوية الأمر بطريقة مرضية، وخلال تلك العملية ازداد تذمر المسؤولين في مختلف الوزارات البريطانية بسبب عدم احراز تقدم، في حين بات الشيخ أحمد أكثر براعة في اللعب بأعصاب المتنافسين على الامتياز النفطي، وقد ركزت شركة النفط الإنجلو- فارسية على سجلها المتميز المعتمد على الخبرة والتجارب الميدانية، وردت «الهيئة الشرقية والعامة» على ذلك باطلاق المزاعم عن نجاحها في إبرام اتفاقيات مع السعوديين، فعقد المديرون التنفيذيون لشركة آبوك العزم على منع الهيئة من انتزاع أي امتياز نفطي كويتي منهم. والمفارقة ان هؤلاء المسؤولين لم يرغبوا بتخصيص موارد كبيرة لعرضهم، أو بإعطاء وعود مفرطة في السخاء للكويت، إذ انهم لم يكونوا مقتنعين تماما بوجود رواسب نفطية ذات فائدة حقيقية هناك، وأظهرت الاستطلاعات التي أجريت في منتصف عشرينات القرن الماضي نتائج متناقضة، ففي عام 1924 اكتشف العالم الجيولوجي السويسري هايم ترابا مشربا بالنفط في بحرة، وليس في برقان، كما رفع الخبراء التابعون لشركة آبوك في نهاية زيارتهم للكويت في يناير 1926 تقريرا غير مؤات، ورتبت الشركة في صيف عام 1925 زيارة للشيخ أحمد إلى مصانعها في عبدان، على أمل أن تثير اعجابه بمدى كفاءتها وحجم اعمالها، ولكن الحاكم بدأ يشك على نحو متزايد بأن آبوك لم تكن جادة أبدا بخصوص تطوير نفط الكويت لأن هدفها الحقيقي لم يكن المضي في البحث والتنقيب بحماسة عن هذه الثروة بقدر ما كان ابعاد المنافسين عنها.

اتسم هذا الافتراض ببعض المصداقية لأن شركة آبوك رفضت عرضا من الهيئة الشرقية والعامة لتملك مصالحها في البحرين والحسا وفي المنطقتين المحايدتين والكويت لقاء مبلغ مناسب، ولم تكن لدى هولمز وشركائه أي رغبة في القيام بانتاج النفط بأنفسهم، وكما ذكر آنفا، فإن هدفهم كان إثارة اهتمام شركة نفط كبرى كي تشتري الامتيازات التي نجحوا بالتفاوض بشأنها، ما يضمن لكل منهم تقاعدا شخصيا مريحا من الناحية المادية، وفاز هولمز فعلا بامتياز التنقيب في البحرين عام 1925، بعد تنظيم ناجح لحفر آبار المياه هناك، وفي 1927، اقنع شركة «غولف اويل كوربوربشين» (شركة نفط الخليج) في بنسلفانيا بالاتفاق على خيار شراء مبدئي بشأن مصالحه في الكويت بعد أن أظهر حفر آبار المياه هناك وجود بقايا نفطية، ونظرا للدعم القوي الذي حصل عليه، قدم هولمز مسودة اتفاقية امتياز إلى الشيخ أحمد الذي رفضها مع ذلك.



بريطانيا وأميركا: (حرب) الأخوة

نظرا لتزايد قلق لندن من أن تجد المصالح التجارية الأميركية موطئ قدم لها في الكويت من خلال أي اتفاقية امتياز نفطي، عمدت الحكومة البريطانية إلى التذكير بضرورة الالتزام التام ببند ورد في اتفاقية 1913 أيام الشيخ مبارك وينص على وجوب عدم اعطاء أي امتياز نفطي إلى مؤسسة غير بريطانية، إلا ان هذا البند لم يكن ثابتا تماما على الدوام، كما استطاع هولمز أن يوضح خلال الأشهر التالية. إذ وافقت الحكومة البريطانية على مشاركة أميركية في تطوير حقول النفط في البحرين ومنح امتياز البحرين إلى شركة تابعة لشركة ستاندارد أويل Standard Oil Company في كاليفورنيا، وذلك في يناير 1930، وفي العام السابق كان هارولد ديكسون الذي قال لهولمز عندئذ بأنه يجب عدم اعتبار ما حدث في البحرين بأنه سابقة ينبغي تكريسها، قد نقل من البحرين إلى الكويت حيث صار المعتمد السياسي المقيم الجديد هناك، ودعمت وزارة المستعمرات في لندن المطالبة بتنفيذ البند الآنف الذكر، إذ أبلغت في يناير 1931 الهيئة الشرقية والعامة بأن الشيخ احمد سيرفض منح امتياز لأي شركة لا تكون بريطانية بالكامل، ولم يكن ذلك هو الانطباع الذي تكون لدى هولمز من خلال علاقته بالشيخ نفسه، إذ بدأت تجمع الرجلين صداقة وطيدة، واشتكى الشيخ اليه في أكتوبر 1931 قائلا «أشعر أنا وشعبي بالقلق بشأن وجود تطوير موارد النفط بأقل تأخير ممكن، لقد كانت رؤيتي للعمل النفطي يبدأ في البحرين فيما لا يحصل شيء هنا، بمثابة طعنة في قلبي».

ثم شنت الولايات المتحدة حملة ديبلوماسية قوية في لندن، لدعم قضية وجود شركات النفط الأميركية في الشرق الأوسط، وفي هذا السياق عينت واشنطن في فبراير 1932 سفيرا جديدا لها في لندن هو رجل الأعمال المليونير والممول الكبير أندرو ميلون الذي امتلك أسهما ضخمة باسمه في شركة نفط الخليج، ما جعله مهيئا تماما للعمل بتصميم ودأب على تحقيق مصالح شركات النفط الأميركية، وفي أواخر الشهر التالي، أثارت وزارة الخارجية الأميركية رسميا مع وزارة الخارجية البريطانية مسألة الامتيازات النفطية في الكويت، وتسلم الأميركيون خلال أسابيع جوابا سعت بريطانيا فيه إلى استرضائهم من خلال التأكيد بأنها لن تصر على وجوب تنفيذ البند المتعلق بالسيطرة البريطانية على الثروة النفطية إلا إذا كان الشيخ أحمد راضيا عن هذا البند.

ثم برز عنصر طارئ جديد في القضية في يونيو، عندما اكتشف النفط بكميات تجارية كبيرة في البحرين، وفجأة بدا أن الشطر العربي من الخليج يتمتع بقدر من الجاذبية لم تتوافر له قبل أن يغدو مرشحا قويا لاستضافة مشاريع محتملة على أراضيه، ورأت شركة آبوك أن عليها التصرف بسرعة، فأرسلت في الشهر التالي إلى الكويت رجلا مميزا اسمه وليام ريتشارد ويليامسون.

وبفضل جهوده استطاعت الشركة أن ترسل بعد بضعة أشهر فقط مندوبا رسميا لها إلى الكويت اسمه آرتشيبالد تشيشولم، وهو محرر سابق في الفاينانشال تايمز، ساعده ويليامسون كما اشتغل مترجما له خلال تعامله مع الشيخ احمد.

وما ان وصل تشيشولم إلي الكويت حتى ظهر هولمز مرة أخرى كممثل عن الهيئة الشرقية والعامة وشركة نفط الخليج، وحسبما تتذكر لاحقا فيوليت ديكسون، كانت حياة المغتربين البريطانيين في الكويت مفعمة بالنشاط لوجود هذين المتنافسين النشيطين اللذين اختلفت طبيعة كل منهما عن الآخر، شكل تشيشولم، بشبابه الساحر ومرحه ومهارته في لعبة التنس بمثابة الهدية الثمينة لكل مناسباتنا الاجتماعية، لقد كان طويلا ونحيفا، يرتدي نظارة «مونكول» تقليدية بعدسة واحدة ويتميز بسلوك في غاية الجودة، ومن ناحية أخرى، كان فرانك هولمز نيوزيلنديا متوسط العمر وضخم القامة اتسمت شخصيته بالقسوة والدهاء مع سجل حافل بالأسفار حول العالم، وكان قويا وفي أغلب الأحيان فظا يفتقر إلى اللباقة، ولكنه مع ذلك يمكن أن تكون صحبته حلوة ومسلية.

تحدث تشيشولم وهولمز، أي شركة آبوك وشركة نفط الخليج، في ذلك الوقت حول كيفية تقسيم الغنائم المحتملة في الكويت قبل أن يتفقا في نهاية الأمر - وبموافقة الحكومة البريطانية - على مشروع شراكة تمكنهما معاً من الفوز بامتياز واحد أو أكثر من الحاكم الكويتي. ووفقا لذلك أبرما اتفاقية في 14 ديسمبر (تم بموجبها تأسيس شركة نفط الكويت المحدودة).

وفي غضون بضعة أسابيع، تأسست شركة نفط الكويت في فبراير 1934 بلندن برأسمال أولي بسيط قيمته 50.000 جنيه استرليني بملكية مشتركة وبأسهم متساوية لصالح شركة النفط الإنجلو- فارسية آبوك وشركة نفط الخليج، وللشركة ستة أعضاء في مجلس الادارة، ثلاثة من شركة آبوك وثلاثة من شركة نفط الخليج.

أما رئيس المجلس، الذي لا يتمتع بصوت ترجيحي، فيتم تعيينه بالتناوب كل سنة من قبل شركة آبوك وشركة نفط الخليج، وأصبح كل من تشيشولم وهولمز موظفين لدى شركة نفط الكويت، وبذلك بات المتنافسان السابقان زميلين في العمل.

وفي مارس 1934، وقعت الحكومة البريطانية اتفاقية مع شركة نفط الكويت للتأكيد على الأهمية السياسية لهذا التطور، وعمدت إلى الإصرار على أن تكون شركة نفط الكويت بريطانية بشكل أساسي وعلى رأس مجلس ادارتها بريطاني رغم المشاركة الأميركية فيها، وذلك استنادا إلى اتفاقية 1913 المبرمة مع الشيخ مبارك، وتوجب أن يكون لها مكتب في الكويت بطبيعة الحال فضلا عن مقرها الرئيسي في لندن، ونصت الاتفاقية الجديدة على تملك البريطانيين نسبة 50 في المئة على الأقل من اسهم شركة نفط الكويت أو أي شركة يتم تحويل ملكيتها اليها، وان يكون لتصويتهم قوة ترجيحية مرادفة لتلك النسبة، وعلاوة على ذلك، ففي حال إعلان حالة الطوارئ في المملكة المتحدة أو عند اندلاع حرب، تكون للحكومة البريطانية الأولوية المطلقة على جميع الأطراف الأجنبية في ما يتعلق بتلبية احتياجاتها من النفط الخام أو المكرر من جانب شركة نفط الكويت، كما ضمنت الوثيقة بأنه، في حال حدوث أي تعارض بين شروط الاتفاقية وشروط أي امتياز بينها وبين الشيخ أحمد، فإن شروط الاتفاقية هي التي تطبق وبغرض توفير الضمانة للندن بأنها ستتمكن من متابعة التطورات، نصت الاتفاقية ايضا بشكل محدد على أن معالجة العلاقات بين المندوب الرئيسي لشركة نفط الكويت في الكويت من جهة والسلطات الكويتية من جهة أخرى منوطة بالعقيد ديكسون المعتمد السياسي البريطاني في الكويت.



(أبوالنفط)

وما ان تم الاتفاق على هذه المسائل الأساسية حتى بدأت مفاوضات الحصول على الامتياز بين فريق مشترك يضم ممثلين عن شركة آبوك وشركة نفط الخليج من جهة والشيخ أحمد من جهة أخرى. وعندما شق تشيشولم وهولمز طريقهما إلى الكويت لافتتاح المفاوضات المشتركة، أرسل لهما ديكسون برقية يقول فيها بجرأة «أهلا بالتوأمين المبهجين»، ولكن لم يدرك أحد أن الموافقة على شروط الامتياز كانت لا تزال بعيدة المنال. لا سيما ان الشيخ احمد قد شعر بالاستياء لأن العرض الأولي لشركة نفط الكويت كان أقل مما عرضته كل من شركة آبوك والهيئة الشرقية والعامة عندما كانتا تتنافسان كل منهما مع الأخرى، وبصورة مماثلة، فإن الاقتراحات التي رد بها الشيخ على الاقتراحات الأخرى - التي تضمنت ايضا طلبا بأن يكون له الحق بترشيح عضو في مجلس ادارة شركة نفط الكويت - كانت غير مقبولة بالنسبة لشركة نفط الكويت. وزادت الأمور تأزما وتعقيدا، حين اجتمع بعض رجال الأعمال البريطانيين في لندن لتأسيس شركة اسمها ترايدرز المحدودة Traders Limited، وتقديم عرض بديل سري للشيخ، وبدا أن نيتهم، التي حظيت ببعض الدعم بين أعضاء مجلس اللوردات، كانت تعود إلى حد كبير إلى التصميم على ضمان امتياز يملكه البريطانيون بنسبة 100 في المئة، وعندما بدأ الشيخ أحمد بالتلميح بوجود مثل هذا العرض المنافس، لم تشأ شركة نفط الكويت أن تصدقه، ومع ذلك، فعندما اتضح بالفعل أن ثمة لاعبا آخر في الميدان يعرض شروطا أفضل، عمدت الحكومة البريطانية إلى الالحاح بتذكير الشيخ بأنه كان من المفروض به ألا يتفاوض حول امتيازات نفطية مع أي شخص من دون موافقتها، أما هولمز الذي كان وقتئذ في الستين من عمره وتشيشولم الذي يبلغ عمره 32 عاما - اللذان لقب الكويتيون أولهما بـ «أبي النفط» والثاني بـ «الرجل الطويل» - فبقيا يتسكعان في البلدة في انتظار قادم لم يأت إلى أن أخبرهما الشيخ أحمد أنه لن يستأنف المفاوضات حتى شهر سبتمبر، وان من الأفضل لهما أن يرحلا.

في هذه المرحلة، وصلت حمى الشك المفرط بين بعض اللاعبين الرئيسيين إلى مستوى جديد غير معهود وانتاب القلق مجلس ادارة شركة نفط الكويت في لندن من أن هولمز قد أقام علاقة ودية للغاية مع الشيخ وأنه كان يستبعد تشيشولم عن بعض مصادر المعلومات الداخلية، ومن ناحيته، بات هولمز مقتنعا أن شركة آبوك كانت تحيك المؤامرات ضد شركة نفط الخليج وتقوم بغش الأميركيين، وهي فكرة سخرت منها شركة نفط الخليج، ومع ذلك يبدو أن الشيخ أحمد أخذها على محمل الجد كما ان العقيد ديكسون لم يكن يستبعد نظرية المؤامرة بصورة كاملة.

وازدادت الأمور توترا حتى بلغت مرحلة التأزم في 4 ديسمبر عندما طلبت شركة ترايدرز المحدودة رسميا من الحكومة البريطانية الموافقة على حقها بتقديم عرض للحصول على امتياز نفطي كويتي، مدعية - مع بعض المبررات - بأن الشيخ احمد أشار إلى انه سيسره قبول عرضها، وهكذا وجدت شركة نفط الكويت والحكومة البريطانية نفسيهما تحت ضغط كبير، وتمت بسرعة إعداد الترتيبات لتقديم عرض باسم الشركة يتمتع بنصيب جيد لنيل موافقة الشيخ احمد ووقع الحاكم هذه الاتفاقية رسمياً في 23 ديسمبر 1934، بحضور هارولد ديكسون.

ونالت شركة نفط الكويت أخيرا حقوقا حصرية للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي واستثمارهما في الكويت، وذلك بموجب شروط اتفاقية الامتياز النفطي تلك، ثم أبرمت الشركة عقودا لبدء عمليات الاستكشاف خلال تسعة أشهر من توقيع الاتفاقية، وكان يحق للشركة تعيين ممثل محلي رئيسي، على أن يرشحه أو يسميه أولا الشيخ أحمد المخول ايضا تعيين مسؤول عربي لتمثيله محليا، بالاضافة إلى شخص كويتي أو بريطاني أو أميركي ليكون ممثله الرسمي في لندن، وحدث فعلا انه اختار هولمز للدور الأخير، مؤكدا الثقة التي أولاها للرجل النيوزيلندي، وبما انه رضي أخيرا بالنتيجة التي تم التوصل اليها، قام الشيخ أحمد بزيارة رسمية إلى لندن في صيف عام 1935، كانت بمثابة الرمز لأهمية الروابط القائمة بين البلدين.



وصول الموظفين الأوائل

بدأ الموظفون البريطانيون في شركة نفط الكويت بالوصول إلى الكويت في أواخر العام، وكان بعضهم موظفون من أصحاب الخبرة الطويلة لدى شركة النفط الأنجلو- إيرانية (وهو الاسم الجديد لشركة النفط الإنجلو- فارسية منذ عام 1935)، بمن فيهم سنيب سكوت أول المديرين التنفيذيين المحليين لشركة نفط الكويت، ومن الموظفين البريطانيين الأوائل الآخرين في الشركة داني روبنسون ونورمان أليسون، في حين ان أميركيين مثلا شركة نفط الخليج هما: توم باتريك وتيد ريكسترو، أما أول موظف كويتي لدى شركة نفط الكويت فكان عبدالسلام شعيب، الذي عينه السكرتير الخاص للشيخ أحمد الملا صالح، وذلك لهدف محدد وهو ابلاغه بما يقوم به موظفو النفط الأجانب.

اتبعت نشاطات الاستكشاف الأولية للشركة توصيات وردت في تقرير قدمه خبير لشركة نفط الكويت في ربيع عام 1935، ويحمل تاريخ 1 يونيو، وقد أوصى بالحفر بادئ الأمر في بحرة، لافتا إلى وجوب إجراء مسح جيوفيزيائي آنذاك في المنطقة جنوب جون الكويت وأوصى كاتب التقرير بتنفيذ الحفر الاضافي في مدنيات وبرقان، أيا كانت نتائج الحفر التجريبي في بحرة... داني روبنسون الذي كان يشارك بالعمل في الموقع ذاته، سرد لمجلة «الكويتي» قصة ذاك اليوم التاريخي بكل ما فيه من مفاجآت بدأت بـ «هجوم» مباغت من ريح الشمال ولم تنته عند تعكير صفو النهار الجميل، وتفاصيل مثيرة أوحت للعاملين أن الحظ سيكون في جانبهم، والبهجة الغامرة بتحقيق انجاز من هذا النوع الذي غير وجه الكويت والمنطقة، من هذه الذكريات التي نشرتها «الكويتي» في 31 يناير 1950، نقتطف الفقرات التالية:

في 30 مايو 1936 عند نحو منتصف النهار، تمت التجربة الأولى في البحث عن نفط الكويت، نعم، لقد تم حفر البئر رقم 1 في بحرة بعد أسابيع من الجهد المضني لنصب برج الحفر وجمع المعدات والتجهيزات اللازمة، وتطلب الأمر صبرا طويلا وقدرة على التحمل بسبب الصعوبات اللغوية، فلم يتمكن أحد من الموظفين لدينا في (شركة نفط الكويت) من التحدث بالعربية، وكانوا يشعرون دائماً بالاحباط بسبب عدم وصول بعض قطع المعدات، ما أدى إلى اللجوء مرارا إلى عمليات ارتجالية، ومع اقتراب التاريخ المحدد لبدء التشغيل، لم نكن قد حصلنا بعد على منضدة دوارة، وبما ان ذلك كان خارج نطاق المشرف الأكثر إبداعا لدينا، تقرر البدء بالحفر بأدوات حفر ذات كابل، وقد تكون أفضل صيغة لوصف هذه الطريقة.

 



من يعرف «الحاج ويليامسون»؟



عندما اكتشف النفط في البحرين مطلع الثلاثينات، تحرك الانكليز بسرعة لتنشيط المفاوضات مع الكويتيين، فأرسلت «آبوك» رجلاً مميزا اسمه وليام ريتشارد ويليامسون وهو مسؤول سياسي يعمل لدى الشركة، وكانت مهمته أن يفوز بحظوة لدى أصحاب النفوذ الكويتيين على أمل أن ذلك قد يُكسب الشركة امتيازا نفطيا، وكان ويليامسون ملائماً جدا للمهمة خصوصا انه أجاد العربية والفارسية وله خبرة واسعة بالمنطقة تعود إلى سنوات طويلة، إذ هجر بيت عائلته في بريستول وهو بعد في الـ 13 من عمره ليصبح عاملاً على متن سفينة متجهة نحو المشرق، ويُقال انه قفز عن السفينة في عدن، ثم أصبح في ما بعد موضع رعاية شخصيات مرموقة مختلفة في الجزيرة العربية وفي شبه القارة الهندية. وقد اعتنق الإسلام وأدى فريضة الحج إلى مكة المكرمة، فاتخذ لنفسه اسما جديدا في المنطقة هو الحاج عبدالله فضل الزبيري. صحيح انه من غير الممكن دائماً فصل الحقيقة عن الخيال في الروايات التي تنسج حول حياة ويليامسون، لكن من المؤكد انه عاش في الكويت مع زوجة عربية في منطقة أطلق عليها المغتربون البريطانيون اسم «حي السكان المحليين»، وربى أولاده الذين اشتغل أحدهم في محطة وقود في الكويت، على الأنماط والعادات العربية، وقد نظرت الجالية البريطانية الصغيرة هناك إلى الحاج ويليامسون بسخرية، بيد أن شركة آبوك كانت على ثقة بأنه أسدى لها خدمات أساسية ومفيدة.





اتفاق البريطانيين والأميركيين ... الطريق إلى «نفط الكويت»



في العام 1933 توصلت شركة «آبوك» البريطانية (بريتش بتروليوم» لاحقاً إلى اتفاق مع شركة نفط الخليج («شيفرون» لاحقاً) لتقاسم امتياز التنقيب عن النفط في الكويت، لينهيا بذلك سنوات من التنافس والمكائد. ومهد ذلك للاتفاق مع حاكم الكويت الراحل على تأسيس شركة نفط الكويت بعد سنة في ديسمبر 1934، ونص الاتفاق بين الشركتين على ما يلي:

1 - ممارسة حق اختيار «شركة نفط الخليج الشرقية» (وهي شركة تابعة لشركة نفط الخليج) بشأن أي امتياز أو امتيازات قد تحصل عليها الهيئة الشرقية والعامة في الكويت.

2 - استعمال الوكالات والمنشآت والمرافق الموجودة بتصرف كل منهما للحصول على هذه الامتيازات بشروط لا تكون أكثر ارهاقاً لصاحب الامتياز من شروط مسودة امتياز تم وضعها كجزء من الاتفاقية للرجوع اليها عند اللزوم.

3 - تقاسم أي نفقات يتكبدها أحد الطرفين في ما بعد للحصول على هذه الامتيازات، مناصفة بين الطرفين. ويشمل ذلك دفعة نقدية قيمتها 36.000 جنيه استرليني ستكون مستحقة للهيئة الشرقية والعامة إذا قامت شركة نفط الخليج الشرقية بممارسة حق خيارها مع الهيئة.

4 - تأسيس شركة عاملة (شركة نفط الكويت المحدودة) يتم تمويلها وامتلاكها بالتساوي بين شركة النفط الإنجلو - فارسية المحدودة (آبوك APOC)، وشركة استكشاف الخليج Gulf Exploration Company، وتكون كلفة انتاجها مشتركة بالتساوي بين شركة آبوك وشركة نفط الخليج. ولا يمكن بيعها أو تحويل ملكيتها إلا (أ) بموافقة الطرف الآخر و(ب) مع مراعاة البند بأن يصبح كل محول اليه ملتزما بالكامل بشروط اتفاقية 1933.

5 - التأكد من ان النفط الذي تنتجه شركة نفط الكويت المحدودة لا يستعمل للإفساد أو الحاق الضرر بالوضع التسويقي لأي من الطرفين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وفي أي زمان أو مكان.



السدر السر







يقال إن المندوب البريطاني السامي إلى الكويت هارولد ديكسون (يمين الصورة)، الذي لعب دوراً محورياً في اتفاقيات التنقيب عن النفط الكويتي، رأى في منامه شجرة السدر عام 1937، وتنبأ بالمواقع التي تم اكتشاف النفط فيها، حتى أن شجرة السدر باتت تسمى «شجرة الأحلام»، رمز الثروات المخفية.



الأكثر قراءة
يومي
اسبوعي